١.١٣ حكم تنوين أسماء الأفعال


إن الصحيح من مذاهب النحويين هو القول باسمية هذه الألفاظ التي قامت مقامَ الأفعال، ويدل على اسميتها أنها لو كانت أفعالا لاتصل الضمير بما اتصل به منها على حد ما يتصل بالأفعال، فلما اتصل الضمير ببعضها على حد اتصاله بغير الفعل ثبت أنه اسمٌ، ليس بفعل.
ويدل على اسميتها أيضا أنها تقبل بعض علامات الأسماء، ومن هذه العلامات: التنوين؛ إذ إن بعض هذه الأسماء يلحقه التنوين، وقد ذهب الجمهور إلى أن التنوين الذي يلحق بعض أسماء الأفعال هو تنوين التنكير، فما كان من هذه الأسماء قد دخله التنوين فهو نكرة، وما لم يدخله التنوين فهو معرفة.
معنى التنكير: أن يكون مدلول اسم الفعل غيرَ معهود عند الْمَأمور أو الْمَنْهِيّ، فكأن المتكلم إذا نون اسمَ الفعل يأمر بأمر غير معين، أو ينهى عن شيء غير معين، وإذا ترك التنوين فكأنه يأمر بأمر معين، أو ينهى عن شيء معين.
الأمثلة تكشف عن المراد؛ فإذا قال المتكلم: "إيهِ" بغير تنوين؛ كان اسمُ الفعل معرفة دالةً على معين، وكان معناه: هات الحديثَ المعهود، وإذا قال: "صهْ" بغير تنوين، كان المراد: اسكت السكوتَ المعهود، فالمجرد من التنوين مما يلحقه التنوين كالمعرف, وإذا قال: "إيهٍ" بالتنوين كان المراد: حدث بكل ما تريد، دون تعيين. وكذلك إذا قال: "صهٍ" بالتنوين فكأنه قال: اسكت عن كل حديثٍ.

١.١٣ حكم تنوين أسماء الأفعال


تجدر الإشارة هنا إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن التنوين لا يلحق جميع أسماء الأفعال، بل هي بالنسبة له على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: لا يكون إلا معرفة، فلا يدخله التنوين مطلقا، نحو (رويدَ) و(بلهَ) و(آمينَ)، ويسمى: لازم التعريف.
النوع الثاني: لا يكون إلا نكرةً، فيلزمه التنوين، نحو (إيهًا) التي تقال في الكفّ عن الحديث وقطعه، و(واهًا) في التعجب، و(ويهًا) في الإغراء، ويسمى: لازم التنكير.
النوع الثالث: يجوز فيه الوجهان؛ التنكير فيلحقه التنوين، والتعريف فلا يلحقه، نحو (إيهِ) و(إيهٍ) التي تقال في الاستزادة، ونحو (صهْ) و(صَهٍ)، و(مَهْ) و(مهٍ).

١.١٣ حكم تنوين أسماء الأفعال


الأمر الثاني: أن الحكمَ بالتنكير والتعريف موقوفٌ على السماع، فما جاء عن العرب منونا فهو نكرة، وما جاء غيرَ منون فهو معرفة، وليس للمتكلم إلحاق التنوين فيما ليس فيه تنوين، ولا حذف التنوين مما هو فيه؛ لأن ذلك كله مُتَلَقّى بالسماع، ليس للقياس فيه مدخلٌ، فأصل هذا الباب إنما هو السماع، والأحكام القياسية فيه قليلة.
وما ذكرناه من أن أسماء الأفعال على ضربين: نكرة ومعرفة هو ما عليه الجمهور، وذهب قومٌ إلى أن أسماء الأفعال كلها معارف ما كان منها منونا، وما لم يكن, والقول الأول هو المشهور.
الأمر الثالث: أنه لا يُمكن الاستدلال بتنوين بعض هذه الأسماء على أنها أسماءٌ محضة كـ(زيد) و(عمرو) ونحوهما؛ لأن التنوين الذي يلحق بعض أسماء الأفعال ليس كالتنوين الذي يلحق غيرها من الأسماء، فهذا التنوين الذي في (صهٍ) -مثلا- ليس الذي في نحو (يدٍ) و(دمٍ)؛ لأن التنوين الذي يلحق نحو: يدٍ ودمٍ إنما يلحق بعد استيفاء الاسمِ جميعَ وجوه الإعراب وتمكنه منها، وربما لا يلحق ضربا منها وإن كان معربا كباب ما لا ينصرف، فإن كان هذا التنوين من وصفه ألا يلحق إلا بعد تمكن ما يلحقه في الإعراب، ولم يكن (صهٍ) وبابُه معربا علمتَ أنه ليس إياه، ولكنه التنوين الذي يلحق الأسماء التي هي غير متمكنة، وما أشبهها في قلة التمكن كأسماء الأصوات النكرات؛ ولذلك يسمى هذا النوع من التنوين تنوينَ التنكير، ومعنى هذا أن أسماء الأفعال مبنية؛ لأن التنوين اللاحق ببعضها هو تنوين التنكير الذي لا يلحق سوى الأسماء المبنية.