٢.١١ بيان الْمُقْسم به والْمُقْسم عليه، وحروف القسم


الْمُقسمُ به: هو كل اسمٍ لله أو لِمَا يُعظَّمُ من مخلوقاته، نحو: بالله ليقومَنَّ زيدٌ، وكان العرب يحلفون قيقولون: قد أفلح وأبيه إن صدق؛ لأن أبا الْمُقسِم له معظم عنده.وقال ابن أبي الربيع: "كانت العربُ تحلف بآبائها، فتقول: وأبي، وتقول: ورأسِي، إلَّا أنّ الشرع منع أن يحلف الرجلُ بغير اللهِ " اهـ.
الْمُقسََم عليه: كلُّ جملةٍ حُلِف عليها بإيجابٍ أو نفي، نحو: والله ليقومن زيدٌ، ونحو: والله ما قام عمرو.
الأحرفُ التي يُقسم بها: فأشهرُها خمسة أحرف، وهي: الباء، والواو، والتاء، واللام، ومُِنُ بضم الميم وكسرها وحكى ابنُ مالك وابن أبي الربيع وغيرهما فيها لغاتٍ أخرَ. وليست هذه الأحرف سواءً في استعمالها، فمنها ما يدخل على المضمر والظاهر، ومنها ما يدخل على الظاهر وحده، ومنها ما يدخل على كل مُقْسم به، ومنها ما يختصُّ بِمُقْسم به دون غيره، ومنها ما يكون الفعل معه ظاهرا أو مضمرا، ومنها ما لا يكون الفعل معه إلا مضمرا، وإليك بيان ذلك كله:
أولا: الباء: تختص من بين أحرف القسم بأنه يجوز استعمالها مع كل مُقْسم به، سواء أكان ظاهرا أم مقدرا، فيقال: بالله لأُنْصَرَنّ، ويقال: بك لأُنْصَرَنّ. فدخلت في المثال الأول على اسم ظاهر، وهو لفظ الجلالة، ودخلت في المثال الثاني على ضمير هو (الكاف). كما تُستعمل الباء للقسم، والفعل ظاهرٌ أو محذوف، فيقال: بالله لأفعلنّ، ويقال: أقسم بالله لأفعلنّ.

٢.١١ بيان الْمُقْسم به والْمُقْسم عليه، وحروف القسم


ثانيا: الواو: تدخل على الاسم الظاهر وحده، بشرط أن يكون الفعل محذوفا، فيقال: والله لأفعلنّ، ولا يجوز دخولُها على الضمير، فلا يقـال: وكَ لأفعلنّ، كما لا يجوز الجمع بينها وبين الفعل، فلا يُقال: أقسم والله لأفعلنّ، لأنه لو قيل: أقسم والله لأفعلن، لأدى إلى اللبس؛ لجواز أن يُتَوَهّم أنه يمينان؛ لأن القائل قد يكتفي بأن يقول: أقسم ويجري ذلك مَجرى القسم. وأجاز ابنُ كيسان إظهار الفعل, وردّه ابنُ عصفور بقوله: "وهذا لا ينبغي أن يجوز... ولا يحفظه أحدٌ من البصريين، فإن جاء شيءٌ من ذلك فينبغي أن يُتَأَوَّلَ على أن يكون (أقسم) كلاما تاما، ثم أُتيَ بعد ذلك بالقسم، ولا يُجعل (والله) متعلقا بـ(أقسم)" اهـ.
ثالثا: التاء: تختص بالدخول على اسم الله تعالى، ولا يجوز أن تدخل على غيره مما يُقْسمُ به، وتستعمل مع التعجب وغيره، فالتعجب نحو: تالله ما أكرم زيدا !، وغير التعجب نحو: تالله ما علمت هذا. ويشترط في استعمال التاء للقسم أن يحذف الفعل، فيقال: تالله لأكرمنك، ومنه قولـه تعـالى: ((وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)) [الأنبياء: ٥٧]، وربما دخلت التاء على غير اسم الله تعالى، كقولهم: تربِّي، وتربِّ الكعبة، وتالرحمن، وهو شاذٌّ، ليس بمعروف، ولعل الذي قاله لم يكن فصيحا، كما قيل.
رابعا: اللام: تختص بالدخول على اسم الله تعالى ويشترط في استعمال اللام للقسم شرطان: أحدهما أن يكون الْمُقْسِم متعجبا من الْمُقْسَم عليه، نحو: لِلهِ لأضربنّك، إذا كان متعجبا من الضرب. والآخر: إضمار الفعل الذي يتعلق به المجرور، فلا يجوز أن يقال: أقسم لله لأضربنك.

٢.١١ بيان الْمُقْسم به والْمُقْسم عليه، وحروف القسم


خامسا: مُِنُ، بلغاتها المختلفة: ونلاحظ في كلام ابن مالك أنه أدخل (من) على اسم الله، وذكر بعض النحويين أنه مُخْتَصٌّ بالدخول على الرب، فيقال: مِن ربي لأفعلن (بكسر الميم)، ومُن ربي لأفعلن (بضم الميم)، ولا يجوز إظهار الفعل معه.
الباء هي أصل حروف القسم؛ لأن فعل القسم هو (أقسم) أو (أحلف)، وهما لا يصلان إلا بالباء؛ لأن أصلها الإلصاق، فهي تلصق فعل القسم بالْمُقسم به. ولما كانت الباء هي الأصل خُصّت بأمور:
منها: جواز ذكر الفعل معها، فيقال: أقسم بالله لأفعلنّ، وغيرها من حروف القسم يجب معه حذف الفعل، ويتعلق الجار والمجرور بفعل مضمر.
ومنها: دخولها على كل مقسم به، سواء أكان ظاهرا أم مضمرا، ولا يجوز ذلك مع أحرف القسم الأخرى؛ إذ إن أحرف القسم الأخرى لا تدخل إلا على الأسماء الظاهرة، ومنها ما يختص بلفظ الجلالة وحده.
ومنها: استعمالها ـ دون غيرها من الأحرف ـ في القسم الاستعطافي، فيقال: بالله هل قام زيدٌ ؟ أي: أسألك بالله مستعطفا.

٢.١١ بيان الْمُقْسم به والْمُقْسم عليه، وحروف القسم


الواو بدلٌ من الباء؛ لأن بين الحرفين تناسبا لفظيا ومعنويا، فالتناسب اللفظي لأن مخرجهما واحدٌ، والتناسب المعنوي؛ لأن الباء تفيد الإلصاق، وفي واو العطف معنى الجمعية القريب من الإلصاق. والقول بأن الباء أصلٌ والواو بدلٌ منها هو قول جمهور النحويين.
التاء في القسم بدلٌ من الواو كما أبدلت منها في غير القسم، فلها نظائر مطردة، وغير مطردة، فمن إبدال الواو تاء إبدالا مطردا: اتصف واتصل، فالأصل فيهما: اوتصف واوتصل، ومن إبدال الواو تاء إبدالا غير مطرد: (تراث)، فإن الأصل (وراث)؛ لأنه من الفعل (وَرِثَ)، فكذلك يقال في: تالله: إن الأصلَ والله، ثم أبدلت الواو تاءً كما أبدلت في (تراث) و(التكأة) ونحوهما.