![]() |
"هذا باب الحروف التي تضمر فيها أنْ", هذا عنوان جديد لسيبويه لبابٍ يدخل في باب إعراب الفعل، وهو يتحدث عن الحروف التي ينتصب الفعل المضارع بعدها بإضمار "أنْ". |
![]() |
قد ذكر فيه أولًا: "اللام" و"حتى", فقال: وذلك "اللام" التي في قولك: جئتك لتفعلَهُ، و"حتى" وذلك قولك: حتى تفعلَ ذاك، تكلم حتى أجيبَكَ، فإنما انتصب هذا بأن، وأن ههنا مضمرة، ولو لم تضمرها لكان الكلام محالًا؛ لأن اللام وحتى إنما يعملان في الأسماء فيجران، وليستا من الحروف التي تضاف إلى الأفعال، فإذا أضمر "أنْ" حسن الكلام؛ لأن "أنْ" وتفعل بمنزلة اسمٍ واحد، كما أن "الذي" وصلته بمنزلة اسمٍ واحد، فإذا قلت: هو الذي فعل فكأنك قلت: هو الفاعل، وإذا قلت: أخشى أن تفعل، فكأنك قلت: أخشى فعلك، أفلا ترى أن "أنْ تفعل" بمنزلة الفعل؟! فلما أضمرت "أنْ" كنت قد وضعت هذين الحرفين مواضعهما؛ لأنهما لا يعملان إلا في الأسماء، ولا يضافان إلا إليها، وأن وتفعلا بمنزلة الفعل. |
![]() |
ثم ذكر "كي" فقال: وبعض العرب يجعل "كي" بمنزلة "حتى"، وذلك أنهم يقولون: "كيمه" في الاستفهام، فيعملونها في الأسماء كما قالوا: "حتى مه" و"حتى متى"، ولم، فمن قال: كيمه، فإنه يضمر أن بعدها، وأما من أدخل عليها اللام، ولم يكن من كلامه كيمه, فإنها عنده بمنزلة أن، وتدخل عليها اللام، كما تدخل على أن، ومن قال: كيمه جعلها بمنزلة اللام. |
![]() |
أقول: في هذا الباب ذكر سيبويه ثلاثة أحرف تضمر بعدها "أنْ" ناصبةً للمضارع، هي: اللام وحتى وكي؛ ولهذا الباب تتمة أذكرها بعد التعقيب على ما ذكره سيبويه هنا، وذلك بأربعة أمور: |
![]() |
الأمر الأول: لم يهتم سيبويه هنا بالتعليل لاختصاص "أنْ" بنصبها للمضارع, وهي مضمرة، وقد علل ذلك المتأخرون بأنها اختصت بذلك؛ لأنها أم النواصب وأقواها لاختصاصها بالفعل، بخلاف غيرها مثل: كي وإذن، فإنهما قد يدخلان على الأسماء، ولأنها تشبه أنّ الناصبة للاسم، بخلاف لن. ويقول المرادي: اعلم أن أقوى نواصب الفعل "أنْ"؛ لاختصاصها به, ولشبهها بأنّ الناصبة للاسم؛ فلذلك عملت مظهرة ومضمرة بخلاف أخواتها. |
![]() |
الأمر الثاني: لم يهتم سيبويه هنا بذكر حكم إضمار أنْ، أهو واجب أم جائز؟ وقد لخص المرادي أحكام إضمار أن، حيث يقول: إضمارها على ثلاثة أضرب: واجب، وجائز، وشاذ. |
![]() |
فالواجب بعد ستة أشياء: أولها: كي الجارة. وثانيها: لام الجحود. وثالثها: أو بمعنى "إلى" أو "إلا". ورابعها: حتى. وخامسها: فاء الجواب. وسادسها: واو المصاحبة. |
![]() |
والجائز بعد شيئين: الأول: لام كي إذا لم يكن معها لا. والثاني: العاطف على اسم خالص. |
![]() |
والشاذ: إعمالها مضمرة في غير هذه المواضع، والحاصل: أنها لا تعمل مضمرة باطراد إلا بعد حرف جرٍ أو حرف عطف. |
![]() |
الأمر الثالث: بين سيبويه هنا علة جعل "أنْ" المضمرة ناصبة للمضارع بعد اللام الجارة وحتى، وهي أن هذين الحرفين يعملان في الاسم الجر، كما تقول: الحكم لله، وكقوله تعالى: ((سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر)) [القدر: ٥] وليسا من الحروف التي تعمل في الأفعال، وإضمار أن ناصبة للفعل بعدهما يحقق لهما ما وضعا له من العمل في الاسم؛ حيث إن "أنْ" المضمرة تؤول مع الفعل بعدهما باسمٍ مجرور. وقد جاء في معرض كلام سيبويه تنظير أن والفعل بعدها باسم الموصول وصلته, من جهة أن كلًّا منهما يمكن تأويله باسم، إلا أن "أنْ" وما دخلت عليه في تأويل مصدر، واسم الموصول وما دخل عليه يكون في تأويل اسمٍ غير مصدر. |
![]() |
الأمر الرابع: في حديث سيبويه عن "كي" هنا، يذكر أن من العرب من يستعمل "كي" حرف جر، ويستفهم بها وبما الاستفهامية، فيقول: كيمه؟ بمعنى لم؟ فتكون في هذه الحالة عاملة في محل ما الجارة، وما حينئذٍ اسم استفهام، وكي في هذه الحالة بمنزلة لام الجر، فينصب الفعل بعدها بإضمار أن في نحو: جئت كي أتعلم, والتقدير: كي أن أتعلم. والدليل على كونها حرف جرٍ في "كيمه" سقوط الألف من ما؛ لأنها لا تسقط إلا إذا كانت ما في موضع خفضٍ، واتصل بها الخافض في الاستفهام. |
| ثم يذكر استعمالًا آخر لكي لا تكون فيه حرف جر بمنزلة اللام، بل تكون بمنزلة أن المصدرية، وتدخل عليها لام الجر، كما تقول: جئت لكي أتعلم, وفي هذا الاستعمال تكون "كي" حرفًا مصدريًّا ناصبًا. وكون "أنْ" مضمرة بعد كي التعليلة الجارة محل اتفاقٍ بين النحويين في الشعر والنثر، وإضمارها واجب، وقد تظهر في ضرورة الشعر، كما في قول جميل: لسانك كيما أن تغر وتخدعا |
![]() |
ثم يستكمل سيبويه في هذا الباب حديثه عن هذه الأحرف الثلاثة -اللام وحتى وكي- فيقول: واعلم أن "أنْ" لا تظهر بعد حتى وكي، كما لا يظهر بعد أما الفعل في قولك: أما أنت منطلقًا انطلقت، واكتفوا عن إظهار أن بعدهما بعلم المخاطب أن هذين الحرفين لا يضافان إلى فعل، وأنهما ليسا مما يعمل في الفعل، وأن الفعل لا يحسن بعدهما إلا أن يحمل على أنْ، فأنْ ههنا بمنزلة الفعل مع أما، وما كان بمنزلة أما مما لا يظهر بعده الفعل، فصار عندهم بدلًا من اللفظ بأن. وأما اللام في قولك: جئتك لتفعل, فبمنزلة "إنْ" في قولك: إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، إن شئت أظهرت الفعل ههنا، وإن شئت خزلته وأضمرته، وكذلك "أنْ" بعد اللام، إن شئت أظهرته وإن شئت أضمرته. |
| واعلم أن اللام قد تجيء في موضع لا يجوز فيه الإظهار، وذلك: ما كان ليفعل، فصارت أن ههنا بمنزلة الفعل في قولك: إياك وزيدًا، وكأنك إذا مثلت قلت: ما كان زيد لأن يفعل، فهذا لمنزلته، ودخل فيه معنى نفي كان سيفعله، فإذا قلت هذا، قلت: ما كان ليفعل، كما كان "لن يفعل" نفيًا لسيفعل، وصارت بدلًا من اللفظ بأن، كما كانت ألف الاستفهام بدلًا من واو القسم في قولك: آلله لتفعلن، فلم تذكر إلا أحد الحرفين, إذ كان نفيًا لما معه حرف لم يعمل فيه شيء ليضارعه، فكأنه قد ذكر أن، كما أنه إذا قال: سقيًا له، فكأنه قال: سقاه الله. انتهى كلام سيبويه. |
![]() |
أقول: يقرر سيبويه هنا أن "أنْ" المضمرة لا تظهر بعد حتى الجارة، وكي الجارة أي: إن حكم إضمارها بعدهما واجب، والذي أوجبه علم المخاطب أن هذين الحرفين يجران الأسماء، ولا يعملان في الأفعال، ولا يحسن ذكر الفعل بعدهما إلا بالحمل على "أنْ" مضمرة, يؤول معها بمصدرٍ مجرور. وقوله: "فصار عندهم بدلًا من اللفظ بأن" حديث عن علم المخاطب المذكور، فالضمير في صار لذلك العلم. |
![]() |
يلحظ في كلام سيبويه هنا تنظيره وجوب إضمار "أنْ"، بوجوب إضمار "كانَ" في قول العرب: أما أنت منطلقًا انطلقت، فإن أصل هذا القول: انطلقت لأن كنت منطلقًا، فحذف الفعل "كان" الناصب لـ "منطلقًا"، وعُوِّض عنه بـ "ما" تعويضًا لازمًا، وحذفت اللام من "لأن"، وانفصل الضمير الذي كان متصلًا بكان، وأخر الفعل، فصار التعبير: أما أنت منطلقًا انطلقت، ولا يجوز في هذا... |
| ...القول إظهار "كان"؛ لأن "ما" عوض عنها، ولا يجمع بين العوض والمعوض عنه، وكذلك لا يجوز بعد "حتى" و"كي" الجارتين إظهار "أنْ"؛ لأن علم المخاطب المذكور عوض عن النطق بها. |
![]() |
ثم يتحدث سيبويه عن إضمار "أنْ" بعد اللام، ويذكر فيه حكمين: |
![]() |
الحكم الأول: جواز الإظهار والإضمار, وذلك في نحو: جئتك لتفعل, فيجوز فيه ذلك، ويجوز: جئتك لأن تفعل. وهذه اللام تسمى لام كي؛ لأنها للتعليل، كما أن كي للتعليل، وقد جاء في التنزيل إظهار أن بعدها وإضمارها، فالإضمار كما قوله تعالى: ((وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الأنعام: ٧١] والتقدير: لأن نسلم؛ أي: أُمرنا بما أَمَرنا به كي نسلم لرب العالمين، والإظهار كما في قوله تعالى: ((وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ)) [الزمر: ١٢] أي: أمرت بما أمرت به؛ كي أكون أول المسلمين. وضابط هذا الموضع أن يقع الفعل بعد لام كي ولا تقع قبله "لا"؛ لأن مجيء "لا" قبل الفعل يستوجب إظهار "أنْ", كما في قوله تعالى: ((لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)) [النساء: ١٦٥], وقوله تعالى: ((لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)) [الحديد: ٢٩] وإنما يجب إظهار أن في تلك الحالة؛ لكراهة توالي لامين في اللفظ، ففصل بـ "أنْ" بين اللامين؛ لرفع هذا المكروه المستثقل. |
| ويلحظ هنا تنظير سيبويه لجواز إضمار أن وإظهارها, بجواز إضمار كان واسمها أو إظهارهما في قول القائل: إن خيرًا فخير؛ إذ التقدير: إن كان عمله خيرًا فجزاؤه خير، وهذا الإضمار ليس بواجب، ولو أظهر المتكلم كان واسمها لكان كلامه فصيحًا، وهذا التنظير يدل على حضور الأحكام النحوية في ذهن سيبويه، يستحضرها منه متى شاء، ويدل على حرصه على إفهام المتلقي للمسألة، وإفادته حكم ما يماثلها. |
![]() |
الحكم الثاني: وجوب الإضمار في نحو: ما كان ليفعل، وقد عبر عنه سيبويه بقوله: لا يجوز فيه الإظهار. ونظر له بعدم جواز إظهار الفعل في نحو قولهم في أسلوب التحذير: إياك وزيدًا، وهذه اللام في نحو: ما كان ليفعل تسمى عند النحويين لام الجحد أو لام الجحود. وفي بيان الفرق بينهما من جهة جواز إضمار أن وإظهارها مع لام كي، ووجوب إضمارها مع لام الجحود, يقول السيرافي: لام الجحد عند سيبويه بمنزلة لام كي في إضمار أن بعدها، وبينهما فصل في إظهار أن بعدهما، فاستحسن ظهورها بعد لام كي، ولم يجز ظهورها بعد لام الجحد. وإنما قبح ظهورها بعد لام الجحد؛ لأنها نقيض فعل ليس تقديره تقدير اسم ولا لفظه لفظ اسم، وهو السين وسوف، فإذا قلنا: ما كان زيد ليخرج، فهو قبل الجحد كان زيد سوف يخرج أو سيخرج، فإذا قلنا: ما كان زيد لأن يخرج لإظهار أن، فكأنا جعلنا مقابل سوف يخرج وسيخرج اسمًا، فكرهوا إظهار أن لذلك. |
| ووجه آخر، وهو أن تقديره عندهم: ما كان زيد مقدرًا لأن يخرج أو مستعدًّا أو هامًّا أو عازمًا أو نحو ذلك من التقديرات التي توجب المستقبل من الفعل, وأن توجب الاستقبال، فاستغني ما تضمن الكلام من تقدير الاستقبال من ذكر أن، وأمثل هذا بما يكشفه؛ يقول القائل: عبد الله عمي, فيقال له: ما كان عبد الله عمك, ويقول القائل: عبد الله يصوم ويصلي, فيقال: ما كان عبد الله يصوم ويصلي, بغير لام، ويقول القائل: عبد الله يهم أن يقوم، ويريد أن يقوم, فيقال له: ما كان عبد الله ليقوم. ومنه قوله -عز وجل: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)) [الأنفال: ٣٣], ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)) [التوبة: ١١٥], كأن قائلًا قال: هل الله يريد أن يعذبهم؟ وهل الله يريد أن يضل قومًا بعد إذ هداهم؟ فجعلت اللام علمًا لهذا المعنى. قول سيبويه: "وصارت بدلًا من اللفظ بأن" حديث عن لام الجحود، فهو يعني الاستغناء باللام عن ذكر "أن". ويقول أبو علي تعليقًا على قول سيبويه هذا: لأن اللام وأن لم يجتمعا، كما لم تجتمع ياء مع "اللهم"، والفعل مع "إياك وزيدًا", ونحو ذلك. |
| وقول سيبويه: "فلم تذكر إلا أحد الحرفين؛ إذ كان نفيًا لما معه حرف لم يعمل فيه شيء ليضارعه" فسره أبو علي في التعليقة بأن المتكلم ذكر اللام, ولم يذكر "أنْ" في نحو: ما كان ليفعل؛ لأنه نفي لكان سيفعل، و"سيفعل" فعل معه حرف لم يعمل فيه شيئًا، وهو السين. وقوله: "ليضارعه" معناه: ليضارع النفي الإثبات، فاللام في "ما كان ليفعل" لم يعمل شيئًا في الفعل، وهذه حالة النفي، كما أن السين في "سيفعل" لم تعمل في الفعل بعدها شيئًا، وهذه حالة الإثبات. |
![]() |
في كلام سيبويه عن لام الجحود أربعة تنظيرات: |
![]() |
الأول: تنظير وجوب إضمار "أنْ" في نحو: "ما كان ليفعل", بوجوب إضمار الفعل في نحو: إياك وزيدًا. |
![]() |
الثاني: تنظير "ما كان ليفعل" في كونه نفيًا لـ "كان سيفعل", بنحو: "لن يفعل" في كونه نفيًا لـ "سيفعل"، وهذا تنظير معنوي. |
![]() |
الثالث: تنظير كون اللام في "ما كان ليفعل" تغني عن ذكر "أنْ", بكون ألف الاستفهام في نحو: "آلله لتفعلن" تغني عن ذكر واو القسم. |
![]() |
الرابع: تنظير الاستغناء بلام الجحود عن أن, بالاستغناء بالمصدر عن الفعل في "سقيًا له"؛ حيث إن الأصل فيه: "سقاه الله سقيًا". |