أن تكون جملة اسمية من مبتدأ وخبر، والخبر ظاهرٌ، نحو: عليّ عهدُ الله لأفعلنّ، فـ(عليّ) خبرٌ مقدم، و(عهدُ) مبتدأ مؤخر.
![]() |
القسم: مصدر غير جارٍ على فعله؛ لأن الفعل (أقسمَ) مصدره: الإقسام. والقسم في اللغة: اليمين، ويرادفه الحلف والإيلاء. وفي اصطلاح النحويين: جملةٌ يُؤكَّد بها جملةٌ أخرى كلتاهما خبرية. فقولهم: (القسم جملة) أي: في اللفظ أو التقدير، ففي اللفظ نحو: أقسم بالله، وفي التقدير نحو: بالله؛ لأن هذا المجرور متعلقٌ بفعل مضمر؛ للدلالة عليه، كأن المتكلم قال: أقسم بالله. وقولهم: (جملةٌ أخرى) للاحتراز عن نحو: زيدٌ قائمٌ زيدٌ قائمٌ، فهذه ليست أخرى، بل هي هي. |
![]() |
الغرض من القسم: توكيد ما يُقسم عليه من نفيٍ أو إثبات؛ ولذلك لم يجز السكوتُ عند الْمُقسم به، فلا يجوز السكوت عند: أقسم بالله، بل يجب الإتيانُ بالمُقسم عليه، فيقال –مثلا-: أقسم بالله لأفعلنّ الخير. وإنما وجب الإتيان بالْمُقسم عليه؛ لأن السكوتَ عند المقسم به يدلّ على الإخبار بالحلف، والمتكلم لم يقصد الإخبارَ بالحلف، بل قصد أن يُخبر بأمر نحو: لأفعلنّ، فأكده ونفى عنه الشكَّ بأن أقسم عليه، ويتألف أسلوب القسم من جملتين هما: جملة القسم وجملة الجواب، وترتبط إحداهما بالأخرى ارتباط جملتي الشرط والجزاء. وكلتاهما اسمية وفعلية، وجملة القسم الاسمية لها صورتان، والفعلية لها أربع صور، فتحصل من ذلك أن جملة القسم على ست صور، إليكَ بيانها: |
![]() |
تكون جملة جواب القسم اسميةً وفعليةً أيضا: |
![]() |
فإن كان الجواب جملة اسمية، فإما أن يكون مثبتا أو منفيًّا، فإن كان الجواب مثبتا كان بلام الابتداء المفتوحة، نحو: والله لَزيدٌ قائمٌ، أو بـ(إنّ) المثقلة، كقوله تعالى: ((حمۤ, وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ, إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ)) [الدخان: ١-٣]، أو بهما معا، نحو: والله إن زيدا لقائمٌ. أو بـ(إن) المخففة من الثقيلة، كقوله تعالى: ((إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ)) [الطارق: ٤]؛ جوابا لقوله: ((وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ)) [الطارق: ١]. وقد يُستغنى عن اللام دون استطالة في المُقْسم به وإن كان قليلا، ومنه قول أبي بكر ـ رضي الله عنه: " والله أنا أظلم منـه "، قـال ابن مالـك: " والأصل: لأنا، فحَُذفت (أي اللام) والمُقْسم به اسمٌ لا استطالة فيه بصلة ولا عطف" اهـ. وهو قليلٌ، فإن طال الكلام حسُن الحذفُ، ومنه قولُ بعض العرب: "أُقْسم بِمَن بعث النبيين مبشرين ومنذرين، وختمهم بالرسول رحمة للعالمين، هو سيدهم أجمعين"، والأصل: لهو سيدهم، فلما طال المقسم به حذفت اللام. وإن كان الجواب منفيا، كان بـ(ما) أو بـ(إن)، نحو: والله ما زيد قائما، ووالله إنْ زيدٌ قائما. |
![]() |
فإن كانت جملة الجواب فعلية فإما أن يكون فعلها ماضيا أو مضارعا: |
![]() |
فإن كان الفعل ماضيا منفيا كان النفي بـ(ما)، أو بـ(إن)، أو بـ(لا)، فمن النفي بـ(ما) قوله تعالى: ((وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)) [البقرة: ١٤٥], ومن النفي بـ(إن) قوله تعالى: ((وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ)) [فاطر: ٤١]، ومن النفي بـ(لا) قول الشاعر:
حَسْبُ الْمُحِبِّين في الدنيا عذابُهُمُ تالله لا عَذَّبَتْهم بعدها سَقَرُ |
![]() |
وإن كان الفعلُ ماضيا مُثبتا متصرفا، وخلا القسم من استطالة الكلام فالأكثر أن يكون الجواب باللام وقد، نحو: والله لقد قام زيدٌ. ومنه قوله تعـالى: ((قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا)) [يوسف: ٩١]، وسُمِع حذف (قد) لقول سيبويه -رحمه الله-: "وسمعنا من العرب مَن يقول: والله لكذبتَ، والله لكََذَبَ.... " اهـ.
ومنه قول بعض العرب: "والله لَكذَبَ زيد كذِبا ما أحسَب اللهَ يغفره له". والتقدير: لقد كذب، ومنه قول امرئ القيس: حلَفت لها بالله حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا فما إِنْ مِنْ حَدِيثٍ ولا صَالِي والصّالِي مِن: صَلِيَ بالنار، إذا قرُبَ منها ودفَعَ بحرارتها ألمَ البرد. |
![]() |
فإن كان الجواب فعلا ماضيا متصرفا، وقد طال القسم جاز في الفعل وجهان: |
![]() |
فإن كان الجواب فعلا غيرَ متصرف اقترن باللام وحدها، كقول الشاعر: لعمرِي لنعم الفتى مالِكٌ إذا الحربُ أصلت لظاها رجالا لظاها: أَحرقتْ نارُها.وقد صُدِّرت جملة الجواب – في البيت - بفعل ماض غير متصرف فاقترن باللام وحدها. |
![]() |
أمّا إذا كانت جملة جواب القسم مصدرةً بفعل مضارع فلها أربع حالات ولكل حالة حكم. وإليكَ بيانَ هذه الحالاتِ بالتفصيل: |
![]() |
لعمري لَأَدْري ما قضَى اللهُ كونََه |
![]() |
يكون وما لم يَقضِ ليس بكائنِ |
![]() |
مما سبق يتبين أن جواب القسم لا يكون إلا جملة، وزعم أبو الحسن الأخفش أن جواب القسم قد يكون لامَ كي مع الفعل، نحو: بالله لِيَقوم. ولم يرتض جمهور النحويين ما أجازه الأخفش؛ لأن لام (كي) يُنصب بعدها الفعل المضارع بـ(أنْ) المضمرة جوازا ـ على الرأي الراجح ـ و(أنْ) وما بعدها يؤولان بمصدر، والمصدر مفرد، ولا يكون جواب القسم مفردا. وقد حمل الأخفش على ذلك قوله تعالى: ((يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ)) [التوبة: ٦٢]، ذاكِرًا أنّ المعنى: (لَيُرْضُنَّكم)، وأنشدَ دليلا لِما ادَّعاه قولَ الشاعر: |
![]() |
إذا قلتُ قَدْنِي قال باللهِ حَلْفَةً |
![]() |
لِتُغْنِيَ عَنِّي ذا إِنَائِكَ أَجْمَعَا |
| أيْ إذا قلتُ للمُضِيف: كفانِي مِن شُرب اللبن، قال المُضيفُ: أَحلِفُ باللهِ حَلفةً لَتَشربَنَّ جميعَ ما في الإناء مِن اللبن لِتُغْنِيَ عنِّي, أي: لِتجعلَ اللبنَ غنِيًّا عنِّي، وفيه إشارةٌ إلى أن اللبن محتاجٌ لِمن يشربه، فهو إشارةٌ للكرم. وقوله " ذا إنائكَ ": أي صاحِبَ إنائكَ، وصاحبُ الإناء هو اللبنُ. والشاهد في البيت وقوع (لِتُغْنِي) وهو المضارع المقرون بلام كي جوابا للقسم عند الأخفش. والجماعة يأبَوْنَ ما ذهب إليه الأخفش؛ إذ إنه لم يرد منه شيء عن العرب؛ فلم يسمع من لسانهم: والله لِيقومَ، ولا: بالله لِيُخرَجَ زيد، بكسر اللام وحذف النون وبقاء الفعل مفتوحا، ولا حجة فيما استدل به الأخفش من الآية الكريمة أو البيت؛ لأن جواب القسم في الآية الكريمة محذوف، واللام متعلِّقةٌ به، أي: لَيكونَنَّ كذا لِيُرضُوكم، والبيت يحتمل أمرين: |
![]() |
أولهما: أن يكون الجواب محذوفا؛ لدلالة الحال عليه، فيكون التقدير: قال بالله حلفة لَتشرَبَنَّ لِتُغنِيَ.٠٠ إلخ، ويكون (لتغني) متعلقا بالفعل المضمر، الذي هو (لتشربن) الواقعُ جوابا للقسم. |
![]() |
ثانيهما: أن يكون (بالله) متعلقا بفعل مضمر، لا يراد به القسم، بل الإخبار، ويكون قوله: (لتغني عني) متعلقا به، والتقدير: حلفت بالله حلفة كي تُغنيَ عني... إلخ. |