![]() |
لما كانت أسماءُ الأفعال تدل على ما تدل عليه الأفعال من معانٍ قويت دلالتها على الأفعال، فأخذت حكمَها في التعدي واللزوم، فإذا كان اسمُ الفعل بمعنى فعلٍ متعدٍّ كان متعديا، نحو: (عليك)، فإنه بمعنى الفعل المتعدي: (الزم)، فكان متعديا، فيقال: عليك زيدا، أي: الزمْه، وإذا كان اسمُ الفعل بمعنى فعل لازم كان لازمًا، نحو (صه)، فإنه بمعنى الفعل اللازم (اسكت)، فكان لازما مثلَه. ولم يُستثن من ذلك إلا قولهم: (آمينَ) بمد الألف وقصرها؛ فإنه اسمُ فعل بمعنى (استجب)، ولم يُحفظ له مفعولٌ، ومسماه متَعدٍّ إلى المفعول به، فيقال: اللهم استجب الدعاءَ، ولا يقال: آمينَ الدعاءَ، أو أمينَ الدعاءَ. |
![]() |
هذا, وأسماءُ الأفعال من حيث التعدي واللزوم على ثلاثة أضرب: ضربٌ لا يُستعمل إلا لازما، نحو (صه) بمعنى: (اسكت)، و(مه) بمعنى: (اكفف)، وضرب لا يُستعمل إلا متعديا، نحو: عليك زيدا، بمعنى: الزمه، ودونك عمرا، بمعنى: خذهُ, وضرب يُستعمل تارة متعديا تارة ولازما، كـ(رويدك) و(ودونكَ). |
![]() |
أسماء الأفعال المتعدية تخالف الأفعال التي بمعناها في أمرين: |
![]() |
الأول: أن الباء تُزاد كثيرًا في مفعول أسماء الأفعال، فيقال: عليك به؛ لضعفها في العمل، فتقوى بحرفٍ عادته إيصال الفعل اللازم إلى المفعول به. |
![]() |
الثاني: أن الفعل المتعدي يجوز أن يتقدم على معموله وأن يتأخر عنه بلا خلاف، فيقال: زيدا الزم، والزم زيدا، أما تقديم معمول اسم الفعل عليه ففيه خلاف. |
![]() |
قد ذكر أبو البركات الأنباريُّ هذه المسألة في (الإنصاف)؛ فنسب إلى الكوفيين القولَ بأنه يجوز أن يتقدم معمول اسم الفعل عليه، كما نسبه إليهم الرضيُّ، وذكر المرادي وأبو حيان في نسبة هذا القول رأيين؛ أحدهما: أنه رأي الكسائي، والآخر: أنه رأي الكوفيين إلا الفراء. ومهما يكن من أمر, ففي المسألة قولان: |
![]() |
الأول: أن معمول اسم الفعل لا يجوز أن يتقدم عليه، فلا يصح أن يقال: زيدا عليك، بنصب (زيدا) بـ(عليك)، وإنما يجوز أن يقال: زيدا عليك بنصب زيد بإضمار فعل. وهو ظاهر مذهب سيبويه، ووافقه الفراء من الكوفيين. فذكر أنه قلّما تقول العرب: زيدا عليك، وزيدا دونك، وهو جائز كأنه منصوب بشيء مضمر قبله. |
![]() |
الثاني: أنه يجوز أن يتقدم معمول اسم الفعل عليه، فيقال: زيدا عليك، كما يُقال: زيدا الزم. |
![]() |
قد احتجّ كل فريق لمذهبه: |
![]() |
فمن ذهب إلى أنه لا يجوز أن يتقدم معمول اسم الفعل عليه احتجّ بأن أسماء الأفعال فرعٌ عن الأفعال في العمل، فلم تعمل عمل الفعل إلا لقيامها مقامه، فينبغي ألا تتصرف تصرف الفعل، فإذا كان الفعل يجوز تقديم معموله عليه وتأخيره عنه، فإن أسماء الأفعال لا يجوز تقديمُ معمولها عليه؛ لأنه لو جاز أن يتقدم معمولها لأدى ذلك إلى التسوية بين الأصل والفرع، وذلك لا يجوز؛ لأن الفروعَ أبدا تنحطُّ عن درجات الأصول. |
![]() |
ومن ذهب إلى أنه يجوز أن يتقدم معمول اسم الفعل عليه احتجّ بأمرين: السماع والقياس. |
![]() |
أما السماع فقوله تعالى: ((كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)) [النساء: ٢٤]، وقولُ الراجز: يا أيها المائح دلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا فقد ذهب الكسائي إلى أن ((كِتَابَ اللَّهِ)) منصوب بـ ((عَلَيْكُمْ))، وأعرب (دلوي) معمولا لـ(دونكا)، وقد تقدم على عامله. |
![]() |
وأما القياس فعلى الفعل، فالفعل يجوز تقديم معموله عليه، وتأخيره عنه، فيقال: زيدا الزم، والزم زيدا، ولما كانت أسماءُ الأفعال قائمة مقام الأفعال، والأفعال يجوز في معمولها التقديمُ والتأخير، جاز الأمران في ما قام مقام الأفعال. |
![]() |
والرأي الراجح في هذه المسألة هو الرأي الأول القائل بأن أسماء الأفعال لا يجـوز أن يتقدم معمولها عليها؛ لضعف ما استدل به القائلون بالجواز، سواء في ذلك استدلالهم بالسماع واستدلالهم بالقياس؛ أما السماع فإن الدليلين اللذين استدلوا بهما من السماع ليس فيهما حجةٌ على أنه يجوز أن يتقدم معمول اسم الفعل فيه، فقوله تعالى: ((كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)) لا دليل فيه؛ لأن ((كِتَابَ)) ليس منصوبا بـ ((عَلَيْكُمْ))، وإنما هو مصدرٌ مؤكد لمضمون الجملة قبله، والعامل فيه فعل مقدر، والتقدير: كتب اللهُ ذلك عليكم كتابا، وإنما قدر هذا الفعل ولم يظهر؛ لدلالة ما تقدم عليه. ويجوز أن يكون ((كِتَابَ اللَّهِ)) منصوبا على الإغراء، والتقدير: الزموا كتابَ اللهِ، و ((عَلَيْكُمْ)) اسمُ فعل أمر بمعنى: الزموا أيضا وقد حُذف مفعوله، أي: عليكم ذلك، فيكون أكثرَ توكيدا لكونه إغراءً بعد إغراء. وأما الرجزُ فلا دليل فيه على جواز أن يتقدم معمول اسم الفعل عليه؛ لأن هذا البيتَ يحتمل تخريجات أخرى، منها: أن يكون (دلوي) منصوبا بفعل مضمر، كأنه قال: الزم دلوي، ويكون (دونك) تفسيرا له. أو أن يكون (دلوي) مرفوعا بالابتداء، وما بعده الخبر. أو أن يكون (دلوي) خبرا لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه دلوي, والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط الاستدلال به. وأما قياسهم اسمَ الفعل على الفعل فمردود؛ لأن الفعل متصرفٌ في نفسه، فتصرف عمله، وأما أسماءُ الأفعال فغيرُ متصرفة في نفسها، فينبغي ألا يتصرف عملها، فوجب أن يمتنع تقديمُ معمولها عليها؛ لأنه لا يتصرف في المعمول إلا ما يتصرف في نفسه. |