![]() |
فإياك إياك المراءَ؛ فإنه |
![]() |
إلى الشر دَعّاءٌ، وللشر جالبُ |
![]() |
إليك الأحكامَ الإعرابيةَ لكل صورة من الصور الثلاث بالتفصيل: |
![]() |
الصورة الأولى: نحو: إياكَ والشرَّ، فـ (إيّاك) منصوبٌ بفعل واجبِ الاستتار، والتقدير: إياك باعد والشرَّ، أو إياك اتقِ والشرَّ، أو إياك نحِّ، وما كان بهذا المعنى، فيجتمع في هذا المثال ونحوه ضميران: (إياك) وهو ضمير المفعول، والضميرُ المستتر في الفعل (باعِد)، أو (اتق)، أو (نحّ)، وإنما جاز اجتماع ضميري الفاعل والمفعول لواحد؛ لأن أحدهما منفصلٌ، ولأن الآخَر المستترَ في حكم المتصل فجاز اجتماعهما، كما جاز في: ما ضربتُ إلا إيايَ، وما ضربتَ إلا إياك. ويجب تقدير الفعل بعد (إياك) ولا يجوز تقديرُه قبله؛ لأنه لو قُدّر قبله لاتصل به. كما يجب أن يكون العاطف هو حرف (الواو)، دون غيره من حروف العطف، فلا يجوز: إياك فالشر، ولا إياك ثم الشر؛ وإنما اختُصت الواو بذلك من حروف العطف الأخرى؛ لأن الواو دالةٌ على الجمع، والمراد هو التحذير من جمع هذين، وليس المراد تحذيرَ أحدهما ثم تحذيرَ الآخَر، كما أنه ليس المراد تحذيرَ أحدهما فالآخَر، بل المراد: تحذير هذا من هذا، فلما كان الأمر كذلك صلحت الواو العاطفة دون غيرها. واختُلِف في إعراب ما بعدها على ثلاثة أقوال: |
![]() |
أحدها: قول السيرافيِّ وأكثرِ النحويين، وهو أن الاسمَ الذي بعد الواو معطوفٌ على (إياك)، والكلام جملةٌ واحدةٌ، والتقدير: إياك باعدْ من الشر، والشرَّ من نفسك، أو: اتَّقِ نفسَكَ أَنْ تَدْنُوَ مِن الشَّرِّ، والشَّرَّ أَنْ يَدْنُوَ منكَ. |
![]() |
ثانيها: قول ابنِ طاهر وابنِ خروف، وهو أن الاسمَ الذي بعدَ الواو منصوبٌ بفعل مضمر، والتقدير: إياك باعدْ من الأسد، واحذر الأسدَ، فالواو عطفت جملةً على جملةٍ. |
![]() |
ثالثُها: قول ابن مالك الذي لم يرتض أن يكون ما بعد الواو معطوفا على (إياك) عطفَ مفرد على مفرد على التقدير الأول، ولم يرتض أن يكون منصوبا بفعل مقدر، فيكونَ معطوفا عطفَ جملة على جملة على التقدير الثاني، وذهب إلى أنه من عطف المفرد, لكنْ على تقدير: اتقِ تلاقيَ نفسِكَ والشرَّ، فحُذف المضافُ وأقيم المضاف إليه مُقامه. |
![]() |
الصورة الثانية: وهي الإتيان بالضمير المنصوب مكررا، فكقول الشاعر السابق: فإياكَ إياكَ المِراءَ... إلخ البيت. فقد جاء التحذير فيه بـ (إياك) دون عطفٍ، ولم يُذكر الجار قبل (المراء), وقد ذكر العلماء في تخريجه أقوالًا: |
![]() |
أولها: أنه على حذف حرف العطف وهو (الواو) ضرورةً، وأن الأصلَ فيه: إياك إياك والمراءَ. |
![]() |
ثانيها: أنه على حذف الجارّ للضرورة كذلك، وأن الأصل: إياك إياك من المراءِ. |
![]() |
ثالثها: أنه لا ضرورة في البيت، وإنما جازَ من أجل تكرير (إياك)، فكأن التكرير عوضٌ من الواو. |
![]() |
رابعها: أنه لا ضرورة في البيت، وإنما أُضمر له ناصبٌ آخرُ بعد إيّاكَ، فقوله: إياكَ إياكَ مستقلٌّ بنفسه، ثم أُضمر بعد إياكَ فعلٌ تقديره: اتَّقِ المراءَ، وعلى هذا الأخير حمَله سيبويه. |
![]() |
الصورة الثالثة: وهي الإتيان بالضمير المنصوب وبعده المحَذَّرُ منه مجرورًا بمِن دون عطف أو تكرار، نحو: إياك من الأسدِ، فحكمها وجوب استتار الفعل الناصب للضمير أيضا، وقد اختُلف في تقديره؛ فقيل: إن التقدير: باعد -أو نَحِّ- نفسَك من الأسد، ثم حُذِف الفعلُ وفاعلُه المستترُ فيه والمضافُ، وقيل: إن التقدير: أُحذِّرُك من الأسد. فعلى التقدير الأول لا يجوز حذفُ (مِن)، فلا يقال: إياك الأسدَ؛ لِمَا يلزم عليه من حذف "مِنْ" ونصب المجرور، وذلك غير مطردٍ مع غير "أَنْ" و"أَنَّ" و"كيْ" من الحروف المصدرية. وعلى الثاني يجوز حذف (من)؛ لأن "أُحَذِّرُ" يتعدّى إلى اثنين من غير واسطة, قال تعالى: ((وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)) [آل عمران: ٢٨]. وقد ذهب الجمهور إلى الأول، وذهب أبو البقاء العُكْبَرِيُّ وابنُ الناظم إلى الثاني. |
![]() |
إن كان التحذيرُ بغير (إيّاك) فله ثلاث صور أيضًا: |
![]() |
الأولى: أن يكون بغير (إيّاك) من غير عطف ولا تكرار. |
![]() |
الثانية: أن يكون بغير (إيّاك) وقد صحبه العطف. |
![]() |
الثالثة: أن يكون بغير (إيّاك) وقد صحبه التكرار. |
![]() |
إليك ما قيل في إعراب هذه الصور الثلاث بالتفصيل: |
![]() |
أمّا الصورة الأولى، فنحو قولك مثلا: الشَّرَّ، أي: احْذَرِ الشّرَّ، أو: الأسدَ، أي: حاذِرِ الأسدَ، أو: النارَ، أي: تجَنَّبِ النارَ... وهكذا. ولا يلزم في هذه الصورة إضمارُ الفعل، بل يجوز إظهارُه وإضمارُه، وإنما جاز إظهارُه ههنا؛ لأن الإظهار هو الأصلُ، ولأن هذه الأشياءَ ونحوها لم تكثر في كلام العرب كثرةَ إياك وحدها أو مع العطف. |
| ومن أمثلة إظهار الفعل قولُ جرير: |
![]() |
خلّ الطريقَ لمن يبني المنار به |
![]() |
وابرُزْ بِبَرْزَةَ حيثُ اضطرَّكَ القدَرُ |
| وقد أنشده سيبويه دليلا على جواز إظهار الفعل. وقال الأعلم شارحًا الشاهد فيه: "الشاهدُ فيه إظهارُ الفعل قبل الطريقِ والتصريحُ به، ولو أُضمر لكان حسَنًا. يُخاطِب بهذا عمرَ بنَ لَجَأ التَّيْمِيّ مِن تيمِ عَدِيٍّ, فيقول: تَنَحَّ عن طريق الفضل والشرف والفخر، وخَلِّهِ لِمن هو أحقُّ به منكَ مِمّن يَعمُرُه ويبنِي مَنارَه وعلَمَه، وابرُزْ إلى حيث اضطرَّكَ القدَرُ من اللُّؤم والضَّعَة, وبَرْزَةُ إحدى جَدَّاته فعيَّره بها". اهـ. |
![]() |
وأمّا الصورة الثانية فنحو: رأسَكَ والحائطَ، ونفسَك والشرَّ، والشيطانَ وكيدَه، ومنه قولُهم: "مازِ رأسكَ والسيفَ". قال الأصمعيُّ: أصلُ ذلك أنّ رجلا يقال له: (مازِنٌ) أَسَرَ رجلا، وكان رجلٌ يطلبُ المأسورَ ليقتلَه؛ فقال لِمازِنٍ: مازِ -أي: يا مازِنُ- رأسَكَ والسيفَ، فنحَّى مازِنٌ رأسَه، فضرَبَ الرجلُ عُنُقَ الأسيرِ. وحكم الاسم في الصورة الثانية: وجوب إضمار الفعل الناصب، وعدم جواز إظهاره؛ لأن العطفَ كالبدل من اللفظ بالفعل، ولأن العطف مع غير (إياك) بمنزلة العطف مع (إياك). |
![]() |
وأمّا الصورة الثالثة فنحو: الأسدَ الأسدَ، والجدارَ الجدارَ، أي: احذر الأسدَ، واتق الجدارَ. ويلزم في هذه الحالة أن يكون الفعل مضمرا، فلا يجوز: احذر الأسدَ الأسدَ، ولا يجوز: اتق الجدارَ الجدارَ، بل يجب الإضمار، وإنما وجب الإضمار ههنا؛ لأن اللفظ الأول من اللفظين كأنه بدلٌ من اللفظ بالفعل، فتَكرار المحَذَّر منه يُغنِي عن ذكره، ويكونُ هذا التكرار للمحَذَّر منه بمنزلة استعمالِكَ (إياك) المنصوبَ بفعلٍ واجب الحذف، أمّا المكرَّرُ فهو توكيدٌ لفظيٌّ للأول. |
![]() |
وقد حكى الرضيُّ عن قومٍ من النحويين أنهم قد ذهبوا إلى أنه يجوز ظهور الفعل إذا كان الاسمُ الْمُحذَّر منه مكررا، فأجازوا أن يُقال: احذر الأسدَ الأسدَ، وحجتهم في جواز ذلك: أن المعمول قد تكرر للتوكيد، وتكرير المعمول للتأكيد لا يوجب حذفَ العامل، كقوله تعالى: ((كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا)) [الفجر: ٢١]. والقولُ بتكرار العامل للتوكيد مُسَلّمٌ، ولكنَّ الْمُحذّرَ منه اختُص بوجوب الحذف؛ لأمرين: |
![]() |
أحدهما: أنه لم يُسمع عن العرب الموثوق بعربيتهم ذكرُ العامل مع تكرير الْمُحذَّر منه. |
![]() |
الآخـر: أن تَكرار الْمُحذَّر منه يدلُّ على مقاربة وقوعه للمخاطب الْمُحذّر، بحيث يضيق الوقتُ ولا يتسع لذكر العامل مع هذا الْمُكرر. |
![]() |
هذه هي الصور الستُّ التي يأتي عليها أسلوب التحذير القياسيُّ، ويكون الفعل مضمرا وجوبا مع (إياك) في جميع صور استعمالها، كما يكون مضمرا وجوبا مع العطف والتكرار مع غير إياكَ، فإن عُدم العطف والتكرار مع غير إياكَ جاز الإظهار والإضمار. وهذا التحذير في صوره الستِّ إنما يكـون للمخاطب؛ لأن الأمر والنهيَ مختصّان بالمخاطب، فما جـاء على خلاف ذلك فهو نادرٌ وشاذٌّ يُحفظ ولا يُقاسُ عليه غيرُهُ، فلا يُقال: (إيايَ)، ولا (إيانا)، فلا يجوز أن يقال نحو: إيايَ والأسدَ، ولا إيانا والشرَّ؛ وإنما لم يجز ذلك؛ لأن الإنسانَ لا يأمر نفسه، ولا ينهَى نفسه، وإنما الأمر والنهي للمخاطب، وقد جاء مثل ذلك في قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لجماعة: "إيايَ وأَنْ يَحْذِفَ أحدُكم الأرنبَ بالعصا"، ومعنى الحذف: أن يرميه أحدهم بعصًا أو سيفٍ أو نحوِهما, فجاء التحذير للمتكلم، أي: لِأُبعِدْ نفسي عن مشاهدة حذف الأرنب، وهو -حينئذ- شاذ لا يجوز القياس عليه. وخرجه بعضهم على أن (إيايَ) ليس على معنى الأمر للمتكلم، بل على معنى الأمر للمخاطب، أي: بَعِّدوني عن مشاهدة حذفه. وإذا كان التحذير للمتكلم شاذًّا, فإن الأكثر شذوذا منه هو تحذير الغائب، وقد جاء منه قولهم: "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشوابّ"، والشَّوَابُّ: جمع شابّةٍ، والمعنى: إذا بلغ الرجلُ الستين فلا ينبغي أن يتوَلَّعَ بشابّةٍ، والتقدير: فليحذر تلاقيَ نفسِه وأنفسِ الشوابِّ، وهذا المثال شاذٌّ من وجهين؛ أحدهما: تحذيرُ الغائب. والآخَرُ: إضافة (إيا) إلى الظاهر. |
![]() |
خلاصة ما سبق: أن التحذير يكون للمخاطب وحده، ولا يكون للمتكلم أو الغائب إلا شذوذا، بحيث يُحفظ ولا يُقاس عليه. |
![]() |
قال الناظم مشيرا إلى صور التحذير وأحكامه: |
![]() |
"إيَّاكَ والشَّرَّ" ونحــوَهُ نَصَبْ |
![]() |
مُحَـذِّرٌ بِمـا اسْتِـتَـارُهُ وَجَبْ |
![]() |
ودونَ عطْفٍ ذا ِلإيَّا انْسُبْ، ومَا |
![]() |
سِـوَاهُ سَتْـرُ فِعلِـهِ لنْ يَلْزَمَـا |
![]() |
إلَّا معَ العطْفِ، أو التَّــكْرارِ |
![]() |
كَـ "الضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يا ذا السَّارِي" |
![]() |
وشَـذَّ "إيَّايَ" و"إيَّـاهُ" أَشَـذّ |
![]() |
وعن سبيلِ القصْدِ مَن قاسَ انْتَبَـذْ |