٣.١٣ تفصيل القول في باقي أسماء الأفعال


في بداية حديثنا عن باقي أسماء الأفعال نشير إلى أن أسماءَ الأفعال من حيث السماع والقياس تنقسم قسمين: ما اختُلِف فيه: أهو قياسٌ أم سماعٌ؟ وهو ما كان من أسماء الأفعال على وزن (فَعالِ) من الثلاثي، وسيأتي تفصيل القول فيه، وما اتفق على أنه مسموع، وهو ثنائيٌّ، وثلاثيٌّ، وأزيد من الثلاثي:
فالثنائيُّ نحو: (مه)، وهو اسمُ فعل أمر لازم، معناه: اكفف، ويجوز تعريفه بترك التنوين، وتنكيره بتنوينه. و(صه)، وهو اسم فعل أمر لازم، معناه: اسكت، ويجوز فيه التعريف والتنكير. و(وي)، وهو اسمُ فعل مضارع لازم، معناه: أَعجبُ، وفيه تندمٌ. قال تعالى: ((وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)) [القصص: ٨٢]، فـ"ويْ" كلمة برأسها، وهي اسم فعل مضارع بمعنى: أَعجبُ مبنيٌّ على السكون لا محل له من الإعراب والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره: "أنا"، والكاف حرف تعليل وجر، فهي بمعنى اللام معنًى وعملا، و"أنَّ" حرف توكيد ونصب، وهي من الحروف المصدرية و"أنَّ" وما في حيِّزها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، أي: أَعجبُ لعدم فلاح الكافرين.

٣.١٣ تفصيل القول في باقي أسماء الأفعال


هذا مذهب الخليل وسيبويه, ونُسب إلى الأخفش أن "ويْكَ" كلمةٌ برأسها، وأن الكاف فيها حرف خطاب، وأن "أنَّ" معمولةٌ لمحذوف، أي: أَعلمُ أنه لا يفلح الكافرون، وعليه قول عنترة:
ولقد شَفَى نفسِي, وأبرأَ سُقْمَها
قِيلُ الفوارسِ ويْكَ عنترَ أَقدَمِ
وقيل غير ذلك.
ومن أسماء الأفعال الثنائية -أيضا- (وا)، وهو اسم فعل مضارع لازم، معناه: أتعجب، وفيه استحسانٌ. قال الراجز:
وا بأبي أنتِ وفوكِ الأشنبُ
كأنَّما ذُرَّ عليهِ الزَّرْنَبُ

٣.١٣ تفصيل القول في باقي أسماء الأفعال


وصَف امرأةً بطيب النَّكهة، والأشنبُ: عذْب المذاق، والزّرنبُ: ضرْب من النبات طيب الرائحة, والشاهد فيه أنّ "وا" اسم فعلٍ بمعنى: أعجبُ.
وكذلك (بخْ)، أي: عظم الأمر وفخم، و(قطْ)، و(قد)، وهما بمعنى واحدٍ، فهما اسما فعل مضارع بمعنى (يكفي)، فيقال: قد زيدا درهم، أي يكفيه درهم.وحكى الكوفيون أن من العرب من يقول قطْ عبدِ الله درهمٌ، وقدْ عبدِ الله درهـمٌ بجر (عبدِ الله) وإضافة (قد)، و(قط) إليه، وهما -حينئذ- اسمان، ويعربان مبتدأين، و(درهمٌ) الخبر، والمعنى: حسب عبد الله درهم. و(دع)، وهو اسم فعل أمر، يقال للعاثر: دعْ دعْ بمعنى: قم وانتعش واسلم.

٣.١٣ تفصيل القول في باقي أسماء الأفعال


وبعد أن انتهينا من الثنائي نشرع في الثلاثي، وقد سبق الحديث عن ثلاثة أسماء من الأسماء الثلاثية، وهي: (هات) و(بله) و(تيد)، ونظيرها: (هيت)، وهو اسم فعل أمر بمعنى: أقبل وتعال، وقال الزمخشري: بمعنى أسرع، والألفاظ متقاربة في الدلالة على المعنى المراد. وفيه لغات أشهرها ثلاثٌ، وهي فتح الهاء وتثليث التاء، (هَيْتَ، وهَيْتِ، وهَيْتُ)، وفيه لغة رابعة، وهي كسر الهاء وفتح التاء أي: (هِيتَ). ومن أسماء الأفعال الثلاثية أيضا: (إيهًا) بالتنوين، ومن العرب مَن لا ينون ويفتح الهاء، فيقول: إيهَ، فيكون المعنى: طلب الكف عن فعل، ومنهم مَن لا ينون ويكسر الهاء، فيقول: إيهِ، فيكون المعنى: زِدْ أو حَدِّثْ. ومنها: (أفٍّ)، بمعنى: أتضجر. قال تعـالى: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)) [الإسراء: ٢٣].
ومنها (بجل)، وهو اسم فعل أمر بمعنى (اكتف)، وذكر ابن هشام أنه بمعنى (يكفي)، فيكونُ اسم فعل مضارع. وقد يُستعمل هذا اللفظ حرفَ جواب بمعنى (نعم)، وقد يُستعمل اسما مرادفا لـ(حسْب). ومنها (حيَّ)، أي (أَقْبِل)، يُعدّى بـ(على)، نحو: حيّ على الصلاة. وقد اتفق العلماء على عدّ الأسماء السابقة أسماء أفعال، وإن كان بعضها يُستعمل اسمَ فعل، ويستعمل غير ذلك، واختلف في (حسْبُ) في نحو قولهم: حَسْبُك درهمان، فزعم الجرميُّ أنه في معنى الأمر، وأن الضمة ضمة بناء، والكاف حرف خطاب لا محل له من الإعراب. والقول بأن (حسب) اسم فعل قول بادي الضعف؛ لأن (حسب) اسمٌ معربٌ متصرف، يقع مبتدأ وحالا, ولا تكون أسماء الأفعال متصرفة.

٣.١٣ تفصيل القول في باقي أسماء الأفعال


أما الزائد على ثلاثة أحرف: فمنه:
(أوّه)، ومعناه: أتوجع, و(آمين)، وهو اسمُ فعل بمعنى: استجب، ولم يُحفظ له مفعولٌ، قال الشاعر:
           يا ربِّ لا تَسلُبَنِّي حبَّها أبدًا                       ويرحم اللهُ عبدًا قال: آميناَ
ومسماه يتعدى إلى المفعول به، فيقال: استجب دعائي.
(مَهْيَم)، وقد عدها بعض النحويين من أسماء الأفعال، وهي استفهامٌ معناه: أَحَدَث لك شيءٌ؟ وقال الجوهري: معناه: ما حالك وما شأنك؟
(أَوْلَى)، وهو اسم فعل ماضٍ لـ(دنوتَ من الهلاك). ومنه قوله تعالى: ((أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)) [القيامة: ٣٤]، أي: وليه الهلاك. ويكون (لك) بمنزلة قولهم: لك في هلم لك، للتبيين، أي: إرادتِي لك، أو: أعني لك. وقد ذهب أبو علي الفارسي إلى أن (أَوْلى) رفع بالابتداء، واستدل على ذلك بأنا أبا زيد قد حكى عن العرب: أولاةُ لك بالرفع، وهذا تأنيث (أولى)، ولو كان اسما للفعل لم يُرفع؛ لأننا لا نجد فيما سُمّي به الفعل شيئا مرفوعا.
(النجاءَ)، وهو اسم فعل أمر بمعنى: عجّل وأسرع, وتلحقه كاف الخطاب فيقال: النجاءك. وقيل: هو من المصادر النائبة عن الفعل.

٣.١٣ تفصيل القول في باقي أسماء الأفعال


(هيهات)، وهو اسم فعل ماض بمعنى: بعد. وقد ورد هذا الاسم مرتين في قوله تعالى: ((هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ)) [المؤمنون: ٣٦]. وقد كررت في الآية الكريمة للتأكيد، وجاء ما ظاهره أنه الفاعل مجرورا باللام؛ فمنهم من جعله على ظاهره وقال: (ما توعدون) فاعلٌ به وزيدت فيه اللام والتقدير: بعُدَ بعُدَ ما توعدونَ، ومنهم من رأى ضعفَ هذا التوجيـه؛ إذ لم يعهد زيادة اللام في الفاعل، وجعلَ الفاعـلَ مضمرا لدلالة الكلام عليه، والتقدير: هيهات التصديقُ أو الصحةُ لما توعدونَ. ومن ورود هيهات في الشعر العربي قول جرير:
           فهيهاتَ هيهاتَ العقيقُ ومَن به                       وهيهاتَ خِلٌّ بالعقيق نُواصلُهْ
(شتان)، وهو اسم فعل ماض بمعنى (تباعد)، أو بمعنى (افترق) و(تباين)، وذلك لا يكون من واحد. وذكر الرضي أن (شتان) بمعنى (افترق) مع تعجب، أي: ما أشد الافتراقَ ! تقول: شتانَ العِلمُ والجهلُ، وشتان الخيرُ والشرُّ، وشتانَ الأثرةُ والإيثارُ، ولا يجوز أن تقول: شتان الخصمانِ عن مجلس الحكم، ولا: شتان المتعاقدانِ عن مجلس العقد -بمعنى: افترقا عنه.
وهذا الاسم يطلب فاعلا دالا على اثنين، نحو: شتانَ الرجلانِ: زيدٌ وعمرٌو، وقد تُزاد (ما) بين اسم الفعل وفاعله، فيقال: شتان ما زيدٌ وعمرو. قال الأعشى:
           شتانَ ما يومِي علَى كُورِها                       ويومُ حَيّانَ أخِي جابِرِ

٣.١٣ تفصيل القول في باقي أسماء الأفعال


فشتّانَ في البيت: اسمُ فعلٍ ماضٍ بمعنى افترقَ، وفاعله "يومِي" وزيدت "ما" بينه وبين فاعله، والكُورُ -بضم الكاف- الرَّحْلُ، والضمير في "كورِها" يعود على الناقة. يقول: يومِي على كُور هذه الناقة، ويومِي مع حَيّانَ أخِي جابرٍ، مختلفان لا يستويان؛ لأن أحدهما يومُ سفر وتعب، والثاني يوم لهوٍ وطرب, وحَيّانُ وجابرٌ أخوان من بني حنيفة، وكان حيّانُ أخو جابرٍ نديمًا للشاعر.
وقد تزاد -في غير الأكثر الأفصح- "ما بينَ" بين شتّانَ وفاعله، كقول ربيعةَ الرَّقِّيِّ يمدح يزيدَ بنَ حاتمٍ المُهَلَّبِيَّ:
           حلفتُ يمينـا غيـرَ مَثْنَوِيّــَةٍ                       يمينَ امرِئٍ آلَى بها غيرَ آثِـمِ
           لَشَتَّانَ ما بينَ اليزيدَيْنِ في النَّدَى                       يزيدُ سُلَيْمٍ والأَغَرُّ بنُ حاتِمِ
الشاهد في البيت الثاني حيث زاد الشاعر "ما بين" بين اسم الفعل شتانَ وفاعله "يزيدُ سُلَيم". ومعنى "مَثْنَوِيّةٍ": حلفتُ غيرَ مستثنٍ في يميني، فهي مصدر بمعنى الاستثناء.
وزعم الأصمعي أنه مثنى مفردُه (شَتٌّ)، فتقول: شتان الزيدان، وشتان زيدٌ وعمرو، وزعم أن شتان يعرب خبرا مقدما، وما بعده يعرب مبتدأ مؤخرا. والذي أوهم الأصمعيَّ ودفعه إلى هذا القول أمران:

٣.١٣ تفصيل القول في باقي أسماء الأفعال


الأول

أنه قد ورد عن العرب لغة في (شتان) وهي كسر النون, والنون المكسورة هي نون المثنى وما به التحق.

الثاني

أن المرفوع بعده لا يكون إلا مثنى أو ما هو بمعنى المثنى، ولا يكون جمعا، ولو كان بمعنى (افترق) لجاز وقوع الجمع فاعلا له. وما ذهب إليه الأصمعي من أن (شتان) مثنى، قولٌ مردودٌ مرغوب عنه؛ ويُبطلُ هذا القولََ أمران:

الأول: أن اللغة الفصحى هي فتح النون، فدل على أنه ليس مثنى؛ إذ نون المثنى والملحق به تكون مكسورةً.
الثاني: أنه لو كان خبرا كما زعم الأصمعي لجاز تقديمه على المبتدأ؛ إذ لا موجب لتقدم الخبر. ولم يُسمع متأخِّرا.
ومن أسماء الأفعال التي زادت على الثلاثي قولهم: (هلم)، وقد ذكر بعض النحويين أن القول بتركيبها إجماع، وذكر بعضهم أن من العلماء مَن قال ببساطتها، ورجحه أبو حيان؛ لأن الأصلَ عدم التركيب حتى يقوم دليلٌ واضحٌ عليه.

٣.١٣ تفصيل القول في باقي أسماء الأفعال


والقائلون بتركيبها على قولين، فمذهب البصريين أنها مركبة من (ها) التي للتنبيه، و(لُمّ) التي هي فعل أمر من قولهم: لم الله شعثه، حذفت ألفها تخفيفا. وقال الكوفيون: أصله: هلَا أُمَّ، و(هَلَا) للاستعجال، فغُيِّرتْ إلى (هَلَ) للتخفيف، وأُمّ بمعنى: اقصد؛ نقلت ضمةُ الهمزة إلى اللام وحُذفت للتخفيف أيضا لثقل التركيب. وفي (هلم) لغتان مشهورتان:
وهي استعمالها اسمَ فعل أمر، فيُلزمونها طريقة واحدة في الاستعمال، فلا يختلف لفظها مهما اختلف ما تُسند إليه نوعا وعددا، فتكون بلفظ واحد للمذكر والمؤنث، وللمفرد والمثنى والجمع، ويستتر فيها الضمير، كما يستتر في جميع أسماء الأفعال، فيقال: هلم يا زيد، ويا زيدان، ويا هند، ويا هندان، وكذا في بقية الأسماء. وبلغتهم جاء التنزيل، قال تعالى: ((قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا)) [الأنعام: ١٥٠]، أي: أَحضِروا شهداءَكم، وقال عز وجل: ((قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا)) [الأحزاب: ١٨]، أي: ائْتُوا إلينا. كما أنها عندهم لا تقبل ياء المخاطبة ولا نون التوكيد.