..."١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء" من كتاب سيبويه
 |
نمضي مع سيبويه في باب "إعراب الفعل", فنجده ينتقل من الحديث عن جزم المضارع إلى الحديث عن رفعه:
|
|
 |
في ذلك يقول: "هذا باب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء":
اعلم أنها إذا كانت في موضع اسم مبتدأ أو موضع اسم بني على مبتدأ, أو في موضع اسم مرفوعٍ غير مبتدأ ولا مبني على مبتدأ, أو في موضع اسم مجرورٍ أو منصوب، فإنها مرتفعة وكينونتها في هذه المواضع ألزمتها الرفع، وهي سبب دخول الرفع فيها وعلته، فما عمل في الأسماء لم يعمل في هذه الأفعال على حد عمله في الأسماء، كما أن ما يعمل في الأفعال فينصبها أو يجزمها لا يعمل في الأسماء, وكينونتها في موضع الأسماء ترفعها كما يرفع الاسم كينونته مبتدأ".
|
|
|
 |
أقول: بهذا يبين سيبويه مذهبه في علة دخول الرفع في الفعل المضارع, الذي لم يتقدمه ناصب ينصبه أو جازم يجزمه، ولعل ذلك هو عذره في تقديم الحديث عن النصب والجزم وتأخير حديث الرفع، فالمضارع لا يكون مرفوعًا إذا تقدم عليه ناصب أو جازم، فإذا أردنا الحديث عن رفعه، فينبغي أن نوضح متى ينصب ومتى يجزم، ثم ننتقل إلى حديث الرفع.
|
|
|
 |
يستفاد من قول سيبويه هذا أن الفعل المضارع يرتفع عنده بوقوعه موقع الاسم، وأن الفعل الذي يقع موقع الاسم يرفع، سواء كان الاسم الذي وقع الفعل موقعه مرفوعًا أو منصوبًا أو مخفوضًا؛ لأن وقوعه هذا الموقع هو الرافع له، وهو سبب رفعه, ولا شك في أن هذا عامل غير لفظي، فهو شبيهٌ بعامل الابتداء الذي هو سبب رفع المبتدأ من جهة أنه غير لفظي.
|
..."١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء" من كتاب سيبويه
|
 |
ثم ينبه سيبويه على أن الفعل المضارع بوقوعه موقع الاسم يستحق الرفع، ولا يتبع الاسم الذي وقع موقعه في إعرابه؛ لأن ما يعمل في الأسماء لا يعمل في الأفعال على حد عمله في الأسماء، كما أن ما يعمل في الأفعال فينصبها أو يجزمها لا يعمل في الأسماء.
|
|
|
 |
يقول السيرافي موضحًا ذلك: "ولو كان إعراب الفعل يتبع إعراب الاسم الذي وقع موقعه؛ صار عامل الاسم عامله، وما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل، وعامل الفعل لا يعمل في الاسم".
|
|
 |
ثم بدأ سيبويه في التمثيل للمواضع التي يقع فيها الفعل المضارع موقع الاسم، فيستحق الرفع، فقال: "فأما ما كان في موضع المبتدأ, فقولك: يقول زيد ذاك. وأما ما كان في موضع المبني على المبتدأ فقولك: زيد يقول ذاك. وأما ما كان في موضع غير المبتدأ ولا المبني عليه فقولك: مررت برجلٍ يقول ذاك، وهذا يوم آتيك، وهذا زيد يقول ذاك، وهذا رجل يقول ذاك فحسبته ينطلق. وهكذا هذا وما أشبهه". انتهى.
وأقول: لا يخفى أن الفعل المضارع في المثالين الأولين في موضع اسمٍ مرفوعٍ مبتدأ أو خبر، أما الفعل في المثال "مررت برجلٍ يقول ذاك"، فهو في موضع اسمٍ مجرورٍ نعتٍ لرجل، كما أن الفعل في "هذا يوم آتيك" واقع موقع اسم مجرورٍ بإضافة ظرف الزمان إليه، والفعل في "هذا زيد يقول ذاك" واقع موقع اسم منصوب على أنه حال من زيد، والفعل في "هذا رجل يقول ذاك"...
|
..."١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء" من كتاب سيبويه
|
|
...واقع موقع اسمٍ مرفوعٍ نعتٍ لرجل، والفعل في "حسبته ينطلق" واقع موقع اسم منصوب مفعول ثانٍ لحسب.
|
|
 |
ثم يذكر سيبويه أمثلة أخرى تختلف عما ذكره فيما تقدم، فيقول:
"ومن ذلك أيضًا "هلا يقول زيد ذاك", "فيقول" في موضع ابتداء, و"هلا" لا تعمل في اسم ولا فعل, فكأنك قلت: يقول زيد ذاك، إلا أن من الحروف ما لا يدخل إلا على الأفعال التي في موضع الأسماء المبتدأة، وتكون الأفعال أولى من الأسماء حتى لا يكون بعدها مذكور يليها إلا الأفعال، وسنبين ذلك إن شاء الله، وقد بين فيما مضى.
ومن ذلك أيضًا قولهم: "ائتني بعد ما يفرغ زيد", وما ويفرغ بمنزلة الفراغ, ويفرغ صلة وهي مبتدأة، وهي بمنزلتها في "الذي" إذا قلت: بعد الذي يفرغ، فيفرغ في موضع مبتدأ؛ لأن الذي لا يعمل في شيء، والأسماء بعده مبتدأة.
ومن زعم أن الأفعال ترتفع بالابتداء، فإنه ينبغي أن ينصبها إذا كانت في موضعٍ ينتصب فيه الاسم، ويجرّها إذا كانت في موضعٍ يجرّ فيه الاسم، ولكنها ترتفع بكينونتها في موضع الاسم.
ومن ذلك أيضًا قولك: كدت أفعل ذاك، وكدت تفرغ، وكدت "فعلت"، وفعلت لا ينصب الأفعال ولا يجزمها، وأفعل ههنا بمنزلتها في قلت، إلا أن الأسماء لا تستعمل في كدت وما أشبهها، ومثل ذلك: عسى يفعل ذلك، فصارت كدت ونحوها بمنزلة كنت عندهم، كأنك قلت: كدت فاعلًا ثم وضعت أفعل في موضع فاعل، ونظير هذا في العربية كثير, وسترى ذلك إن شاء الله.
|
..."١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء" من كتاب سيبويه
|
|
ألا ترى أنك تقول: بلغني أنّ زيدًا جاء، فـ "أنّ زيدًا جاء" كله اسم، ويقولون: لو أن زيدًا جاء لكان كذا، فمعناه: لو مجيء زيد، ولا يقال: لو مجيء زيد. وتقول في التعجب: ما أحسن زيدًا! ولا يكون الاسم في موضع ذا، فتقول: ما محسن زيدًا، ومنه قد جعل يقول ذاك، كأنك قلت: صار يقول ذاك، فهذا وجه دخول الرفع في الأفعال المضارعة للأسماء". انتهى كلام سيبويه.
|
 |
أقول: يقول السيرافي شارحًا ومعقبًا على كلامه هذا:
|
|
 |
"رأى سيبويه أفعالًا ترتفع في مواضع لا يقع فيها الاسم، فبين أن تلك المواضع في الأصل تقع فيها الأسماء، وأنه عرض فيها معانٍ اختاروا من أجلها لزوم الفعل وترك الأصل، فمن تلك المواضع: هلا يقول زيد ذاك، والأصل: زيد يقول ذاك، ثم قال قائل: لا يقول زيد ذاك، فينفي يقول، فيحضّ السامع على القول، فيجعل مكان لا هلا. ولما كانت "هلا" وأخواتها للتحضيض، ومعناهن معنى الأمر، ذكر الفعل لئلا يزول معنى التحضيض والأمر، والموضع موضع ابتداء.
|
|
 |
مثل ذلك: ما أحسن زيدًا؛ ما: مبتدأة، وأحسن: فعل ماضٍ في موضع خبر المبتدأ، وخبر المبتدأ في تقدير اسم؛ لأنه شيء هو المبتدأ, ونحن لا نقول: ما محسن زيدًا؛ لأن أحسن فعل ماضٍ يدل لفظه على استقرار الحسن فيه, الذي باستقراره فيه يستحق التعجب، ومحسن لا يدل على ذلك، وكذلك "لو أن زيدًا جاء لكان كذا" معناه: لو مجيء زيدٍ، ولا يستعمل مجيء؛ لأن "لو" تجري مجرى "إنْ" في الشرط والجواب، فاحتِيج في شرطه إلى ذكر فعلٍ يلزمه الشرط كلزومه في "إنْ".
|
..."١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء" من كتاب سيبويه
|
 |
قوله: ائتني بعد ما يفرغ، ما موصولة بـ "يفرغ"، ويجوز وصلها بالابتداء والخبر كقولك: ائتني بعد ما زيدٌ أميرٌ، وتكون ما وما بعدها من الفعل بمنزلة المصدر كـ "أنْ" وما بعدها، غير أنّ "أنْ" تختص بالفعل فلذلك نصبته، و"ما" يليها الاسم المبتدأ والخبر، ولا يليها الفعل؛ فلذلك لم تنصب الفعل، وإنما مثلها سيبويه بالذي في أنها لا تعمل شيئًا، كما لا تعمل الذي.
وأما كدت أفعل, ونحو ذلك مما يلزم فيه الفعل فالأصل فيه الاسم, وإنما ألزموا فيه الفعل؛ لأنه أريد به الدلالة بصيغة الفعل على زمانه أو مداناته وقرب الالتباس به ومواقعته، فإذا قلت: كدت أفعل كذا؛ فلست بمخبر أنك فعلته، ولا أنك عريت منها عري من لم يرمه، ولكنك رمته وتعاطيت أسبابه, حتى لم يبق بينك وبينه شيء إلا مواقعته.
فإذا قلت: كدت أفعله, فكأن "أفعله" حد انتهيت إليه ولم تدخل فيه، فكأنك قلت: كنت مقاربًا لفعله وعلى حد فعله، ولفظ "كدت أفعل" أدل على حقيقة المعنى وأخصر في اللفظ، ومثله: عسى زيد أن يقوم، ومعناه: عسى زيد القيام؛ لأن القيام لا يدل على زمانٍ مختص، فلزم الفعل الذي يدل على الزمان بعينه، وإذا قلت: "عسى زيد يقوم" بإسقاط "أنْ" جاز، و"يقوم" في موضع "قائم"؛ ولذلك قيل: عسى الغوير أبؤسًا، وعسى زيد يفعل، إنما تريد: عسى زيد يفعل فيما يستقبل، وكاد زيد يفعل, إنما يقال لمن هو على حد الفعل وليس فيه مهلة، فلما كانت كذلك صارت للحال". انتهى كلام السيرافي.
|
..."١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء" من كتاب سيبويه
|
 |
أقول: قول سيبويه عن المضارع في المثال "كدت أفعل ذاك" وأفعل ههنا بمنزلتها في كنت، إلا أن الأسماء لا تستعمل في كدت وما أشبهها، أراد به: أن هذا المضارع مرفوع؛ لأنه واقع في موقع الخبر الذي يكون اسمًا في باب كان وأخواتها، لكنه في باب كاد وأخواتها لا يكون اسمًا؛ ولهذا قال بعد ذلك: فصارت كدت ونحوها -يعني من أفعال المقاربة ونحوها- بمنزلة كنت عندهم، كأنك قلت: كدت فاعلًا، ثم وضعت "أفعل" في موضع "فاعل".
ثم ذكر نظيرًا لوضع "أفعل" موضع "فاعل"، وهو وضع أن واسمها وخبرها في موضع المصدر في المثالين: بلغني أن زيدًا جاء، ولو أن زيدًا جاء لكان كذا؛ أي: بلغني مجيء زيدٍ، ولو ثبت مجيء زيدٍ لكان كذا.
وذكر نظيرًا لوقوع الفعل المضارع في موقعٍ لا يوضع فيه الاسم، وهو فعل التعجب؛ إذ لا يوضع الاسم في مكانه مع أنه خبر؛ لأن المعنى المراد لا يتحقق بذلك في النظيرين.
|
 |
يختم سيبويه هذا الباب باستطرادٍ يتعلق بكاد وعسى, فيقول:
|
|
 |
"وكأنهم إنما منعهم أن يستعملوا في "كدت وعسيت" الأسماء, أن معناها ومعنى نحوها تدخله أن، نحو قولهم: خليق أن يقول، وقارب أن يفعل، ويضطر الشاعر فيقول: "كدت أن أفعل"، فلما كان المعنى فيهن ذلك؛ تركوا الأسماء لئلا يكون ما هذا معناه كغيره، وأجروا اللفظ كما أجروه في كنت لأنه فعل مثله، و"كدت أن أفعل" لا يجوز إلا في شعر؛ لأنه مثل كان في قولك:...
|
..."١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء" من كتاب سيبويه
|
|
...كان فاعلًا، ويكون فاعلًا، وكأن معنى جعل يقول وأخذ يقول: قد آثر أن يقول ونحوه، فمن ثم منع الأسماء؛ لأن معناها معنى ما لا يستعمل بأن، فتركوا الفعل حين خذلوا أن، ولم يستعملوا الاسم لئلا ينقضوا هذا المعنى".
|
|
 |
أقول: امتناع العرب عن استعمال الاسم خبرًا في "كاد" و"عسى" غالب لا لازم، وقد نبه على ذلك سيبويه فيما تقدم عندما ذكر المثل العربي: عسى الغوير أبؤسًا، ومثله قول الراجز:
أكثرت في العذل ملحًا دائمًا
لا تكثرن؛ إني عسيت صائما
وشاهد مجيء خبر كاد اسمًا, قول تأبط شرًّا:
فأُبت إلى فهمٍ, وما كدت آئبا
وكم مثلها فارقتها, وهي تصفر
|
|
 |
قول سيبويه: "وكأنهم إنما منعهم أن يستعملوا في كدت وعسيت الأسماء, أن معناها ومعنى نحوها تدخله أن، نحو قولهم: خليق أن يقول، وقارب أن يفعل، ويضطر الشاعر فيقول: كدت أن أفعل" معناه: أن العرب لم يستعملوا غالبًا الاسم خبرًا لأفعال المقاربة؛ لأن هذه الأخبار يكون فيها معنى أن، وهو المستقبل؛ ولهذا يكثر استعمال "أنْ" في هذه الأخبار، وهذا المعنى إنما...
|
..."١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء" من كتاب سيبويه
|
|
...يتحقق بالفعل المضارع لا بالاسم؛ فلهذا تركوا الإخبار عنها بالأسماء لئلا يتساوى ما يختص معناه بالمستقبل مع غيره؛ ولهذا قال: "فلما كان المعنى فيهن ذلك، تركوا الأسماء لئلا يكون ما هذا معناه وغيره".
|
|
 |
قول سيبويه: "وأجروا اللفظ كما أجروه في كنت؛ لأنه فعل مثله" معناه: أن العرب أجروا اللفظ في باب "كاد" وأخواتها، كما أجروه في باب "كان" وأخواتها، من جهة أن الجملة تتكون في البابين من فعلٍ ناسخ بعده اسم وخبر؛ لأن كاد وأخواتها أفعال، كما أن كان وأخواتها أفعال.
|
|
 |
قول سيبويه: "ويضطر الشاعر فيقول: كدت أن أفعل", وقوله بعد ذلك: ""وكدت أن أفعل" لا يجوز إلا في شعرٍ؛ لأنه مثل كان في قولك: كان فاعلًا ويكون فاعلًا" يفهم منه أن اقتران خبر كاد بأنْ لا يجوز عند سيبويه إلا في ضرورة الشعر، ومن شواهد ذلك قول الشاعر:
كادت النفس أن تفيض عليه
إذ غدا حشو ريطة وبرودي
وقول الآخر:
|
..."١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء" من كتاب سيبويه
|
|
أبيتم قبول السلم منا فكدتمُ
لدى الحرب أن تغنوا السيوف عن السل
|
|
 |
يفهم من كلام سيبويه أن علة ذلك, هو أن "كاد" يشترط في خبرها أن يكون فعلًا مضارعًا متأولًا باسم الفاعل.
وقد ذهب بعض النحويين, ومنهم ابن مالك إلى أن تجرد خبر "كاد" من "أنْ" غالب لا لازم، فيجوز في الاختيار أن يقترن بأن كما يجوز في ضرورة الشعر، وقد استشهد لذلك ابن مالك بالحديث الذي أخرجه البخاري مرويًّا عن سيدنا عمر -رضي الله عنه: ((ما كدت أَنْ أصلي العصر, حتى كادت الشمس أن تغرب)).
|
|
 |
قول سيبويه: "وكأن معنى جعل يقول, وأخذ يقول: قد آثر أن يقول ونحوه، فمن ثم منع الأسماء؛ لأن معناها معنى ما لا يستعمل بأن" هذا حديث عن أفعال الشروع الدالة على شروع اسمها في خبرها؛ نحو "جعل وأخذ وطفق وأنشأ" وهي أفعال تدل على الأخذ بالفعل والشروع فيه، وهذا المعنى ينافي الاستقبال؛ ولهذا وجب تجرد خبرها من أن لدلالته على الحال، والتزم فيها أن يكون خبرها فعلًا مضارعًا لأنه هو الذي يدل على الحال، ولم يجعل خبرها اسمًا لأنه يحتمل الدلالة على المضي، فمراده بـ "ما لا يستعمل بأن": الفعل المضارع المجرد من أن.
وقوله: "فتركوا الفعل حين خذلوا أنْ" معناه: أبقوا الفعل، ولم يحذفوه حين خذلوا أن؛ أي: قطعوها من موقع خبر.
|
..."١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء" من كتاب سيبويه
|
|
وقوله: "ولم يستعملوا الاسم؛ لئلا ينقضوا هذا" معناه: لم يستعمل الاسم في موقع الخبر مع هذه الأفعال الدالة على الشروع؛ لئلا ينقضوا المعنى الذي تدل عليه، وهو مقاربة الحال.
|
 |
الذي قرره سيبويه في هذا الباب من أن الفعل المضارع استحق الرفع؛ لوقوعه موقع الاسم، وافقه عليه البصريون:
|
|
 |
ذكر صاحب (الإنصاف) أنهم احتجوا لذلك بأمرين:
|
|
|
 |
الأول: أن قيامه مقام الاسم عامل معنوي، فأشبه الابتداء، والابتداء يوجب الرفع، فكذلك ما أشبهه.
|
|
|
 |
الثاني: أنه بقيامه مقام الاسم قد وقع في أقوى أحواله، فلما وقع في أقوى أحواله وجب أن يعطى أقوى الإعراب، وأقوى الإعراب هو الرفع؛ فلهذا كان مرفوعًا لقيامه مقام الاسم.
|
|
 |
ثم ذكر أنه لا يصح أن يحتج عليهم بالفعل الماضي من جهة أنه يقوم مقام الاسم، ولم يجب رفعه مع ذلك؛ لأن الفعل الماضي لم يستحق الإعراب بأي نوع من أنواع الإعراب، فصار قيامه مقام الاسم بمنزلة عدمه في وجوب الرفع؛ لأن الرفع نوع من الإعراب، وإذا لم يستحق الماضي أن يعرب بشيء من الإعراب استحال أن يكون مرفوعًا؛ لأن الرفع نوع من الإعراب، بخلاف الفعل المضارع، فإنه استحق جملة الإعراب بالمشابهة بالاسم، فكان قيامه مقام الاسم موجبًا له الرفع، وصار هذا بمنزلة السيف، فإنه يقطع في محل يقبل القطع ولا يقطع في محل لا يقبل القطع، فعدم القطع في محل لا يقبل القطع لا يدل على أنه ليس...
|
..."١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء" من كتاب سيبويه
|
|
...بقاطع، فكذلك ههنا عدم الرفع في الفعل الماضي مع قيامه مقام الاسم, لا يدل على أن قيام الفعل المضارع مقام الاسم ليس بموجبٍ للرفع، وهذا واضح لا إشكال فيه.
|
|
 |
قد وافق سيبويه والبصريين على هذا المذهب جماعة من المتأخرين؛ كالزمخشري وابن عصفور.
وفي مقابل ذلك ذهب الأخفش وحذاق الكوفيين، ومنهم الفراء، وجماعة من المحققين، كابن الحاجب وابن مالك وابن هشام إلى أن علة رفع الفعل المضارع هي تجرده من الناصب والجازم، واعترض بعضهم على سيبويه وجمهور البصريين بأن ما قالوا به غير مطّرد؛ لأن الفعل المضارع يرفع في نحو: هلا تفعل، وسوف تفعل، وجعلت أفعل، وما لك لا تفعل، ورأيت الذي تفعل، مع أن الاسم لا يقع في هذه المواقع، فلا يقع بعد حرف التحضيض ولا بعد حرف التنفيس، ولا يقع خبرًا لأفعال الشروع، ولا يقع حالًا بعد لا إلا مع تكرارها، ولا يقع وحده صلة للموصول.
|
|
 |
أقول: في كلام سيبويه ما يدفع هذا الاعتراض؛ فإنه يفهم منه أن الفعل المضارع استحق الرفع قبل أن يدخل عليه حرف التحضيض أو حرف التنفيس، وهما غير عاملين, فلا يغيران ما ثبت له من الحكم قبل دخولهما، كما يفهم منه أن المضارع مع أفعال المقاربة والشروع واقع في موقعٍ هو في الأصل الخبر، كما أنه في قول العرب: "ما لك لا تفعل" واقع في موقع الحال، والحال تكون اسمًا مفردًا كما تكون جملة أو شبه جملة.
|
..."١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
١.٢ دراسة لباب "وجه دخول الرفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء" من كتاب سيبويه
|
|
وفي قولهم: "رأيت الذي تفعل" الفعل المضارع فيه صلة، والصلة مبتدأة بعد الموصول، والمضارع إذا ابتدئ به رفع، كما وضح ذلك سيبويه فيما تقدم.
|
|
 |
هذا، وفي تعليل رفع الفعل المضارع قولان آخران، أولهما لثعلب، وهو أن علة رفعه هي مضارعته للاسم، والثاني للكسائي، وهو أن علة رفعه تصدره بحروف المضارعة.
وقول حذاق الكوفيين معترض بأن التجرد من الناصب والجازم أمر عدمي، والأمر العدمي لا يكون علة لأمر وجودي، وهو الرفع، وقول ثعلب معترض بأن المشابهة تقتضي إعرابه ولا تقتضي خصوص الرفع، وقول الكسائي معترض؛ لأن جزء الشيء لا يعمل فيه.
|