![]() |
عَرَّف النحاةُ اسمَ الفعل بتعريفات متعددة، ونختار من هذه التعريفات قولهم: اسم الفعل هو ما ناب عن الفعل في المعنى والعمل، ولم يتأثر بالعوامل، ولم يكن فضلة. |
![]() |
فقولهم: (ما ناب عن الفعل في المعنى والعمل) جنسٌ يشملُ اسمَ الفعل وغيرَه مما ينوب عن الفعل في المعنى والعمل. والمراد بأنها نائبة عن الفعل أنها تعمل عمله، فترفع الفاعل ظاهرا، نحو: هيهات زيدٌ، ومضمرا: نحو: صَهْ، أي: اسكتْ، وتنصب المفعولَ إن نابت عن فعل متعدٍّ, نحو: رُوَيْدَ زيدًا، أي: أمهلْهُ. |
![]() |
وقولهم: (لم يتأثر بالعوامل) قيدٌ في التعريف؛ لإخراج ما ينوب عن الفعل في المعنى والعمل وهو متأثر بالعوامل الداخلة عليه، كالمصدر، فإنه ينوب عن الفعل في المعنى والعمل، نحو: ضربا زيدا، ولكنه يتأثر بالعوامل الداخلة عليه؛ إذ إنه –هنا- منصوب بفعل مضمر، والتقدير: اضرِبْ زيدًا ضربا, وكاسمِ الفاعل نحو: أقائمٌ الزيدان؟ ونحوِهما مما يعمل عمل الفعل؛ فإن العوامل اللفظية والمعنوية تدخل عليها فتعمل فيهـا. |
![]() |
وقولهـم: (ولم يكن فضلة) قيدٌ آخرُ في التعريف؛ لإخراج الحروف كإنّ وأخواتها، فإنها تعمل النصب في الاسم باتفاق، وتعمل الرفع في الخبر -على الرأي الراجح- وفيها معاني الأفعال، فمعنى (إنَّ) و(أنّ): حَقَّقْتُ، ومعنى (كأنّ): شبَّهت، ومعنى (لكن): استدركت، ومعنى (ليت): تمنيت، ومعنى (لعل): ترجَّيت. غير أن هذه الأحرف فضلةٌ، فخرجت من تعريف اسم الفعل بقولهم: ولم يكن فضلة؛ لأن اسمَ الفعل لا يكون فضلةً في الكلام، بل هو عمدة؛ إذ يقوم مقام الفعل، فهو ركن في الإسناد. |
![]() |
قد وضعت العرب هذه الأسماءَ لأمرين: |
![]() |
أحدهما: قصد الاختصار: فقولنا: (عليك زيدا) الأصل فيه: وجب عليك أخذ زيدٍ، وقولنا: (إليك عني) الأصل فيه: ضُمّ رَحْلَكَ وثَقَلَكَ إليك، واذهب عني. |
![]() |
الآخر: قصد المبالغة: فإن معاني هذه الأسماء أبلغ وآكد من معاني الأفعال التي يقال: إن هذه الأسماء بمعناها، فإذا قال المتكلم: (أُفٍّ)، فكأنه قال: أتضجر كثيرا جدا،وإذا قال: (هيهات)، فكأنه قال: بعد جدا، كقولهم: هيهات إدراكُ الغاية بغير العمل الناجح. |
![]() |
حكم أسماء الأفعال هو البناء، فجميع أسماء الأفعال مبنيةٌ؛ وقد ذكر الرضي في علة بنائها أمرين: |
![]() |
أحدهما: أنها أشبهت مَبْنِيَّ الأصل، وهو الفعل الماضي وفعل الأمر، فلا يقال: إن (صه) اسمٌ لـ(لا تتكلم)، و(مه) اسمٌ لـ(لا تفعل)؛ إذ لو كانا كذلك لكانا معربين، بل هما بمعنى (اسكت) و(اكفف)، وكذلك لا يُقال: إن (أف) بمعنى (أتضجر) و(أوه) بمعنى (أتوجع)؛ إذ لو كانا كذلك لكانا معربين كمسماهما، بل هما بمعنى: (تضجرت) و(توجعت) الإنشائيتين. ولا يخفى ما في كلام الرضي من ضعف؛ إذ لو كان الأمر كما زعم لكان فيه إنكار اسم الفعل المضارع. |
![]() |
الآخر: أن علة بنائها أنها أسماءٌ لما أصله البناء، وهو مطلق الفعل، سواءٌ بقيَ على ذلك الأصل كالماضي والأمر، أو خرج عن أصله، وهو الفعل المضارع. |
![]() |
يمكن أن يضاف إلى ما ذكره الرضي: أن سبب بنائها هو أنها أشبهت الحرفَ كما قال كثير من النحويين؛ لأن الرأي الذي استقر عند النحاة هو أن المبنيَّ من الأسماء إنما بُني لأنه أشبه الحرف، وقد تعددت أنواع شبه الاسم بالحرف، ومنها الشبه بالحرف في الاستعمال؛ لأنّ أسماءَ الأفعال ملازمةٌ للإسناد إلى الفاعل، فهي أبدًا عاملة، ولا يعمل فيها شيءٌ، فأشبهت –في استعمالها- الحروفَ العاملةَ كإنَّ وأخواتها، فبُنيت لذلك، فأسماءُ الأفعال تؤدي معنى الفعل على جهة اللزوم، وتعمل عمل الفعل، ولا تقبل عملَ عاملٍ فيها، فنحو قولنا: (صه) يؤدي معنى (اسكت)، ويعمل عمله، ولا يصلح أن يكون معمولا لعامل، وكذلك (نزال) تنوب عن (انزل)، و(هيهات) ينوب عن (بَعُد)، ولا تصلح هذه الألفاظ أن يعمل فيها عاملٌ من العوامل. وجميع أسماء الأفعال –كما ذكر الرضي– منقولة عن غيرها، والمراد بكونها منقولة أنها لم تُوضع من أول الأمر؛ لتُستعمل أسماءَ أفعال، بل استعملت استعمالا آخر قبل استعمالها أسماءَ أفعال، فاسم الفعل (دونك) هو في الأصل ظرفٌ، ثم نُقل عن الظرفية، فاستعمل اسمَ فعل بمعنى: (خذ)، واسم الفعل (عليك) هو في الأصل جارٌّ ومجرور، ثم نقل فاستُعْمِل اسم فعلٍ، بمعنى (الزم). |
![]() |
هكذا سائر أسماء الأفعال, ومع أنها جميعا منقولةٌ, فإنها لم تُنقل عن شيء واحد، بل نُقِل بعضها عن المصدر، ونُقِل بعضها عن الظرف، وعن الجار والمجرور, وفيما يلي بيانٌ للأصول التي نُقلت عنها أسماء الأفعال: |
![]() |
أولا: ما نُقل عن المصدر: المراد باسم الفعل المنقول عن المصدر هو: ما سبق استعماله مصدرا، وهو ضربان: |
![]() |
ثانيا: ما نُقل عن ظرف أو جار ومجرور: |
![]() |
المراد به: ما سبق استعمالُه ظرفا أو جارا ومجرورا قبل استعماله اسمَ فعل؛ فالمنقول من الجار والمجرور نحو: (عليك، وإليك، وكذاك، وكما أنت)، ولا يُستعمل هذا النوع في الغالب إلا جارًّا لضمير المخاطب، وشذّ جره لضمير المتكلم في نحو (عليّ) بمعنى: (أَوْلِنِي) أي أَعطِنِي، و(إليَّ) بمعنى: (أتنحى)، ولضمير الغائب في: (عليه) بمعنى (ليلزم). وأشذُّ منه أن يجر اسما ظاهرا، نحو ما سمعه الأخفش من قول بعضهم: علَى عبدِ الله زيدا، بجرِّ عبدِ الله، أي قرِّبْه إياه. |
![]() |
المنقول من الظرف: (عندك، ولديك، ودونك، ووراءك، وأمامك، ومكانك، وبعدك)، هذا هو المسموع، واختلف في القياس عليه، فذهب البصريون إلى أنه يُقتصر على المسموع، ولا يجوز القياس عليه، وذهب الكسائي إلى أنه يجوز قياس الظروف على المسموع، نحو: خلفك وقدامك. وفيما يلي بيان معاني هذه الأسماء ما كان منها منقولا عن جار ومجرور، وما كان منها منقولا عن ظرف. فأسماء الأفعال المنقولة عن جار ومجرور نحو (عليك) يستعمل متعديا بمعنى الزم، ومنه قوله تعالى: ((عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ)) [المائدة: ١٠٥]، و(إليك) بمعنى تنح، وهو لازمٌ عند البصريين، وذكر الكوفيون أنها تتعدى، فتقول: إليك زيدا، أي: أمسك زيدا، و(كذاك) ويستعمل متعديا بمعنى أمسك، ومنه قول الشاعر: أقول وقد تلاحقت المطايا كذاك القولَ إن عليك عينا |
![]() |
والمعنى: أمسك القولَ. وفسره ابن جني في الخصائص بـ(احفظ القول) أو (اتق القولَ)، و(كما أنت)، ويستعمل متعديا بمعنى: انتظر, وحكى الكسائي: "كما أنت زيدا"، أي: انتظر زيدا، و(كما أنتني) أي: انتظرني. وأسماء الأفعال المنقولة عن ظرف: (عندك)، ويستعمل متعديا بمعنى: خذ، ولازما بمعنى توقف، و(لديك) ويستعمل متعديا بمعنى: خذ، و(دونك) ويستعمل متعديا بمعنى خذ، ولازما بمعنى: تأخرْ، و(وراءك) ويستعمل لازما بمعنى: تأخر، و(أمامك) ويستعمل لازما بمعنى: تقدم، و(مكانك) ويستعمل لازما بمعنى: اثبت، و(بعدَك) ويستعمل لازما بمعنى: تأخر. |