![]() |
إن الصحيح من مذاهب النحويين هو القول باسمية هذه الألفاظ التي قامت مقامَ الأفعال، ويدل على اسميتها أنها لو كانت أفعالا لاتصل الضمير بما اتصل به منها على حد ما يتصل بالأفعال، فلما اتصل الضمير ببعضها على حد اتصاله بغير الفعل ثبت أنه اسمٌ، ليس بفعل.ويدل على اسميتها أيضا أنها تقبل بعض علامات الأسماء، ومن هذه العلامات: التنوين، إذ إن بعض هذه الأسماء يلحقه التنوين، وقد ذهب الجمهور إلى أن التنوين الذي يلحق بعض أسماء الأفعال هو تنوين التنكير، فما كان من هذه الأسماء قد دخله التنوين فهو نكرة، وما لم يدخله التنوين فهو معرفة. ومعنى التنكير: أن يكون مدلول اسم الفعل غيرَ معهود عند الْمَأمور أو الْمَنْهِيّ، فكأن المتكلم إذا نون اسمَ الفعل يأمر بأمر غير معين، أو ينهى عن شيء غير معين، وإذا ترك التنوين فكأنه يأمر بأمر معين، أو ينهى عن شيء معين. والأمثلة تكشف عن المراد، فإذا قال المتكلم: "إيهِ" بغير تنوين، كان اسمُ الفعل معرفة دالةً على معين، وكان معناه: هات الحديثَ المعهود، وإذا قال: "صهْ" بغير تنوين، كان المراد: اسكت السكوتَ المعهود، فالمجرد من التنوين مما يلحقه التنوين كالمعرف. وإذا قال: "إيهٍ" بالتنوين كان المراد: حدث بكل ما تريد، دون تعيين. وكذلك إذا قال: "صهٍ" بالتنوين فكأنه قال: اسكت عن كل حديثٍ. وتجدر الإشارة إلى ثلاثة أمور: |
![]() |
الأمر الأول: أن التنوين لا يلحق جميع أسماء الأفعال، بل هي بالنسبة له على ثلاثة أنواع: نوع لا يكون إلا معرفة، فلا يدخله التنوين مطلقا، نحو (رويدَ) و(بلهَ) و(آمينَ)،ويسمى: لازم التعريف، ونوع لا يكون إلا نكرةً، فيلزمه التنوين، نحو (إيهًا) التي تقال في الكفّ عن الحديث وقطعه، و(واهًا) في التعجب، و(ويهًا) في الإغراء، ويسمى: لازم التنكير، ونوع يجوز فيه الوجهان: التنكير فيلحقه التنوين، والتعريف فلا يلحقه، نحو (إيهِ) و(إيهٍ) التي تقال في الاستزادة، ونحو (صهْ) و(صَهٍ)، و(مَهْ) ومهٍ). |
![]() |
الأمر الثاني: أن الحكمَ بالتنكير والتعريف موقوفٌ على السماع، فما جاء عن العرب منونا فهو نكرة، وما جاء غيرَ منون فهو معرفة، وليس للمتكلم إلحاق التنوين فيما ليس فيه تنوين، ولا حذف التنوين مما هو فيه؛ لأن ذلك كله مُتَلَقَّى بالسماع، ليس للقياس فيه مدخلٌ، فأصل هذا الباب إنما هو السماع، والأحكام القياسية فيه قليلة. وما ذكرناه من أن أسماء الأفعال على ضربين: نكرة ومعرفة هو ما عليه الجمهور، وذهب قومٌ إلى أن أسماء الأفعال كلها معارف ما كان منها منونا، وما لم يكن. والقول الأول هو المشهور. |
![]() |
الأمر الثالث: أنه لا يُمكن الاستدلال بتنوين بعض هذه الأسماء على أنها أسماءٌ محضة كـ(زيد) و(عمرو) ونحوهما؛ لأن التنوين الذي يلحق بعض أسماء الأفعال ليس كالتنوين الذي يلحق غيرها من الأسماء، فهذا التنوين الذي في (صهٍ) – مثلا - ليس الذي في نحو (يدٍ) و(دمٍ)؛ لأن التنوين الذي يلحق نحو يدٍ ودمٍ إنما يلحق بعد استيفاء الاسمِ جميعَ وجوه الإعراب وتمكنه منها، وربما لا يلحق ضربا منها وإن كان معربا كباب ما لا ينصرف، فإن كان هذا التنوين من وصفه ألا يلحق إلا بعد تمكن ما يلحقه في الإعراب، ولم يكن (صهٍ) وبابُه معربا علمتَ أنه ليس إياه، ولكنه التنوين الذي يلحق الأسماء التي هي غير متمكنة، وما أشبهها في قلة التمكن كأسماء الأصوات النكرات. ولذلك يسمى هذا النوع من التنوين تنوينَ التنكير، ومعنى هذا أن أسماء الأفعال مبنية؛ لأن التنوين اللاحق ببعضها هو تنوين التنكير الذي لا يلحق سوى الأسماء المبنية. |
![]() |
وتفصيل القول في باقي الأسماء، فنبدأ القول بالكلام على (ها)، فنقول: (ها) اسم فعل بمعنى (خذ)، فهو اسم فعل متعدٍّ، وقال ابنُ هشام في مغني اللبيب – مبحث " ها ": " ويجوز مدّ ألفها، ويستعملان بكاف الخطاب وبدونها ". ومعنى ما ذكره ابن هشام أنه يقال فيها: (ها زيدًا)، و(هاءِ زيدًا)، و(هاك زيدًا)، و(هاءَكَ زيدًا)، وقد ذكر الرضيُّ فيه ثمانيَ لغات، نكتفي بذكر خمس منها؛ لأنها هي التي تعد أسماءَ أفعال، أما الثلاثة الباقية فقد وصفها الرضي بقوله: " والثلاثة الأخيرة أفعال غير متصرفة، لا ماضي لها ولا مضارع، وليست بأسماء أفعال " اهـ. وفيما يلي بيان اللغات الخمس التي وردت في (ها) وهي اسم فعل: |
![]() |
اللغة الأولى: (هـا) بالألف مفردةً ساكنةً للواحد والمثنى والجمع، مذكـرا كان أو مؤنثا. |
![]() |
واللغة الثانية: أن تُلحِق هذه الألفَ المفردةَ كافَ الخطاب الحرفية، وتُصَرِّفَها، فتقولَ: (هاكَ) للمفرد المذكر، و (هاكِ) للمفردة المؤنثة، وللمثنى بنوعيه: (هاكما)، ولجمع الذكور: (هاكمْ)، ولجمع الإناثِ: (هاكنّ). |
![]() |
واللغة الثالثة: أن تُلحق الألفَ همزةً مكانَ الكاف، وتُصَرِّفَها تصريفَ الكافِ، فتقول: (هاءَ) للمفرد المذكر، و(هاءِ) للمفردة المؤنثة، و(هاؤما) للمثنى بنوعيه، و(هاؤمُ) لجمع الذكور، و(هاؤنّ) لجمع الإناث. |
![]() |
واللغة الرابعة: أن تُلحق الألفَ همزةً مفتوحةً قبل كاف الخطاب، وتُصَرِّفَ الكافَ، فتقول: هاءكَ، وهاءكِ وهاءكما، وهاؤكم، وهاؤكنّ. |
![]() |
واللغة الخامسة: (هأْ) بهمزة ساكنة بعد الهاء، ويخاطب بها الجميع. |
![]() |
الأول: أن يكون اسمَ فعل أمر بمعنى (دع)، ويكون في هذه الحالة مبنيا على الفتح، ويكون ما بعده منصوبا على المفعولية؛ فيقال: بله زيدا، أي دعه. |
![]() |
الثاني: أن يكون مصدرا بمعنى (الترك)، ويكون في هذه الحالة منصوبا، ويكون ما بعده مجرورا بالإضافة، نحو: بلهَ المُسِيءِ، أي تَرْكَ المُسِيءِ. |
![]() |
الثالث: أن يكون اسما مرادفا لـ(كيف)، ويكون في هذه الحالة مبنيا، ويكون ما بعده مرفوعا، نحو: بلهَ المريضُ؟، أي: كيفَ المريضُ؟ وقد رُويَ (بلهَ) بالأوجه الثلاثة في قول شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كعبِ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ رضي الله عنه من قصيدة في وقعة الأحزاب واصفًا سيوفَ المسلمين: تَذَرُ الجماجمَ ضَاحِيًا هاماتُها بلهَ الأكفَُِّ كأنها لم تُخلقِ فرواية نصب الأكُفِّ على المفعولية ببلْهَ معناها: هذه السيوف تضرب هاماتِ الأعداء المعتدين فتتركُ عِظامَ الرءوس مكشوفةً، فدَعْ ذِكرَ الأيدِي فإنّ قطعها أهونُ من الرءوس. ورواية جرِّ الأكُفِّ معناها: هذه السيوف تترك الجماجم مكشوفةً ترْكَ الأكُفِّ، ورواية رفع الأكُفِّ معناها: أنكَ ترى هاماتِ الأعداء مكشوفةً، فكيفَ الأكُفُّ؟ |
![]() |
في بداية حديثنا عن باقي أسماء الأفعال نشير إلى أن أسماءَ الأفعال من حيث السماع والقياس تنقسم قسمين: ما اختُلِف فيه: أهو قياسٌ أم سماعٌ، وهو ما كان من أسماء الأفعال على وزن (فَعالِ) من الثلاثي، وسيأتي تفصيل القول فيه، وما اتفق على أنه مسموع، وهو ثنائيٌّ، وثلاثيٌّ، وأزيد من الثلاثي، فالثنائيُّ نحو: (مه)، وهو اسمُ فعل أمر لازم، معناه: اكفف، ويجوز تعريفه،بترك التنوين، وتنكيره بتنوينه. و(صه)، وهو اسم فعل أمر لازم، معناه: اسكت، ويجوز فيه التعريف والتنكير, و(وي)، وهو اسمُ فعل مضارع لازم، معناه: أَعجبُ، وفيه تندمٌ, و(بخْ)، أي: عظم الأمر وفخم، و(قطْ)، و(قد)، وهما بمعنى واحدٍ، فهما اسما فعل مضارع بمعنى (يكفي)، فيقال: قد زيدا درهم، أي: يكفيه درهم. وحكى الكوفيون أن من العرب من يقول: قطْ عبدِ الله درهمٌ، وقدْ عبدِ الله درهـمٌ بجر (عبدِ الله) وإضافة (قد)، و(قط) إليه، وهما اسمان، ويعربان مبتدأين، و(درهمٌ) الخبر، والمعنى: حسب عبد الله درهم. و(دع)، وهو اسم فعل أمر، يقال للعاثر: دعْ دعْ بمعنى: قم وانتعش واسلم. وبعد أن انتهينا من الثنائي نشرع في الثلاثي، وقد سبق الحديث عن ثلاثة أسماء من الأسماء الثلاثية، وهي: (هات) و(بله) و(تيد)، ونظيرها: (هيت)، وهو اسم فعل أمر بمعنى: أقبل وتعال، وقال الزمخشري: بمعنى أسرع، والألفاظ متقاربة في الدلالة على المعنى المراد, وفيه لغات أشهرها ثلاثٌ، وهي فتح الهاء وتثليث التاء، (هَيْتَ، وهَيْتِ، وهَيْتُ)، وفيه لغة رابعة، وهي كسر الهاء وفتح التاء أي: (هِيتَ). |
| ومن أسماء الأفعال الثلاثية أيضا: (إيهًا) بالتنوين، ومن العرب مَن لا ينون ويفتح الهاء، فيقول: إيهَ، فيكون المعنى: طلب الكف عن فعل، ومنهم مَن لا ينون ويكسر الهاء، فيقول: إيهِ، فيكون المعنى: زِدْ أو حَدِّثْ. ومنها: (أفٍّ)، بمعنى: أتضجر. ومنها (بجل)، وهو اسم فعل أمر بمعنى (اكتف)، وذكر ابن هشام أنه بمعنى (يكفي)، فيكونُ اسم فعل مضارع. وقد يُستعمل هذا اللفظ حرفَ جواب بمعنى (نعم)، وقد يُستعمل اسما مرادفا لـ(حسْب).ومنها (حيَّ)، أي (أَقْبِل)، يُعدّى بـ(على)، نحو: حيّ على الصلاة. وقد اتفق العلماء على عدّ الأسماء السابقة أسماء أفعال، وإن كان بعضها يُستعمل اسمَ فعل، ويستعمل غير ذلك، واختلف في (حسْبُ) في نحو قولهم: حَسْبُك درهمان، فزعم الجرميُّ أنه في معنى الأمر، وأن الضمة ضمة بناء، والكاف حرف خطاب لا محل له من الإعراب, والقول بأن (حسب) اسم فعل قول بادي الضعف؛ لأن (حسب) اسمٌ معربٌ متصرف، يقع مبتدأ وحالا, ولا تكون أسماء الأفعال متصرفة. |
![]() |
(أوّه)، ومعناه: أتوجع. و(آمين)، وهو اسمُ فعل بمعنى: استجب، ولم يُحفظ له مفعولٌ، قال الشاعر: يا ربِّ لا تَسلُبَنِّي حبَّها أبدًا ويرحم اللهُ عبدًا قال: آميناَ ومسماه يتعدى إلى المفعول به، فيقال: استجب دعائي. و(مَهْيَم)، وقد عدها بعض النحويين من أسماء الأفعال، وهي استفهامٌ معناه: أَحَدَث لك شيءٌ؟ وقال الجوهري: معناه: ما حالك وما شأنك؟ و(أَوْلَى)، وهو اسم فعل ماضٍ لـ(دنوتَ من الهلاك). وقد ذهب أبو علي الفارسي إلى أن (أَوْلى) رفع بالابتداء، واستدل على ذلك بأنا أبا زيد قد حكى عن العرب أولاةُ لك بالرفع، وهذا تأنيث (أولى)، ولو كان اسما للفعل لم يُرفع؛ لأننا لا نجد فيما سُمّي به الفعل شيئا مرفوعا. ومن الزائد على الثلاثة كذلك قولهم:(النجاءَ)، وهو اسم فعل أمر بمعنى: عجّل وأسرع.وتلحقه كاف الخطاب،فيقال: النجاءك. وقيل: هو من المصادر النائبة عن الفعل. |
![]() |
و(هيهات)، وهو اسم فعل ماض بمعنى: بعد. |
![]() |
و(شتان)، وهو اسم فعل ماض بمعنى (تباعد)، أو بمعنى (افترق) و(تباين)، وذلك لا يكون من واحد. وذكر الرضي أن (شتان) بمعنى (افترق) مع تعجب، أي: ما أشد الافتراقَ! تقول: شتانَ العِلمُ والجهلُ، وشتان الخيرُ والشرُّ، وشتانَ الأثرةُ والإيثارُ، ولا يجوز أن تقول: شتان الخصمانِ عن مجلس الحكم، ولا شتان المتعاقدانِ عن مجلس العقد، بمعنى: افترقا عنه, وهذا الاسم يطلب فاعلا دالا على اثنين، نحو: شتانَ الرجلانِ: زيدٌ وعمرٌو، وقد تُزاد (ما) بين اسم الفعل وفاعله، فيقال: شتان ما زيدٌ وعمرو. وقد تزاد - في غير الأكثر الأفصح - " ما بينَ " بين شتّانَ وفاعله. وزعم الأصمعي أنه مثنى مفردُه (شَتٌّ)، فتقول: شتان الزيدان، وشتان زيدٌ وعمرو، وزعم أن شتان يعرب خبرا مقدما، وما بعده يعرب مبتدأ مؤخرا. والذي أوهم الأصمعيَّ ودفعه إلى هذا القول أمران: أحدهما: أنه قد ورد عن العرب لغة في (شتان) وهي كسر النون. والنون المكسورة هي نون المثنى وما به التحق. والآخر: أن المرفوع بعده لا يكون إلا مثنى أو ما هو بمعنى المثنى، ولا يكون جمعا، ولو كان بمعنى (افترق) لجاز وقوع الجمع فاعلا له. وما ذهب إليه الأصمعي من أن (شتان) مثنى، قولٌ مردودٌ مرغوب عنه؛ ويُبطلُ هذا القولََ أمران: الأول: أن اللغة الفصحى هي فتح النون، فدل على أنه ليس مثنى؛ إذ نون المثنى والملحق به تكون مكسورةً. والثاني: أنه لو كان خبرا كما زعم الأصمعي لجاز تقديمه على المبتدأ؛ إذ لا موجب لتقدم الخبر. ولم يُسمع متأخِّرا. |
![]() |
ومن أسماء الأفعال التي زادت على الثلاثي قولهم: (هلم)، وقد ذكر بعض النحويين أن القول بتركيبها إجماع، وذكر بعضهم أن من العلماء مَن قال ببساطتها، ورجحه أبو حيان؛ لأن الأصلَ عدم التركيب حتى يقوم دليلٌ واضحٌ عليه. والقائلون بتركيبها على قولين، فمذهب البصريين أنها مركبة من (ها) التي للتنبيه، و(لُمّ) التي هي فعل أمر من قولهم: لم الله شعثه، حذفت ألفها تخفيفا. وقال الكوفيون: أصله: هلاَ أُمَّ، و(هَلاَ) للاستعجال، فغُيِّرتْ إلى (هَلَ) للتخفيف، وأُمّ بمعنى: اقصد.نقلت ضمةُ الهمزة إلى اللام وحُذفت للتخفيف أيضا لثقل التركيب. |
![]() |
وفي (هلم) لغتان مشهورتان: |
![]() |
الأولى: لغة الحجازيين، وهي استعمالها اسمَ فعل أمر، فيُلزمونها طريقة واحدة في الاستعمال، فلا يختلف لفظها مهما اختلف ما تُسند إليه نوعا وعددا، فتكون بلفظ واحد للمذكر والمؤنث، وللمفرد والمثنى والجمع، ويستتر فيها الضمير، كما يستتر في جميع أسماء الأفعال، فيقال: هلم يا زيد، ويا زيدان، ويا هند، ويا هندان، وكذا في بقية الأسماء. |
![]() |
والثانية: لغة تميم، وهي في هذه اللغة تلحقها الضمائر المختلفة بحسب ما تُسند إليه نوعا وعددا؛ فللمفرد المذكر: هلمَّ، وللمفردة المؤنثة: هلمِّي، وللمثنى بنوعيه: هلمَّا، ولجمع الذكور: هلمُّوا، ولجمع الإناث هلْمُمْنَ بفكّ الإدغام وسكون اللام لإسنادها إلى نون النسوة، وذكر سيبويه أنها قد تلحقها نون التوكيد الخفيفة أو الثقيلة في هذه اللغة. وتستعمل (هلم) متعدية بمعنى (أحضِرْ)، ولازمة بمعنى (أَقبِلْ). |
![]() |
ونشير في بداية هذا الحديث إلى أن صيغة (فَعَالِ) ممّا اختُصَّ به المؤنث، ولا يكون إلا معرفةً، معدولا عن جهته، مبنيا على الكسر. والعدل: إخراج الكلمة عن صيغتها الأصلية لغير قلب أو تخفيف أو إلحاق أو معنًى زائدٍ، فخرج نحو أَيِسَ مقلوب يَئِسَ، وفَخْذٍ مخفف فخِذٍ، وكوثر الملحق بالواو بجعفر، ورُجَيلٍ مصغر رجل وتأتي هذه الصيغة في العربية على أربعة أضرب، والذي يعنينا هنا الضرب الذي تكون فيه اسم فعل أمرٍ، مثل: نَزَالِ بمعنى انْزِلْ، وتَراكِ بمعنى اتْرُكْ. وعلة بنائه على الكسر: تضمنه معنى لام الأمر؛ لأن (نزال) بمعنى: انزل، وأصله (لتنزل)، و(تراكِ) بمعنى اتركْ وأصله لتتركْ، فلما تضمنت هذه الأسماء معنى لام الأمر شابهت الحروف فبنيت. والأصل في المبني أن يكون على السكون، إلا أنه التقى في آخره ساكنان: الألف الزائدة ولام الكلمة، فوجب تحريك اللام؛ لالتقاء الساكنين، وكان التحريك بالكسر؛ لأن التقاء الساكنين يوجب الكسر، ولأن (نزال) وبابه مؤنث، والكسر من علم التأنيث، نحو (قمتِ) و(فهمَكِ)، فحرك بأشكل الحركات به. وقد أجاز ابن الحاجب ان يكون فَعال، نحو نزال وتراك فعلا، فقال: لو قيل: إن هذه الصيغة من الثلاثي فعل أمر لا اسم فعل لم يكن بعيدا؛ لأنها جرت من الفعل على صيغة واحدة، كجريان صيغة (افْعَلْ). |
![]() |
ولم يرتض الرضي قولَ ابن الحاجب، لأنه لو كان فعلا كما قال ابنُ الحاجب لاتصلت الضمائر به كما تتصل بالأفعال، فلما لم تتصل به الضمائر، بل استعمل بلفظ واحد للجميع دلّ على أنه ليس فعلا، بل هو اسمُ فعل. ونختم الحديث عن هذا العنصر بأن نشير إلى أن صيغة (فعال) جاءت في لسان العرب من الثلاثي دون غيره، وقد اختلف في القياس على ما ورد منها، هل يجوز أن يُقاس عليه أم يُكتفى فيه بالمسموع الوارد عن العرب؟
فمذهب سيبويه الجواز؛ لأنه قال: "واعلم أن (فَعَالِ) جائزةٌ من كل ما كان على بناء (فَعَلَ)، أو (فَعُلَ)، أو (فَعِلَ)، ولا يجوز من (أَفْعَلْتُ)؛ لأنا لم نسمعه من بنات الأربعة، إلا أن تَسمع شيئا، فتُجيزَه فيما سمعتَ، ولا تُجاوِزَه " اهـ. ومعنى ما ذكره سيبويه أن القياس على الثلاثي جائز، وأنه إن ورد شيء من غيره كان سماعا لا يجوز لأحد أن يتجاوزه ويقيس عليه غيره. هذا وقد ذكر أبو حيان أنه يشترط في الفعل الثلاثي أن يكون مجردا من الزيادة متصرِّفًا تامًّا، فلا يُبى (فعال) من (اقتدر) مثلا. وقد سُمع من غير المجرد (بدارِ) من (بادر)، و(دراك) من (أدرك). واختار أبو بكر بنُ طلحة جواز القياس على ما كان على وزن (أفعل)، وهو الذي جعله سيبويه موقوفا على السماع.ولا يجوز أن يُبنى (فَعالِ) من غير المتصرف ولا من غير التام، فلا يقال: وذارِ، ولا كوانِ قائما، ونحو ذلك. وذهب المبرد إلى أنه لا ينقاس شيء من ذلك لا من الثلاثي ولا من غيره، وحجته في ذلك أنه لا يجوز لأحد أن يبتدع صيغة لم تقلها العرب. |