٣.٧ الاستدلالُ على أنَّ الفاعلَ كجزءٍ من أجزاء الفعل ١-٤
إذن، في هذا المبحث، نقف عند الفكرة التي ذكرها العُكبريُّ في المبحث السّابق، والّتي ذكرها في مقدّمة استشهاداته على أنّ الفعل مقدَّمٌ على فاعله، وهي فكرةُ أنّ الفاعل يُعتبرُ جزءاً من الفعل أو على حدِّ عبارته: "كجزءٍ من أجزاء الفعل"، وهي الفكرة التي نطق بها من قبلُ ابن مالك في (شرح التّسهيل)، وغيره من النُّحاة.
ولعلّك تذكر عزيزي الدّارس أنّنا لحظنا شيئاً من هذا المعنى، عندما قرأنا أفعال الظَّنِّ في كتاب سيبويه، فرأيناهُ لمّا يٌعدِّدها يذكرُ كلّ واحدٍ منها مرتبطاً بفاعله، فيقول: "وهي: ظننتُ، وحَسِبت، .." إلخ، والعُكبَريُّ هنا يُقرّرها قاعدةً واضحةً: أنّ الفاعل يُعتبرُُ جزءاً من الفعل! فإلام يستندُ في هذه الفكرة؟!
يحشد العُكبريُّ -من أجل إقامة البرهان على صحّة استدلاله- اثني عشر وجهاً، هاهو يسردها، فيقول:
الأول
أنَّ آخرَ الفعل يُسَكَّنُ لضمير الفاعل، لئلاَّ يتوالى أربعة متحرّكاتٍ، كـ: (ضَرَبْتُ) و(ضَرَبْنَا)" وهو شيْءٌ أنت تعرفه جيِّداً عزيزي الدّارس، لكن ربّما لم تكن تتوقّع أن تُبنى عليه مثل هذه الفكرة، الّتي يُعضِّدها العكبريّ من جهةٍ أخرى، فيقول لك: "ولم نُسكِّنه مع ضمير المفعول نحو: (ضَرَبَنا)؛ لأنَّه في حكم المنفصل." إذ لم يشتكِ أحدٌ من أن توالتْ فيه أربعُ متحرِّكاتٍ، لأنه ليس مركّباً متّصلاً في الحقيقة، فالمفعول به ليس جزءاً من الفعل.
٣.٧ الاستدلالُ على أنَّ الفاعلَ كجزءٍ من أجزاء الفعل ١-٤
الثاني
أنَّهم جعلوا النُّون في الأمثلة الخمسة علامةَ رفع الفعل، مع حيلولة الفاعل بينهما، ولولا أنَّه كجزءٍ من الفعل لم يكن كذلك." يعني في الأمثلة الخمسة، تلحظ أنَّ علامة الرّفع وهي ثبوت النّون لا تجيءُ بعد الفعل مباشرةً، ولكن بعد الفعل والفاعل، مثلاً: (يكتبون)؛ ففي هذا دليلٌ على انّ الفاعل كجزءٍ من الفعل.
الثَّالث
أنَّهم لم يَعطفوا على الضَّمير المتَّصل المرفوع من غير توكيد، لجريانه مجرى الحرف من الفعل واختلاطه به" وهذه حجّة بالغة، ففي قولك: (كتبتُ) لو أردت أن تعطفَ على الضّمير المتّصل، فتقول: (كتبتُ ومحمدٌ) لما جازَ لك أن تفعلَ ذلك إلا بعد أن تأتي بضميرٍ منفصلٍ بعد الضّمير المتَّصل، فتقول: (كتبتُ أنا ومحمدٌ) فهذا دليلٌ آخر على أنّ هذا الضّمير المتّصل الّذي هو ضمير الفاعل، يُعتبرُ جزءاً من الفعل.
هذه الوجوه الأربعة الأولى من الاستدلالات التي قدّمها العكبريُّ، لإثبات أنّ الفاعلَ كجزءٍ من الفعل، فإلى المُلتقى مع ما تبقّى لنا منها.
٣.٧ الاستدلالُ على أنَّ الفاعلَ كجزءٍ من أجزاء الفعل ١-٤
الرَّابعُ
أنَّهم وصلوا تاءَ التأنيث بالفعل؛ دلالة على تأنيث الفاعل، فكان كالجزء منه." فأنت تقول: (محمدٌ جاء) لكن تقول: (فاطمة جاءت) فاتَّصلت تاء التّأنيث بالفعل باعتبار أنَّ الفاعل وهو الضمير المستتر جزءًٌ منه، فهذا الوجه بهذه المثابة يبدو في قوّة الوجه الثّالث، ولكن قد يُمثَّل له بطريقةٍ أخرى، فيُقال في حال التَّذكير: (جاء محمد) وفي حال التّأنيث: (جاءت فاطمة) ، فاتّصلت تاءُ التّأنيث الخاصَّة بالفاعل (فاطمة) بالفعل، فكان كالجزء منه.