![]() |
إن الْمُغرى به هو الاسمُ المنصوب بفعلٍ مضمر وجوبا أو جوازًا، تقديره: (الْزَمْ) ونحوُه. والاسمُ الْمُغرى به حكمه حكمُ ما سبق في التحذير في جميع الأحكام إلا في حكم واحد، وهو الإتيان بـ (إيّا), فإنها تقع في التحذير؛ لأن معناها مختصٌّ بالتحذير، فلا موقع لها في غيره. وإذا كنّا قد بيّنّا فيما سبق أن التحذير على ست صور، منها ثلاث تتصل بـ (إيّا)، فإن الإغراء على ثلاث صور بإسقاط صور (إيا) الثلاث. والاسمُ الْمُغرى به منصوبٌ، وحكم ناصبه في وجوب الإضمار وجوازه كحكم ناصب المحذَّر منه، فيجب إضماره مع العطف والتكرار، ويجوز مع عدمهما. |
![]() |
لتفصيل ذلك نقول: إن الْمُغرى به ثلاثة أنواع: |
![]() |
أن يكون مفردا نحو: (أخاك)، أي: الزم أخاك، وأن يكون معطوفا نحو: (الأهلَ والولدَ)، وأن يكون مكررا، نحو قول الشاعر: |
![]() |
أخاك أخاك, إن من لا أخَا لَهُ |
![]() |
كَسَاعٍ إلى الْهَيْجَا بغيرِ سِلاحِ |
| فإذا كان الْمُغرى به مفردا، فإنه يجوز إظهار عامل النصب ويجوز إضماره نحو: شأنَك يا زيدُ، وأمرَك يا عمرو، ويجوز أن يقال: الزمْ شأنَك يا زيدُ، والزمْ أمرَك يا عمرُو. ومنه: زيدا، والتقدير: الزمْهُ. |
![]() |
وإن كان المغرى به مكررًا بلا عطف، نحو: الطريقَ الطريقَ، أي: الزمه، ونحو: اللهَ اللهَ في أمري، بمعنى: الزم تعظيمه والوسيلةَ إليه، فيجب إضمارُ عامل النصب فيه ولا يجوز إظهاره، والعلة في ذلك هي العلة التي سبق ذكرها في التحذير، وهي أنهم جعلوا اللفظ الأول من اللفظين كأنه بدلٌ من اللفظ بالفعل. |
![]() |
وإن كان الْمُغرى به معطوفا، وجب إضمارُ العامل أيضا، نحو: شأنَك والعِلْمَ، وشأنك والحجَّ، ونحو ذلك، فلا يجوز إظهار العامل، بل يجب إضمار عامل النصب في الإغراء؛ لأنهم جعلوا العطف بمنزلة التَّكرار، فوجب إضمار الفعل في الإغراء، كما وجب في التحذير. |
![]() |
قد ذكر سيبويه علة حذف الفعل عند العطف والتكرار؛ فقال: "وإنما حـذفوا الفعل في هذه الأشياء حينَ ثَنَّوْا [يعني: حين ذكـروا شيئا ثانيا بعدها] لكثرتها في كلامهم، واستغناءً بما يَرَوْن من الحال، وبما جرى من الذكر، وصار المفعولُ الأولُ بدلا من اللفظ بالفعل حين صار عندهم مثل (إيّاك)، ولم يكن مثل (إياك) لو أفردتَه؛ لأنه لم يكثر في كلامهم كثرةَ (إياك)، فشُبِّهَتْ بـ (إياك) حيث طال الكلامُ، وكان كثيرا في الكلام" اهـ. ومعنى ما قاله سيبويه أن الإغراء محمولٌ على التحذير، وأن إضمار الفعل واجبٌ في المغرَى به المعطوفِ أو المكررِ جائزٌ في المفرد، وأن علة وجوب الإضمار في المعطوف والمكرر الاستغناء بما هو مذكور؛ فإن المفعول الأول بدل من لفظ الفعل. |
![]() |
لما كان (الإغراء) محمولا على (التحذير)، كان كلٌّ منهما للمخاطب، فإذا كان من الشاذّ أن يكون التحذير للمتكلم أو للغائب، فمن الشاذ أيضا إغراء الغـائب، وقد تعددت أقوال العلماء التي تدل على ضعف إغـراء الغائب، أو شذوذه، أو قلته. فإن قيل: فقد جاء إغراء الغائب في قول العرب: "عليه رجلا ليسني"، وفي قول رسول الله ـصلى الله عليه وسلم: ((ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)), فقد أُجيب بأنه ليس فيهما دليل على جواز إغراء الغائب. أما قول العرب: "عليه رجلا ليسني"، فقد ذكر النحاة فيه جوابين: |
![]() |
أحدهما: أنه قليل، أو شاذ لا يقاس عليه. |
![]() |
الآخر: أنه جرى مجرى المثل، والأمثال لا يلحقها التغيير. |
![]() |
وأما قوله -صلى الله عليه وسلم: "... فعليه بالصوم" فلا دليل فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون (عليه) خبرا، و(بالصوم) مبتدأ، والباء زائدة، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط الاستدلال به. |