٤.١٠ ما يُلحَق بالتحذير والإغراء في الحكم


ما يُلحَق بالتحذير والإغراء في الحكم، وهو تلك الأسماء التي وردت في لسان العرب منصوبةً وقد التُزم فيها إضمارُ الناصب، فهي منصوبةٌ بأفعال مضمرة، كما نُصب الاسم المغرى به، والاسم المحذَّرُ منه. وإنما كانت هذه الأسماءُ مُلْحقةً بالتحذير والإغراء في الحكم؛ لأنها ألفاظٌ كثر استعمالُها في كلام العرب، وهي مع كثرتها موقوفةٌ على السماع. وقد أفرد سيبويه -رحمه الله- لهذه الألفاظ بابا في كتابه جعل عنوانه "هذا بابٌ يُحذف منه الفعلُ لكثرته في كلامهم حتى صار بمنزلة المَثَََل".
ومعنى ما ذكره سيبويه أن هذه الألفاظ لما كثر استعمالُها في كلام العرب نُصبت، ولم يُذكر قبلها عامل النصب، ومن هذه الألفاظ: هذا ولا زَعَمَاتِكَ، بنصب (زعماتِك)، وعامل النصب فيه فعلٌ مضمر، والتقدير: ولا أَتوهم زعماتِك، أو: لا أزعم زعماتك، ولا يجوز إظهارُ هذا العامل؛ لأن الكلامَ جرى مجرى الأمثال، والأمثال لا يلحقها التغيير. ومعنى هذا القول: أن الْمُخاطب كان يزعم زعماتٍ، فلما ظهر خلافُ قوله قيل له هذا الكلام، و(هذا) مبتدأ، والخبر محذوفٌ، تقديره: هذا الحقُّ.

٤.١٠ ما يُلحَق بالتحذير والإغراء في الحكم


من هذه الألفاظ أيضا قول العرب: "كليهما وتمرا"، وقد ذكر سيبويه أن هذا القولَ مَثَلٌ قد كثر استعماله في كلام العرب, فـ (كليهما) منصوب بفعل لا يجوز إظهاره، والتقدير: أعطني كليهما وتمرا. هكذا قدره سيبويه، والظاهر أن (تمرا) معطوفٌ على (كليهما)، فهو من عطف المفرد على المفرد، وقدر غيره: وزدني، فيكونُ من عطف الجمل.
وأصل هذا المثل أن إنسانا خُيّر بين شيئين، فطلبهما وطلب تمرا زيادةً عليهما، ثم صار مثلا مستعملا في كل مَن خُيّر بين شيئين، فطلبهما، وطلب زيادة. وقد رُوِي هذا المثل برفع كليهما، فرُوي بلفظ: "كلاهما وتمرا"، فـ (كلاهما) مرفوع بالابتداء، والخبر محذوفٌ، والتقدير: كلاهما ثابتان لي، وزدني تمرا.
من هذه الألفاظ كذلك قولهم: "أحَشَفًا وسوءَ كِيلَةٍ"، فعامل النصب في (حشفا) فعل مضمر، تقديره: أتبيعُ حَشَفًا، والحَشَفُ من التَّمر: أردؤُهُ، وأما "سوءَ كِيلَةٍ" فيحتمل أن يكون منصوبا بفعل مضمر، والتقدير: وتزيدُ سُوءَ كِيلَةٍ، وأن يكون مفعولا معه. ويُضرب لمَن يجمع بين خَصلتين مكروهتين.
من هذه الألفاظ: مرحبا وأهلا وسهلا، فـ (مرحبا) منصوبٌ بـ (أصبت)، و(أهلا) منصوب بـ (أتيت)، و(سهلا) منصوب بـ (وَطِئْتَ)، والمعنى: أصبتَ رحْبا لا ضيِّقا، وأتيت أهلا لا أجانب، ووطِئت سهلا من البلاد لا حَزْنا، والحَزْنُ: ما غَلُظَ من الأرض, ولا يجوز إظهار شيء من هذه الأفعال الثلاثة، بل يجب إضمارها.

٤.١٠ ما يُلحَق بالتحذير والإغراء في الحكم


ونلاحظ أننا قدرنا ثلاثة أفعال، وهذا يعني أن العطف في قولنا: مرحبا وأهلا وسهلا، فهو من عطف الجمل، لا من عطف المفردات، وقيل: إن التقدير فعلٌ واحدٌ، وهو (صادفتَ)، فعلى هذا يكون الكلام جملةً واحدةً والعطف من عطف المفردات. ومن هذا القبيل قوله تعالى: ((انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ)) [النساء: ١٧١], فـ ((خَيْرًا)) منصوب بفعل محذوف واجب الإضمار عند الخليل وسيبويه، والتقدير: وأْتُوا خيرًا لكم؛ لأنه لمّا أمرهم بالإيمان فهو يريد إخراجَهم من أمرٍ وإدخالَهم فيما هو خيرٌ منه. وجعل سيبويه من هذا القبيل قولَ ذي الرمة:
ديارَ ميةَ إذا ميٌّ مُساعِفَةٌ
ولا يَرَى مثلَها عُجْمٌ, ولا عَرَبُ
والتقدير: أَذكُرُ ديارَ ميةَ وأَعْنِيها.
قال الناظم:
وكَمُحَذَّرٍ بِلا إيَّا اجْعَلاَ
مُغْرًى بهِ في كلِّ ما قد فُصِّلاَ