٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


يقول سيبويه -رحمه الله: "هذا باب "إذن":
اعلم أن "إذن" إذا كانت جوابًا وكانت مبتدأة؛ عملت في الفعل عمل أرى في الاسم, إذا كانت مبتدأة، وذلك قولك: إذن أجيئَكَ، وإذن آتيَكَ، ومن ذلك أيضًا قولك: إذن -والله- أجيئَكَ، والقسم ههنا بمنزلته في أرى, إذا قلت: أرى -والله- زيدًا فاعلًا، ولا تفصل بين شيءٍ مما ينصب الفعل وبين الفعل سوى إذن؛ لأن إذن أشبهت أرى، وهي في الأفعال بمنزلتها في الاسم، وهي تلغى وتقدم وتؤخر، فلما تصرفت هذا التصرف؛ اجترءوا على أن يفصلوا بينها وبين الفعل باليمين، ولم يفصلوا بين أنْ وأخواتها وبين الفعل؛ كراهة أن يشبهوها بما يعمل في الأسماء، نحو: ضربت وقتلت؛ لأنها لا تصرف تصرف الأفعال، ولا تكون إلا في أول الكلام لازمة لموضعها لا تفارقه، فكرهوا الفصل لذلك؛ لأنه حرف جامد".
أقول: يتحدث سيبويه هنا عن نصب الفعل المضارع بإذن، وهي رابعة الأحرف التي تنصبه، وقد ظهر الآن أنه لم يذكرها مع الثلاثة المذكورة في أول باب إعراب الفعل؛ لأنه سيخصص لها بابًا مستقلًّا يتحدث فيه عنها وعن أحكامها، وقد شبّهها في عملها في الفعل المضارع النصب بالفعل أرى بمعنى أظن في نصبه للاسم، ولقد مثّل لعمله النصب في باب الأفعال التي تستعمل وتلغى بالمثالين: أين ترى عبد الله قائمًا؟ وهل ترى زيدًا قائمًا؟ ومثّل له في موضعٍ آخر بالمثال: أرى عبد الله أبا فلان، وهذا تشبيه مقصود من سيبويه؛ لأن "إذن" لها من الأحكام ما يشبه أحكام "أرى" وما شاكله في باب "ظن" وأخواتها، وباب "أعلم" و"أرى".

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


ويشترط سيبويه لنصب المضارع بإذن شرطين: الأول: أن تقع جوابًا, والثاني: أن تكون مبتدأةً؛ أي مصدرة.
وقد وصفها في موضعٍ آخر من الكتاب بأنها جواب وجزاء، والمراد بكون "إذن" جوابًا: أنها تقع في كلام يجاب به كلام آخر ملفوظ به أو مقدر، سواء وقعت في صدره أو في حشوه أو في آخره, والمراد بكونها جزاءً: أن الكلام الذي تقع فيه يكون مضمونه جزاءً لمضمون كلامٍ آخر، يقول لك القائل: سأزورك, فتقول له: إذن أكرمَكَ. وهنا نصبت "إذن" الفعل المضارع "أكرمك"؛ لأنها وقعت في كلامٍ أجيب به عن كلامٍ ملفوظ، وهو قول القائل: سأزورك، ومضمون الكلام الذي وقعت فيه "إذن" جزاء لمضمون ذلك القول؛ إذ الإكرام جزاء للزيارة، كما أن "إذن" متصدرة في جملتها؛ فلهذا وذاك عملت النصب.
قد نقل عن أبي علي الشلوبين أن "إذن" جواب وجزاء في كل موضع، ونقل عن أبي علي الفارسي أنها تكون حرف جواب وجزاء في أكثر مواضعها، وليس في كل موضع، وهذا هو الراجح؛ لأنها قد تأتي جوابًا ولا تكون جزاءً، كما إذا قال لك القائل: أحبك, فتقول في جوابه: إذن أظنك صادقًا، فالكلام المصدر بإذن هنا لا يتضمن معنى الجزاء؛ لأن الفعل الواقع بعد إذن حال، ولا مدخل للجزاء في الحال، ولا يقع فعل الحال في موقعه.
وقد فهم النحويون بعد سيبويه من تمثيله لإذن, وتعريفه لها بأنها جواب وجزاء أنه يشترط للفعل المضارع الذي ينصب بعدها أن يكون مستقبلًا. كما فهموا مما قرره من أنه لا يفصل بين شيءٍ مما ينصب الفعل وبين الفعل سوى "إذن"، وتمثيله بالفصل...

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


...بالقسم؛ أنه يشترط في ذلك الفعل أن يوصل بإذن، أو يفصل بينه وبينها بالقسم خاصةً، وفي هذا يقول ابن مالك في الألفية:
ونصبوا بإذن المستقبلا
إن صدرت, والفعل بعد الموصلا
أو قبله اليمين .......
.....................
قول سيبويه: "لأن إذن أشبهت أرى، وهي في الأفعال بمنزلتها في الاسم، وهي تلغى وتقدم وتؤخر" الضمير في قوله: "هي في الأفعال", وقوله: "وهي تلغى" يعود إلى إذن، والمعنى: أن إذن مع المضارع بمنزلة أرى مع الاسم في العمل والإلغاء -كما سيأتي حديث ذلك- وأن إذن تلغى فلا تعمل النصب، وتقدم في الجملة فتكون مصدرةً، وتؤخر في الجملة فتقع حشوًا.
وقوله: "فلما تصرفت هذا التصرف؛ اجترءوا على أن يفصلوا بينها وبين الفعل باليمين" فيه دلالة على أن الأصل في "إذن" التي تنصب المضارع أن تكون موصولة بالفعل المنصوب بها، وأن الفصل بينها وبينه باليمين ناشئ عما تميزت به من التصرف بالتقديم والتأخير, والإعمال والإلغاء.
وقوله: "ولم يفصلوا بين أنْ وأخواتها وبين الفعل؛ كراهة أن يشبهوها بما يعمل في الأسماء، نحو: ضربت، وقتلت؛ لأنها لا تصرف تصرف الأفعال" هذا القول يقرر حكمًا عامًّا يشمل جميع الأحرف النواصب للمضارع، وهو أن الأصل فيها ألا يفصل...

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


....بينها وبين معمولها الذي نصبته؛ والحامل على ذلك كراهة تشبيهها بالفعل الذي قد يفصل بينه وبين معموله؛ نظرًا لتصرفه.
وقوله: "ولا تكون إلا في أول الكلام لازمة لموضعها لا تفارقه، فكرهوا الفصل لذلك؛ لأنه حرف جامد" هذا الكلام يصح حمله على أنْ وأخواتها، وهي النواصب الأربعة؛ على أن يكون المراد بأول الكلام اللفظ بالناصب والمنصوب، فعلى هذا تكون النواصب ملازمة لأول هذا اللفظ، وملازمة لموضعها ذلك فلا تفارقه بالتأخير؛ فلهذا الجمود كرهوا الفصل بينها وبين منصوبها.
ويصح أن يحمل كلامه هذا على "إذن" وحدها، فإنها وهي ناصبة تلزم أول الكلام ولا تفارق موضعها ذلك؛ فلهذا الجمود فيها كرهوا الفصل بينها وبين منصوبها إلا بالقسم؛ لأن العرب -كما تقدم- تجرءوا عليه بسبب تصرفها.
النحويون بعد سيبويه يشترطون لنصب المضارع بإذن: ألا يفصل بينه وبينها بفاصل غير القسم ولا النافية، فلو قلت لمن قال "سأزورك": إذن -إن شاء الله- أكرمك, وجب رفع الفعل المضارع للفصل بينه وبين إذن بالشرط، والفصل به يُضعفها ويجعلها لا تقوى على العمل، فإن كان الفصل بينها وبين الفعل بقسم، نحو: إذن –والله- أكرمك, أو كان الفصل بلا النافية، نحو: إذن –لا- أردك خائبًا، فإنها تعمل النصب مع وجود ذلك الفاصل؛ لأن القسم زائد مؤكد للربط المستفاد من إذن؛ أعني: ترتب ما بعدها على ما قبلها، فلا يعد حاجزًا يمنع العمل. كما أن "لا" لم يعتد بها فاصلًا أو حاجزًا مع "أنْ", كقوله تعالى: ((لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)) [النساء: ١٦٥], فكذلك يكون شأن الفصل بها مع إذن.

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


من شواهد الفصل بالقسم مع إعمال "إذن" قول حسان بن ثابت:
إذن –والله- نرميَهُمْ بحرب
تشيب الطفل من قبل المشيب
قد أجاز ابن عصفور إعمالها مع الفصل بالظرف، نحو: إذن –غدًا- أكرمَكَ, وأجاز ابن بابشاذ إعمالها مع الفصل بالنداء، نحو: إذن -يا زيد- أُحسنَ إليك, وبالدعاء، نحو: إذن -غفر الله لك- أكرمك, وأجاز الكسائي وهشام الكوفيان إعمالها مع الفصل بينها وبين الفعل بمعمول ذلك الفعل، نحو: إذن أخاك أكرمَهُ, والكسائي يختار إعمالها وهشام يختار إهمالها.
ثم ينتقل سيبويه من الحديث عن إعمال "إذن" إذا كانت مبتدأة, إلى الحديث عن حكمها إذا لم تكن كذلك، فيقول:
"واعلم أن "إذن" إذا كانت بين الفاء والواو وبين الفعل، فإنك فيها بالخيار، إن شئت أعملتها كإعمال أرى وحسبت، إذا كانت واحدة منهما بين اسمين، وذلك قولك: زيدًا حسبت أخاك، وإن شئت ألغيت "إذن" كإلغائك حسبت, إذا قلت: زيد حسبت أخوك، فأما الاستعمال فقولك: فإذن آتيك وإذن أكرمك، وبلغنا أن هذا الحرف في بعض المصاحف: "وَإِذًا لَا يَلْبَثُوا خلفك إِلَّا قَلِيلًا" [الإسراء: ٧٦], وسمعنا بعض العرب قرأها فقال: "وإذًا لا يلبثُوا"، وأما الإلغاء فقولك: فإذن لا أجيئك، وقال تعالى: ((فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا)) [النساء: ٥٣]".

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


أقول: يتحدث سيبويه هنا عن أسلوبٍ تقع فيه "إذن" حشوًا غير متصدرة، وذلك إذا وقعت متوسطة بين فاء العطف وبين الفعل، وقد بينت أن نصبها للمضارع في تلك الحالة يكون جائزًا لا واجبًا، فيكون المتكلم بذلك الأسلوب مخيرًا بين إعمال إذن ونصب المضارع بها، وبين إلغائها؛ أي: إهمالها، فيكون الفعل بعدها مرفوعًا، فيجوز أن تقول: فإذا آتيَك بفتح الياء، وأن تقول: فإذن آتِيك بسكون الياء، وكذلك يجوز أن تقول: وإذن أكرمَك بفتح الميم، وأن تقول: وإذن أكرمُك بضمها.
قد بين أن "إذن" في تلك الحالة نظير الفعل القلبي الذي ينصب مفعولين, عندما يتوسط بين المبتدأ والخبر، فإنه يجوز فيه أن يهمل فيظل المبتدأ والخبر مرفوعين، ويجوز أن يعمل فيهما فينصبهما على أنهما مفعولان.
قول سيبويه: "وبلغنا أن هذا الحرف في بعض المصاحف" الإشارة فيه إلى قوله تعالى: "وإذًا لا يلبثوا" بحذف النون من "يلبثونَ", والمراد ببعض المصاحف مصحف عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه.
قول سيبويه: "وسمعنا بعض العرب قرأها, فقال: "وإذًَا لا يلبثوا" فيه إشارة إلى قراءة أبي بن كعب، وهذا المكتوب، وهذه القراءة على أن إذن عاملة، وقد قرأ عامة القراء: ((وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا)) بإثبات النون على أن إذن مهملة، والفعل بعدها مرفوع، وقد صاغ ابن مالك هذا الحكم في قوله:

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


وانصب وارفعا إذا إذن
من بعد عطفٍ وقعا
ومعناه: إذا وقعت "إذن" بعد حرف عطفٍ؛ جاء في المضارع بعدها أن ينصب على أنها عاملة، وأن يرفع على أنها ملغاة أو مهملة، كما تقول مثلًا: قد أعفو عنك وإذن أحسن إليك، فيجوز النصب في أحسن باعتبار أن إذن متصدرة في جملتها، وأنك عطفت جملة مستقلة على جملة مستقلة، ويجوز رفع أحسن باعتبار أن إذن وقعت حشوًا فألغيت؛ لأن ما بعد العاطف يعد من تمام ما قبله؛ لكونه يربط ما بعده بما قبله.
وقول ابن مالك: "وارفعا" أصله: "وارفعَنْ" بنون التوكيد الخفيفة، أبدلت ألفًا عند الوقف، وهذا التوكيد يدل على رجحان الرفع، وهذا معناه: أن الإلغاء في تلك الحالة أرجح من الإعمال؛ لأن الظاهر أن إذن غير متصدرة، ولكون الإلغاء راجحًا قرأ عامة القراء بالرفع في قوله تعالى: ((فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا)) [النساء: ٥٣], وقوله تعالى: ((وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا)).
يقول السيرافي في تعليل جواز إلغاء "إذن" بعد الفاء والواو:
"وإنما جاز إلغاء إذن؛ لأنها جواب يكفي من بعض كلام المتكلم، كما يكفي "لا" و"نعم" من كلامه، يقول القائل: إن تزرني أزرك، فيجاب: إذن أزورك، والمعنى: إن تزرني أزرك، فنابت إذن عن الشرط وكفت من ذكره، كما يقول: أزيد في الدار؟ فيقال له: نعم أو لا، وتكفي نعم من كون زيد في الدار، ولا من قوله: ما زيد في الدار.

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


فلما كانت إذن جوابًا قويت في الابتداء؛ لأن الجواب لا يتقدمه كلام, ولما وسطت وأخرت ذايلها مذهب الجواب فبطل عملها، وإنما جاز في الفاء والواو الإلغاء؛ لأنهما للعطف، وقد يجوز عطف جملة على جملة ليس بينهما علاقة، كقولك: قام زيد ببغداد، وخرج عمرو من البصرة إلى الصين، وليس بين الجملتين تعلق، ويجوز أن يكون عطف شيء ليس بجملة على ما قبله.
فإذا أعملت "إذن" وقبلها واو أو فاء، فهما لعطف جملة على جملة؛ أول الجملة الثانية إذن، فوجب أن تكون عاملة لأنها ابتداء، كقولك: إن تأتني آتك وإذن أكرمَكَ. استأنفت إذن أكرمك فجعلته أول الجملة الثانية، وإذا جعلت أكرمك معطوفة على آتك صارت من الجملة الأولى؛ لأنها داخلة في جواب: "إن تأتني" بالعطف على "آتك" فجزمتها؛ لأن "إذن" صارت غير مبتدأة فلم تعمل، ويجوز رفعه بإلغاء "إذن" على أنه داخل في الجملة الأولى في التقدير، كأنه قال: إن تأتني آتك، فقال: وأكرمك إذن، وتكون أكرمك في جملة الجواب الأول، وتقدم إذن على هذه النية، وسنرى رفع الفعل المرفوع بعد المجزوم في جواب الشرط". انتهى.
سيأتي حديث سيبويه عن "إذن" الواقعة بعد الفعل المضارع المجزوم في جواب الشرط، وأما نحو: علي يسافر، وإذن أسافر معه, فيجوز فيه رفع المضارع بعد إذن ونصبه، ويترجح الرفع، فالنصب على أن إذن عاملة فيه؛ لأنها في ابتداء جملة معطوفة على جملة، والرفع على أن إذن ملغاة؛ لأنها لم تقع في ابتداء الكلام كله، بل هي واقعة في حشوه، وبعض النحويين يوجب نصب ما بعد إذن في هذا المثال ونحوه, باعتبار أن الواو التي قبل إذن للاستئناف، فتكون إذن مبتدأة في الجملة المستأنفة.

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


ثم يتحدث سيبويه عن وقوع إذن حشوًا على وجهٍ آخر غير ما تقدم, مبينًا حكمها في تلك الحالة, فيقول:
"واعلم أن "إذن" إذا كانت بين الفعل وبين شيءٍ الفعل معتمد عليه، فإنها ملغاة لا تنصب ألبتة، كما لا تنصب أرى إذا كانت بين الفعل والاسم في قولك: كان أرى زيد ذاهبًا، وكما لا تعمل في قولك: إني أرى ذاهب، فإذن لا تصل في هذا الموضع إلى أن تنصب، فهذا تفسير الخليل، وذلك قولك: أنا إذن آتيك, هي ههنا بمنزلة أرى؛ حيث لا تكون إلا ملغاةً.
ومن ذلك أيضًا: إن تأتني إذن آتك؛ لأن الفعل ههنا معتمد على ما قبل إذن، وليس هذا كقول ابن عنمة الضبي:
اردد حمارك لا تنزع سويته
إذن يرد, وقيد العير مكروب
من قبل أن هذا منقطع من الكلام الأول، وليس معتمدًا على ما قبله؛ لأن ما قبله مستغنٍ. ومن ذلك أيضًا: والله إذن لا أفعل، من قبل أن أفعل معتمد على اليمين، وإذن لغو، وليس الكلام هنا بمنزلته إذا كانت إذن في أوله؛ لأن اليمين ههنا الغالبة، ألا ترى أنك تقول إذا كانت مبتدأة: إذن والله لا أفعله؛ لأن الكلام على إذن، ووالله لا يعمل شيئًا, ولو قلت: والله إذن أفعل, تريد أن تخبر أنك فاعل لم يجز، كما لا يجوز: والله أذهب إذن، إذا أخبرت أنك فاعل؟ فقبح هذا يدلك على أن الكلام معتمد على اليمين، وقال كثير عزة:
لإن عاد لي عبد العزيز بمثلها
وأمكنني منها, إذن لا أقيلها".

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


أقول: ههنا يبين سيبويه أن "إذن" إذا وقعت حشوًا بين الفعل الذي يليها وبين شيء قبلها يرتبط به الفعل, ويحتاج هو إليه ولا يستغني عنه؛ فإن حكمها هو الإلغاء، كما لو كان المضارع الذي يليها واقعًا في موقع خبر عما قبلها، نحو: أنا إذن آتيك، أو واقعًا جوابًا لشرطٍ قبلها، نحو: إن تأتني إذن آتك، أو واقعًا جوابًا عن قسمٍ قبلها، نحو: والله إذن لا أفعل، وإذن في ذلك نظير الفعل أرى؛ فإنه إذا وقع في مثل ذلك الموقع ألغي ولم يعمل، نحو: كان أرى زيد ذاهبا، ونحو: إني أرى ذاهب.
ويعلل سيبويه إلغاء إذن في هذا ونحوه؛ بأن الفعل بعدها يكون معتمدًا على ما قبلها ومرتبطًا به، وأن ما قبل إذن سابق عليها في طلب الفعل، فيكون أولى به ومانعًا لها من التأثير فيه؛ ولهذا إذا كان ما بعد إذن منقطعًا عن الكلام الذي قبلها, وليس معتمدًا عليه أو مرتبطًا به, وما قبلها مستغنٍ عما بعدها؛ فإنها تؤثر فيما بعدها وتنصبه، كما في بيت ابن عنمة الضبي، فإن الشاعر قدر أن المخاطب رد عليه طلبه وقال له: أنا لا أسجره, فاستأنف كلامًا وقال: إذن يرد، فنصب الفعل بإذن؛ لأنها في ابتداء الكلام.
قد علق ابن السراج في (الأصول) على بيت ابن عنمة الضبي وقوله فيه "إذن يرد" بقوله: "فهذا نصب؛ لأن ما قبله من الكلام قد استغنى وتم, ألا ترى أن قوله: "اردد حمارك لا تنزع سويته" كلام قد تم، ثم استأنف كأنه أجاب من قال: لا أفعل ذاك, فقال: "إذن يرد وقيد العير مكروب"؟".

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


وقول سيبويه هنا: "ألا ترى أنك تقول إذا كانت مبتدأة: إذن والله لا أفعل" يستفاد منه أن الفصل بلا والقسم معًا بين إذن والفعل المضارع الواقع بعدها لا يمنع إذن من عمل النصب فيه، فيكون هذا الحكم ثابتًا إذا كان الفصل بالقسم وحده أو بلا وحدها من باب الأولى.
وقد بين سيبويه هنا أن تأخير إذن عن القسم وجوابه يؤدي إلى إلغائها، كما يؤدي إليه توسطها حشوًا بينهما، وذلك في قوله: ""ولو قلت: والله إذن أفعل" تريد أن تخبر أنك فاعل؛ لم يجز، كما لا يجوز: "والله أذهب إذن" إذا أخبرت أنك فاعل، فقبح هذا يدلك على أن الكلام معتمد على اليمين". ثم استشهد على إلغائها لوقوعها حشوًا بين القسم وجوابه ببيت كثير عزة.
يقول السيرافي: وأما الرفع في قول كثير: "إذن لا أقيلها"؛ فلأن الكلام مبني على يمين، وهو جواب لأن، وتقديره: "والله لأن عاد لي عبد العزيز بمثلها لا أقيلها".
خلاصة ما يقوله النحويون في هذا الموضع: أن "إذن" إذا لم تكن في صدر الجملة، وتأخرت إلى آخرها أُهملت، كما لو قلت: أكرمُك إذن، ووالله أكرمُك إذن، وإذا وقعت حشوًا أهملت وجوبًا في ثلاثة مواضع:
الموضع الأول: إذا كان ما بعدها خبرًا عما قبلها في الحال أو في الأصل، نحو: أنا إذن أكرمُك، وإني إذن أكرمُك، وكان أخي إذن يكرمك، وخلت أخي إذن يكرمك.

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


الموضع الثاني: إذا كان ما بعدها جوابًا لشرطٍ قبلها، نحو: إن تهمل واجبك إذن ترسبُ.
الموضع الثالث: إذا كان ما بعدها جوابًا لقسم قبلها، كما في بيت كثير عزة، وكما في نحو: والله إذن لا أخرجُ.
قد جاء في الشعر ما ظاهره إعمال "إذن" مع وقوعها حشوًا، وذلك في قول الراجز:
لا تتركني فيهم شطيرا
إني إذن أهلكَ أو أطيرا
فيروى بنصب أهلك، وهذا النصب متعين لعطف الفعل "أطير" عليه بالنصب، وقد وقعت إذن في البيت حشوًا بين اسم إن وخبرها، ومع ذلك نصبت المضارع بعدها، وهذا الأمر لا إشكال فيه عند الفراء؛ لأنه لا يشترط لإعمال إذن تصدرها في الجملة، وأما جمهور النحويين فيوجّهونه بأنه ضرورة شعرية اضطر الشاعر إليها؛ لأن القوافي منصوبة الرويّ.
وذهب بعضهم إلى أن خبر "إني" محذوف وتقديره: لا أستطيع ذلك, وقوله: "إذن أهلك" استئناف كلام، فتكون إذن واقعة في صدر جملتها, وجملة "إني لا أستطيع ذلك" اعتراضية بين إذن والكلام السابق الذي هي جواب له.
ثم يذكر سيبويه مسألة من مسائل وقوع "إذن" حشوًا يجوز فيها الإعمال والإلغاء, فيقول:
"وتقول" إن تأتني آتك، وإذن أكرمك, إذا جعلت الكلام على أوله، ولم تقطعه وعطفته على الأول، وإن جعلته مستقبلًا نصبت، وإن...

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


...شئت رفعته على قول من ألغى، وهذا قول يونس، وهو حسن؛ لأنك إذا قطعته من الأول، فهو بمنزلة قولك: فإذن أفعل, إذا كنت مجيبًا رجلًا".
أقول: يتمم سيبويه بكلامه هذا حكم "إذن" من حيث الإعمال والإلغاء إذا سبقت بعاطف؛ لأن كلامه السابق كان يدور حول ما إذا كان العطف على ما لا محل له، وكان الحكم هو جواز إلغاء "إذن" وجواز إعمالها مع ترجح الإلغاء، وكلامه هنا حول ما إذا كان العطف على ما له محل من الإعراب.
خلاصة ما ذكره: أنه إذا وقعت إذن حشوًا وقبلها واو العطف، وكان العطف بها على فعل مجزوم، فمذهب سيبويه أن إذن تلغى، ويجزم بعدها الفعل إذا نوي كون ما بعدها متممًا لما قبلها وغير مقطوع عنه، ويجوز نصبه باعتبار أنه مستأنف وإذن في ابتداء جملة مستأنفة، فتكون حينئذٍ عاملة، ويجوز فيه وجه ثالث عند يونس وهو الرفع باعتبار أن إذن ملغاة، وأن العطف على مجموع جملتي الشرط والجواب، فتكون إذن واقعةً حشوًا.
يستكمل سيبويه حديث إذن بقوله:
"وتقول: إذن عبد الله يقول ذاك، ولا يكون إلا هذا من قبل أن إذن الآن بمنزلة إنما وهل، كأنك قلت: إنما عبد الله يقول ذاك، ولو جعلت إذن ههنا بمنزلة كي وأن لم يحسن، من قبل أنه لا يجوز لك أن تقول: كي زيد يقول ذاك، ولا: أن زيد يقول ذاك،...

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


...فلما قبح ذلك جعلت بمنزلة هل وكأنما وأشباههما".
وأقول: هذا بيان لحكم إذن إذا فصل بينها وبين الفعل المضارع بفاصل غير القسم و"لا" النافية، وحكمها هو الإلغاء حتمًا، فلا يجوز في الفعل حينئذٍ إلا الرفع، وفي المثال "إذن عبد الله يقول ذاك" دخلت إذن على مبتدأ، والمضارع واقع في خبره؛ فلهذا أهملت، وجعلت بمنزلة حرفٍ من الحروف التي لا تعمل في المبتدأ والخبر عند دخولها عليهما، مثل: إنما وهل وكأنما، ولا يصح ولا يحسن جعل إذن ناصبة في تلك الحالة بمنزلة أن وكي المصدريتين؛ لأنهما لا ينصبان الفعل إذا فصل بينه وبينهما مبتدأ.
ثم يقول سيبويه: "وزعم عيسى بن عمر أن ناسًا من العرب يقولون: إذن أفعلُ ذاك, في الجواب، فأخبرت يونس بذلك، فقال: لا تبعدن ذا، ولم يكن ليروي إلا ما سمع، جعلوها بمنزلة هل وبل".
وأقول: هذا بيان من سيبويه لحكمٍ مبني على السماع يتعلق بإذن، وقد أخذه سيبويه عن شيخين من شيوخه، هما عيسى بن عمر الثقفي البصري، المتوفى سنة تسعٍ وأربعين بعد المائة من الهجرة، ويونس بن حبيب الضبي، المتوفى سنة مائة وثلاثٍ وثمانين، فقد سمع سيبويه من الأول كلامًا يفيد أن بعض العرب يلغون عمل إذن مع توفر شروط إعمالها, فيقول أحدهما في الجواب: إذن أفعلُ ذاك، برفع أفعل، مع أن إذن متصدرة، والفعل بعدها مستقبل، وهو متصل بإذن غير مفصول عنها بشيء.

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


وأراد سيبويه أن يستوثق لذلك، فأخبر شيخه يونس بهذا السماع، فأجابه شيخه بأن ذلك غير مستبعد، وأن عيسى بن عمر لا يروي عن العرب إلا ما سمع، ثم ذكر له وجه إهمالها وإلغائها عند هؤلاء، وهو أنهم عاملوا إذن معاملة "هل" و"بل" من كل ما يدخل على الفعل ولا يؤثر فيه.
مذهب جمهور النحويين في هذه القضية هو أن إعمال إذن عند توفر الشروط الثلاثة واجب؛ أي: إذا كانت متصدرة في جملتها، والفعل بعدها مستقبلا، ولم يفصل بينها وبينه بفاصل غير القسم ولا النافية.
ذهب بعض النحويين إلى أن إعمالها مع توفر هذه الشروط جائز لا واجب؛ اعتدادًا بما حكاه سيبويه وعيسى بن عمر ويونس من هذا المسموح، وذكر المصرح وغيره أن إهمال إذن هو القياس؛ لأنها غير مختصة، قال: وإنما أعملها الأكثرون حملًا على ظن؛ لأنها مثلها في جواز تقديمها على الجملة وتأخيرها عنها وتوسطها بين جزأيها، كما حملت ما على ليس؛ لأنها مثلها في نفي الحال, والمرجع في ذلك كله إلى السماع.
ثم يقول سيبويه: "وتقول إذا حدثت بالحديث: إذن أظنه فاعلًا، وإذن إخالك كاذبًا؛ وذلك بأنك تخبر أن تلك الساعة في حال ظن وخيلة، فخرجت من باب أن وكي؛ لأن الفعل بعدهما غير واقع، وليس في حال حديثك فعل ثابت، ولما لم يجز ذا في...

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


...أخواتها التي تشبه بها؛ جعلت بمنزلة إنما، ولو قلت: إذن أظنك, تريد أن تخبره أن ظنك سيقع؛ لنصبت، وكذلك: إذن يضربك, إذا أخبرت أنه في حال ضربٍ لم ينقطع".
وأقول: هذا بيان من سيبويه لعدم إعمال إذن عند اختلال شرط من شروط إعمالها، وهو كون الفعل بعدها مستقبلًا؛ فإذا اختل هذا الشرط، وكان الفعل بعدها يدل على الحال وقصد به الحال، فإنها لا تؤثر فيه، ويكون مرفوعًا، كما في المثالين اللذين مثّل بهما سيبويه، ولو قال لك قائل: أحبك, فقلت في جوابه: إذن تصدق، لم تعمل إذن في تصدق؛ لأنك تخبر عن صدقه في الحال، وإذن وسائر النواصب تخلص المضارع للاستقبال، فلا تعمل النصب في فعلٍ يدل على الحال وقصد به الحال، وهذا معنى قول سيبويه: "في أن وكي؛ لأن الفعل بعدهما غير واقع" أي: يكون مستقبلًا، ويراد به المستقبل، وكذلك قوله: "وليس في حال حديثك فعل ثابت" أي: إن الحروف النواصب تنصب فعلًا لا يكون ثابتًا في حال حديثك، بل يكون متوقعًا ثبوته في المستقبل.
وقول سيبويه: "ولما لم يجز ذا في أخواتها التي تشبه بها؛ جعلت بمنزلة إنما" الإشارة فيه بلفظ "ذا" إلى ما قرره من أنَّ أنْ وكي يكون الفعل بعدهما غير واقع ولا ثابت في الحال، والمعنى: لما امتنع مع أن وكي الناصبتين أن يكون الفعل المنصوب بعدهما واقعًا وثابتًا، وهي تشبه بهما في العمل؛ جعلت في حالة كون الفعل بعدها حالًا ومقصودًا به الحال غير عاملة فيه، وكانت معه بمنزلة إنما في عدم التأثير فيما بعدها؛ لأنه إذا كان حالًا ومقصودًا به الحال كان واقعًا وثابتًا، فلا تعمل فيه النواصب التي...

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


...تختص بالعمل في المستقبل.
وقول سيبويه: "ولو قلت: إذن أظنك, تريد أن تخبره أن ظنك سيقع لنصبت، وكذلك: إذن يضربُك, إذا أخبرت أنه في حال ضرب لم ينقطع" هو بمثابة قوله: الفعل المضارع بعد إذن إذا قصد وقوعه في المستقبل نصب، وإذا قصد وقوعه في الحال رفع.
وقد ضبط الفعل "يضربك" بالنصب في نسخة (الكتاب), بتحقيق الشيخ عبد السلام هارون، وضبط في كتاب شرح السيرافي في الجزء التاسع بضم الباء، وهذا هو الصواب؛ لأن الفعل في هذا المثال مقيد بالحال؛ لقول سيبويه بعده: إذا أخبرت أنه في حال ضرب لم ينقطع.
ثم يختم سيبويه باب "إذن" بقوله:
وقد ذكر لي بعضهم أن الخليل قال: "أنْ" مضمرة بعد "إذن"، ولو كانت مما يضمر بعده أن، فكانت بمنزلة اللام وحتى لأضمرتها, إذا قلت: عبد الله إذن يأتيك، فكان ينبغي أن تنصب "إذن يأتيك"؛ لأن المعنى واحد، ولم يغير فيه المعنى الذي كان في قوله: "إذن يأتيك عبد الله", كما تغير المعنى في حتى في الرفع والنصب، فهذا ما رووا، وأمّا مَا سمعت منه فالأول".
أقول: يبين سيبويه هنا قولين في ناصب المضارع بعد "إذن":
الأول: ما سمعه عن الخليل، ومشى هو عليه، ووافقه عليه النحويون من أن إذن هي بنفسها العاملة الناصبة.

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


الثاني: ما ذكره له بعضهم رواية عن الخليل، وربما كان ذلك بعد وفاة الخليل -رحمه الله- من أن الخليل يرى أن عامل النصب بعد إذن هو "أنْ" مضمرة، فكما تضمر أن ناصبة بعد كي الجارة ولام الجحود وحتى وفاء الجواب وواو المصاحبة وأو بمعنى إلى أو إلا، كذلك تضمر ناصبة بعد إذن.
وسيبويه في حديثه هذا يرجح القول الأول وإبطال القول الثاني، فهذا القول الثاني باطل من جهة أن العرب يقولون: إذن يأتيَكَ عبد الله، بإعمال إذن لتحقق شروط الإعمال، ويقولون: إذن عبد الله يأتِيكَ، بإلغاء إذن لاختلال شرط اتصال الفعل بها، والمعنى واحد في المثالين، ولو كان النصب بعدها بأن مضمرة لاستمر النصب في الحالة الثانية؛ لأن المعنى فيها هو معنى الحالة الأولى, ولو كان النصب بعدها بأن مضمرة لوجب النصب في نحو: عبد الله إذن يأتيك, والعرب يرفعون الفعل في ذلك لوقوع إذن حشوًا، ولكون ما بعدها معتمدًا على ما قبلها، ولكون ما قبلها لا يستغني عما بعدها، فلو كان النصب بعدها بأن مضمرة لاستمر النصب في ذلك كله؛ لأن المعنى في الأمثلة الثلاثة واحد لم يختلف، والذي اختلف هو موقع إذن واتصالها بالفعل وانفصالها عنه.
ما ذكره سيبويه من تغير المعنى في "حتى" في حالتي رفع الفعل بعدها ونصبه، سيأتي تفصيل القول فيه في حديث حتى، وقد اختار أبو إسحاق الزجاج هذا القول المروي عن الخليل، ويدل على ذلك قوله في توجيه قوله تعالى: ((فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ...

٢.٢ دراسة لباب "إذن" من كتاب سيبويه


... نَقِيرًا)) [النساء: ٥٣]: "وتأويل إذن إن كان الأمر كما ذكرت أو كما جرى، يقول القائل: زيد يصير إليك, فتجيب فتقول: إذن أكرمه, تأويله إن كان الأمر على ما تصف وقع إكرامه، فأن مع أكرمه مقدرة بعد إذن، المعنى: إكرامه واقع إن كان الأمر كما قلت.
قال سيبويه: "حكى بعض أصحاب الخليل عن الخليل, أنّ "أنْ" هي العاملة في باب إذن", فأما سيبويه فالذي يذهب إليه ونحكيه عنه أن إذن نفسها الناصبة، وذلك أن إذن لما يستقبل لا غير في حال النصب، فجعلها بمنزلة أن في العمل، كما جعلت لكن نظيرة إن في العمل في الأسماء، وكلا القولين حسن جميل إلا أن العامل عند النصب في سائر الأفعال أن، وذلك أجود، إما أن تقع ظاهرةً أو مضمرة". إلى آخر ما قال.
ونقل السيرافي عن الزجاج مذهبه هذا، وذكر أنه يستدل عليه بأن "إذن" متى كانت للحال لم تعمل شيئًا، ثم قال مجيبًا عن هذا الاستدلال: "قال أبو سعيد: وهذا لا يبطل عملها؛ لأنا قد رأينا ما يعمل في حال ويبطل عمله في أخرى، كقولنا: ما زيد قائمًا في لغة أهل الحجاز، فإذا تقدم الخبر أو دخل حرف الاستثناء؛ بطل عملها، وقد دخل في إذن أشد من ذلك؛ لأنها إذا وقعت على الحال فليس ذلك في شيء من نواصب الفعل، وهي في نفسها قد تلغى، وكان ذلك من أقوى أسباب الإلغاء، وتقديم خبر ما ودخول الاستثناء مما لا يعدم في ليس، وقد أبطل عمل ما المشبهة بليس".