ملخص الدرس


إن لكلٍّ من التحذير والإغراء معنيين، أحدهما في اللغة والآخرُ في الاصطلاح:
فالتحذير في اللغة: هو التخويف؛ لأنه مصدر الفعل الرباعي (حَذَّرَ) بمعنى (خَوَّفَ). وفي اصطلاح النحويين: إلزام المخاطب الاحترازَ من مكروه أو ما جرى مجراه, أو هو: تنبيه الْمُخاطبِ على أمر مكروهٍ؛ ليجتنبه, والألفاظ متقاربةٌ.
وأسلوبُ التحذير له ثلاثة أركان: مُحذِّر (بصيغة اسم الفاعل)، وهو المتكلم، ومُحذَّر (بصيغة اسم المفعول)، وهو المخاطب، ومُحذَّر منه، وهو الأمر المكروه.
والإغراء في اللغة: الإلزام والتسليط؛ لأنه مصدر الفعل الرباعي (أَغرَى) بمعنى (ألزم) و(سلّط)، يقال: أغريتُ الكلبَ بالصيد، إذا أرسلتَه عليه، وحرّضته، وسلّطْته.
وفي اصطلاح النحويين: إلزامُ المخاطب العكوفَ على ما يُحمد عليه من صلة رحم وحفظ عهد، أو هو: تنبيه الْمُخاطب على أمر محبوبٍ؛ ليفعله.
وأسلوبُ الإغراء له ثلاثة أركان: مُغْرٍ (بصيغة اسم الفاعل)، وهو المتكلم، ومُغْرًى (بصيغة اسم المفعول)، وهو المخاطب، ومُغْرًى به، وهو الأمر المحبوب.

ملخص الدرس


والناظر فيما ذكره النحويون من تعريف (التحذير) و(الإغراء) تعريفا اصطلاحيا, يلحظ أن هذين التعريفين قريبا الشبه من تعريفهما في اللغة.
لقد جمع العلماء بين أسلوب (الإغراء) وأسلوب (التحذير)؛ لاستواء أحكامهما، والجامعُ بينهما أن كلا منهما منصوبٌ بفعل لا يظهر.

إن للتحذير نوعين قياسيين: الأول: أن يكون بـ (إيّاكَ) وفروعه, والثاني: أن يكون بغيره.
فإن كان بـ (إيّاكَ) وفروعه فله ثلاث صور:
الأولى: أن يُستعمل هذا الضمير المنصوب متلُوًّا بالمحَذَّر منه, اسمًا ظاهرا منصوبا مسبوقا بالعطف بالواو.
الثانية: أن يكون بـ (إيّاك) مكرَّرًا متلُوًّا بالمُحَذَّر منه.
الثالثة: أن يستعمل هذا الضمير المنصوب متلُوًّا بالمحَذَّر منه مجرورا بـ "مِنْ" من غير عطف, ولا تَكرار, ولكل صورة من هذه الصور الثلاث حكم إعرابي.

ملخص الدرس


وإن كان التحذيرُ بغير (إيّاك) فله ثلاث صور أيضا:
الأولى: أن يكون بغير (إيّاك) من غير عطف ولا تكرار.
الثانية: أن يكون بغير (إيّاك) وقد صحبه العطف.
الثالثة: أن يكون بغير (إيّاك) وقد صحبه التكرار, ولكل صورة من هذه الصور الثلاث حكم إعرابي أيضًا.
التحذير في صوره الستِّ يكون للمخاطب وحده، ولا يكون للمتكلم أو الغائب إلا شذوذا، بحيث يُحفظ ولا يُقاس عليه.

الْمُغرى به ثلاثة أنواع:
أن يكون مفردا نحو: (أخاك)، أي: الزم أخاك، وأن يكون معطوفا نحو: (الأهلَ والولدَ)، وأن يكون مكررا، نحو قول الشاعر:
أخاك أخاك, إن من لا أخَا لَهُ
كَسَاعٍ إلى الْهَيْجَا بغيرِ سِلاحِ
فإذا كان الْمُغرى به مفردا، فإنه يجوز إظهار عامل النصب ويجوز إضماره نحو: شأنَك يا زيدُ، وأمرَك يا عمرو، ويجوز أن يقال: الزمْ شأنَك يا زيدُ، والزمْ أمرَك يا عمرُو. ومنه: زيدا، والتقدير: الزمْهُ.

ملخص الدرس


وإن كان المغرى به مكررًا بلا عطف، نحو: الطريقَ الطريقَ، أي: الزمه، ونحو: اللهَ اللهَ في أمري، بمعنى: الزم تعظيمه والوسيلةَ إليه، فيجب إضمارُ عامل النصب فيه ولا يجوز إظهاره، والعلة في ذلك هي العلة التي سبق ذكرها في التحذير، وهي أنهم جعلوا اللفظ الأول من اللفظين كأنه بدلٌ من اللفظ بالفعل.
وإن كان الْمُغرى به معطوفا، وجب إضمارُ العامل أيضا، نحو: شأنَك والعِلْمَ، وشأنك والحجَّ، ونحو ذلك، فلا يجوز إظهار العامل، بل يجب إضمار عامل النصب في الإغراء؛ لأنهم جعلوا العطف بمنزلة التَّكرار، فوجب إضمار الفعل في الإغراء، كما وجب في التحذير.

ملخص الدرس


هناك أسماء وردت في لسان العرب منصوبةً, وقد التُزم فيها إضمارُ الناصب، فهي منصوبةٌ بأفعال مضمرة، كمـا نُصب الاسم المغرى به، والاسم المحذَّرُ منه.
وإنما كانت هذه الأسماءُ مُلْحقةً بالتحذير والإغراء في الحكم؛ لأنها ألفاظٌ كثر استعمالُها في كلام العرب، وهي مع كثرتها موقوفةٌ على السماع. وقد أفرد سيبويه -رحمه الله- لهذه الألفاظ بابا في كتابه جعل عنوانه "هذا بابٌ يُحذف منه الفعلُ لكثرته في كلامهم حتى صار بمنزلة المَثَََل".
ومعنى ما ذكره سيبويه أن هذه الألفاظ لما كثر استعمالُها في كلام العرب نُصبت، ولم يُذكر قبلها عامل النصب، ومن هذه الألفاظ: هذا ولا زَعَمَاتِكَ، بنصب (زعماتِك)، وعامل النصب فيه فعلٌ مضمر، والتقدير: ولا أَتوهم زعماتِك، أو: لا أزعم زعماتك، ولا يجوز إظهارُ هذا العامل؛ لأن الكلامَ جرى مجرى الأمثال، والأمثال لا يلحقها التغيير. ومعنى هذا القول: أن الْمُخاطب كان يزعم زعماتٍ، فلما ظهر خلافُ قوله قيل له هذا الكلام، و(هذا) مبتدأ، والخبر محذوفٌ، تقديره: هذا الحقُّ.
ومن هذه الألفاظ أيضا قول العرب: "كليهما وتمرا"، وقد ذكر سيبويه أن هذا القولَ مَثَلٌ قد كثر استعماله في كلام العرب, فـ (كليهما) منصوب بفعل لا يجوز إظهاره، والتقدير: أعطني كليهما وتمرا. هكذا قدره سيبويه، والظاهر أن (تمرا) معطوفٌ على (كليهما)، فهو من عطف المفرد على المفرد، وقدر غيره: وزدني، فيكونُ من عطف الجمل. ومن هذه الألفاظ كذلك قولهم: "أحَشَفًا وسوءَ كِيلَةٍ"، ومرحبا وأهلا وسهلا.