٣.١ دراسة لباب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" من كتاب سيبويه


بعد أن تكلم سيبويه عن نصب المضارع بأن وكي ولن، وعن إضمار "أنْ" بعد اللام وحتى وكي، انتقل إلى الحديث عن الجوازم التي تجزم فعلًا واحدًا، فقال:
هذا باب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها"، وذلك: "لم"، و"لما"، و"اللام" التي في الأمر، وذلك قولك: ليفعل، و"لا" في النهي، وذلك قولك: لا تفعل؛ فإنما هما بمنزلة "لم".
واعلم أن هذه "اللام" و"لا" في الدعاء بمنزلتهما في الأمر والنهي، وذلك قولك: لا يقطع الله يمينًا، وليجزك الله خيرًا.
واعلم أن هذه "اللام" قد يجوز حذفها في الشعر وتعمل مضمرة، كأنهم شبهوها بأنْ إذا أعملوها مضمرةً:
قال الشاعر:
محمد تفدِ نفسك كل نفس
إذا ما خفت من شيء تبالا
وإنما أراد: لتفدِ.

٣.١ دراسة لباب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" من كتاب سيبويه


وقال متمم بن نويرة:
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي
لك الويل حر الوجه, أو يبكِ من بكى
أراد: ليبك.
وقال أحيحة بن الجلاح:
فمن نال الغنى فليصطنعه
صنيعته, ويجهد كل جهدي
واعلم أن حروف الجزم لا تجزم إلا الأفعال، ولا يكون الجزم إلا في هذه الأفعال المضارعة للأسماء، كما أن الجر لا يكون إلا في الأسماء، والجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، فليس للاسم في الجزم نصيب وليس للفعل في الجر نصيب، فمن ثَمّ لم يضمروا الجازم كما لم يضمروا الجارّ، وقد أضمره الشاعر؛ شبهه بإضمارهم رُبّ وواو القسم في كلام بعضهم. انتهى كلام سيبويه.

٣.١ دراسة لباب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" من كتاب سيبويه


أقول: العوامل التي تعمل في الفعل المضارع فتجزمه نوعان: ما يجزم فعلًا واحدًا، وما يجزم فعلين، وحديث سيبويه في هذا الباب عما يجزم فعلًا واحدًا، وهو أربعة أحرف:
أولها: "لم"، ولم يمثل سيبويه هنا بالجزم بها, ومثالها قوله تعالى: ((لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ, وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)) [الإخلاص: ٤], كما يلحظ أنه اكتفى بذكرها، ولم يتناولها بشيء من التفصيل.
وقد مثّل للجزم بها في أول الكتاب, حيث أجاز في ضرورة الشعر نحو: لم زيدًا أضربْهُ، وأجاز في موضعٍ آخر: زيدًا لم أضربْ، وقرر في موضعٍ من الكتاب أن "لم, ولما, ولا التي تجزم الفعل في النهي, واللام التي تجزم في الأمر" لا يجوز الفصل بينها وبين الأفعال بشيء، وقال: ألا ترى أنه يجوز أن تقول: لم زيد يأتِكَ، وذكر في موضعٍ آخر أن "لم أضربْ" نفي لـ "ضربت".
ثاني الأحرف: "لما", وقد اكتفى هنا بذكرها ولم يمثل لها، ولم يذكر شيئًا مما يتعلق بها من الأحكام، وقد مثل لها جازمة في موضعٍ آخر بقوله: لما يفعلْ، وذكر في ذلك الموضع أيضًا أنها لا يفصل بينها وبين الفعل، وذكر في موضعٍ ثالث ما يفيد أنها عنده مركبة حيث قال: وما في "لما" مغيرة لها عن حال "لم"، كما غيرت لو إذا قلت: لوما ونحوها، ألا ترى أنك تقول: "لما" ولا تتبعها شيئًا، ولا تقول ذلك في "لم".

٣.١ دراسة لباب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" من كتاب سيبويه


وفي هذا النص إشارة إلى فرقٍ بين "لما" و"لم"، يتمثل في جواز حذف مجزومها بخلاف "لم"، كما تقول: قاربت المدينة ولما, والتقدير: ولما أدخلها، وقد جاء حذف مجزومها في الشعر في قول أعرابي من بني أسد:
فجئت قبورهم بدءًا, ولما
فناديت القبور, فلم يجبنه
والتقدير فيه: "ولما أكن بدءًا", أي: سيدًا, فحذف الفعل المجزوم بلما.
والحاصل أن في كلام سيبويه عن "لما" فروقًا بينها وبين "لم":
الأول: أن لما مركبة من: لم وما الزائدة، بخلاف لم فإنها بسيطة.
الثاني: أن لما يجوز حذف الفعل بعدها اختيارًا بخلاف لم، فلا يجوز حذف مجزومها إلا في الضرورة، كما في قول إبراهيم بن هرمة:
احفظ وديعتك التي استودعتها
يوم الأعازب, إن وصلت وإن لم
فعلى تقدير "وإن لم تصل". وهذا الحذف خاص بالضرورة، ولا يجوز اختيارًا.

٣.١ دراسة لباب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" من كتاب سيبويه


الثالث: أن لما لا يجوز الفصل بينها وبين المجزوم بها مطلقًا، فلا يجوز اختيارًا ولا في ضرورة الشعر، وأما لم فيجوز الفصل بينها وبين مجزومها في ضرورة الشعر، ومن شواهد ذلك قول ذي الرمة:
فأضحت مغانيها قفارًا رسومها
كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل
ثالث الأحرف الجازمة للمضارع: "اللام التي في الأمر" كما عبر عنها سيبويه هنا، والنحويون بعد سيبويه يسمونها "لام الأمر" و"لام الطلب"، ويرون أن تسميتها بلام الطلب أولى وأجود من تسميتها بلام الأمر؛ لأنها قد تأتي للدعاء، وهو طلب من الأدنى للأعلى، كما في قوله تعالى: ((لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)) [الزخرف: ٧٧], وقد تأتي للالتماس، وهو طلب من المساوي للمساوي، نحو قولك عن مساويك: ليفعل كذا وكذا، إلى جانب مجيئها للأمر، وهو طلب من الأعلى يتجه إلى الأدنى، كما في قوله تعالى: ((لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ)) [الطلاق: ٧], فتسميتها بلام الطلب يجعلها شاملة لهذه الثلاثة, وقد مثّل سيبويه هنا لمجيئها للأمر والدعاء.
يتبين من كلام سيبويه في هذا الباب أن هذه اللام يجوز في الشعر حذفها مع الإبقاء على عملها، وهو الجزم، وقد استشهد لذلك بثلاثة شواهد، وتبع جمهور النحويين سيبويه على ما ذهب إليه في ذلك، واستشهدوا له أيضًا بقول...

٣.١ دراسة لباب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" من كتاب سيبويه


...الشاعر:
فلا تستطل مني بقائي, ومدتي
ولكن يكُنْ للخير منك نصيب
والشاهد فيه قوله: "يكن" فإنه مجزوم بلام أمرٍ محذوفة، والأصل: ليكن، فحذفت لام الأمر أو الطلب، وبقي عملها للضرورة الشعرية.
للنحويين في ذلك مذهبان آخران:

٣.١ دراسة لباب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" من كتاب سيبويه


للمبرد
هو أن حذف هذه اللام وبقاء عملها لا يجوز في النثر ولا في الشعر، وما ورد من ذلك فهو مؤول، ومحمول على غير ما ذهب إليه سيبويه.
يقول السيرافي عن البيت الأول: أما حذف اللام من "لتفد نفسك"، فإن أبا العباس المبرد ينكر البيت، ويزعم أنه باطل.
ثم ذكر أنه نقل عن أبي عثمان المازني أن الشاعر يجوز أن يكون أراد: تفدي نفسك, على الخبر، ولكنه حدف الياء كما حذفوها من لفظ الأيدي في قول الشاعر:
فطرت بمنصلي في يعملات
دوامي الأيد يخبطن السَّريحا

٣.١ دراسة لباب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" من كتاب سيبويه


في حديث سيبويه عن حذف هذه اللام, وبقاء عملها تنظير لذلك بـ "أنْ" المصدرية التي تنصب الفعل، وهي مضمرة.
وهناك مسألة تتعلق بلام الأمر، وهي حديث النحويين عن حكمها من حيث الإسكان والتحريك، وقد تكلم عن ذلك سيبويه في غير هذا الموضع عندما تحدث عن إسكان الهاء من: هو وهي، إذا كان قبلها واو أو فاء أو لام، نحو: وهو ذاهب، ولهو خير منك، وفهو قائم, ثم قال:
وفعلوا بلام الأمر مع الفاء والواو مثل ذلك؛ لأنها كثرت في كلامهم وصارت بمنزلة الهاء في أنها لا يلفظ بها إلا مع ما بعدها، وذلك قولك: فلينظر، وليضرب. ومن ترك الهاء على حالها في هي وهو ترك الكسرة في اللام على حالها. انتهى كلام سيبويه.
وسأذكر فيما يلي تحرير هذه المسألة، فأقول:
قال المصرح: أصل "لام الأمر" السكون؛ لأن الأصل عدم الحركة، لكن منع منه أنها قد تكون في الابتداء، والابتداء بالساكن متعذر، فكُسرت.
وقال المرادي: لهذه اللام الأصالة في السكون من وجهين؛ أحدهما مشترك، وهو كون السكون مقدمًا على الحركة، والثاني مختص، وهو أن يكون لفظها مشاكلًا لعملها كما فعل بباء الجر، وهي في الكسر محمولة على باء الجر ولامه؛ لأنها أختهما في الاختصاص بنوعٍ وعملها فيه.

٣.١ دراسة لباب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" من كتاب سيبويه


ثم قال: وإذا وقعت هذه اللام بعد الواو أو الفاء أو ثم؛ رجعت إلى سكونها الأصلي غالبًا، كما في قوله تعالى: ((فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)) [البقرة: ١٨٦], وقوله تعالى: ((ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)) [الحج: ٢٩], وتسكين هذه اللام بعد الواو والفاء أكثر من تحريكها؛ لشدة اتصال كل واحدةٍ منهما بما بعدهما لكونهما على حرف واحد، فتصير معه بمنزلة كلمة واحدة، فتخفف بحذف الكسرة منها كما يخفف نحو: فخذ وكتف بتسكين وسطه. وأما "ثم" فالكسر بعدها أكثر؛ لكونها على ثلاثة أحرف، وإنما جاز تسكين اللام بعدها حملًا على الواو والفاء، فلا تكون مثلهما فيه.
رابع الأحرف الجازمة للمضارع: "لا" في النهي: كما ذكر سيبويه، والنحويون بعده يسمونها "لا" الناهية، و"لا" الطلبية، وتسميتها "لا" الطلبية أجود عندهم؛ لأن الطلبية تشمل المستعملة في النهي والدعاء والالتماس، وهي حرف موضوع لطلب ترك الفعل؛ فإن صدر هذا الطلب من الأعلى للأدنى كان نهيًا، كما في قوله تعالى: ((يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ)) [لقمان: ١٣], وقوله: ((وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا)) [لقمان: ١٨], وقوله: ((لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)) [طه: ٦١], وإذا صدر من الأدنى إلى الأعلى كان دعاءً، كما في قوله تعالى: ((رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)) [البقرة: ٢٨٦]، وإذا صدر من مساوٍ لمساويه من غير استعلاء سمي التماسًا كقولك لنظيرك: لا تؤخر عمل اليوم إلى الغد، وقد مثّل سيبويه للنهي والدعاء بهما فيما تقدم من كلام.

٣.١ دراسة لباب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" من كتاب سيبويه


بعد أن فرغ سيبويه من الحديث عن هذه الأحرف التي تجزم فعلًا واحدًا, أكد على أن الجزم خاص بالأفعال كما أن الجر خاص بالأسماء، وهذا المعنى ذكره أيضًا في باب "مجاري أواخر الكلم من العربية"، فقال هناك: وليس في الأسماء جزم؛ لتمكنها وللحاق التنوين بها، فإذا ذهب التنوين لم يجمعه على الاسم ذهابه وذهاب الحركة. وقال أيضًا: وليس في الأفعال المضارعة جر، كما أنه ليس في الأسماء جزم.
وقد فرع على كون الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء, أن الجازم لا يعمل وهو محذوف كما أن الجار كذلك، ثم قرر أن إضمار الجازم مع بقاء عمله خاص بالضرورة، وفهم ذلك من قوله: "وقد أضمره الشاعر, شبهه بإضمارهم رب وواو القسم في كلام بعضهم" وفي كلامه تنظير ذلك بحذف رُبّ وبقاء عملها وهو الجر، وبحذف واو القسم وبقاء عملها أيضًا.
فأما "رُبّ" فإنها تحذف ويبقى عملها بعد الفاء كثيرًا:
كما في قول امرئ القيس:
فمثلك حبلى قد تركت, ومرضع
فألهيتها عن ذي تمائم محول
فجر مثل برب المحذوفة بعد الفاء.

٣.١ دراسة لباب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" من كتاب سيبويه


وتحذف أيضًا "رُبّ" ويبقى عملها بعد الواو أكثر؛ لأن العرب تبدل من رب الواو، وتبدل من الواو الفاء لاشتراكهما في العطف، كما في قول امرئ القيس:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله
عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فجر "ليلٍ" برب المحذوفة بعد الواو.
وتحذف "رب" ويبقى عملها بعد "بل" قليلًا؛ لبعدها من الواو، كقول رؤبة أو العجاج: "بل مهمهٍ" فجر "مهمه" برب المحذوفة بعد بل.
وتحذف "رب" ويبقى عملها بدون ذلك أقل، كقول جميل بن معمر:
رسم دارٍ وقفت في طلله
كدت أقضي الحياة من جلله
فرسم مجرور برب محذوفة، وليس قبلها فاء ولا واو ولا بل.

٣.١ دراسة لباب "ما يعمل في الأفعال فيجزمها" من كتاب سيبويه


وأما "واو القسم"، فقد ذكر صاحب المفصل أنها تحذف ويعوض عنها حرف التنبيه في قولهم: لاه الله ذا، وهمزة الاستفهام في: آلله، وقطع همزة الوصل في: أفألله، وفي جميع ذلك حذف واو القسم مع بقاء عملها.
هناك مسألة أخرى تتعلق بحديث الفصل بين الجازم والمجزوم، فقرر سيبويه في مسألة جواز الفصل بين "لم ولما ولا ولام الأمر" وبين الأفعال، أنه يجوز ذلك الفصل مع "لم" في الضرورة، أما "لما" فلا يجوز ذلك فيها اختيارًا ولا اضطرارًا، ومثلها "لام الأمر". وأما "لا" الناهية أو الطلبية فلا يجوز الفصل بينها وبين المضارع المجزوم بها إلا في ضرورة الشعر، ومن ذلك قول الشاعر:
وقالوا: أخانا لا تخشع لظالمٍ
عزيزٍ, ولا ذا حق قومك تظلم
فقد فصل الشاعر فيه بين "لا" ومجزومها "تظلم" بفاصلين هما: المنادى ذا، والمفعول المقدم "حق قومك"، وأصل التركيب: ولا تظلم يا هذا حق قومك.
أجاز بعض النحويين الفصل بينهما في قليلٍ من النثر، لكن بالظرف أو الجار والمجرور، نحو: لا اليوم تخرج, ولا في غدٍ تسافر.