٢.٧ تقدُّم الفعل على الفاعل
قد تعرّفنا فيما سبق على تعريف الفاعل، ولعلَّنا لحظنا أنّ حقيقة الفاعل لا تقومُ إلا بافتراض وجود الفعل، ولحظنا حرص العكبريِّ على أن يفصل ما بين الظواهر الواقعيَّة والظواهر النّحويّة، ورأينا أنّه رتَّبَ رابطة الإسناد اللُّغويّ بين الفعل والفاعل على أساس أن يكون الفعل متقدّماً على الفاعل، لماذا كان هذا الشّرط؟ لنسمع العكبريّ يقول: "وإنَّما شُرط فيه أن يتقدَّم الفعلُ عليه، لأربعة أوجه:
الوجه الأول
أنَّ الفاعل كجزء من الفعل، لما نذكره من بعدُ" إذن إلى أن يأتي أوانُ الاستدلال على هذه الفكرة، سنُسلِّم مؤقّتاً بأنَّ الفاعلَ يُعتبر جزءاً من الفعل، ثمّ نقول بناءً على ذلك مع العُكبريِّ: "ومحالٌ تقدُّمُ جزءِ الشيء عليه"، هذا الوجه الأول من الاستدلال.
الوجه الثاني
أنَّ كونه فاعلاً لا يُتصوَّر حقيقةً إلاَّ بعد صدور الفعل منه، ككونه كاتباً وبانياً، فجُعل في اللفظ كذلك" وهو استدلال يستعينُ فيه العُكبريُّ بمفهوم الفاعل الواقعيِّ، كالكاتب لا يُتصوَّر كونه كذلك إلا بعد صدور فعل الكتابة منه.
٢.٧ تقدُّم الفعل على الفاعل
وقد يخطر لك عزيزي الدّارس، أنّ العكبريَّ إذ يرجع إلى الواقع ويتمثَّله في هذا الوجه، كأنه يُخالف ما قرّره أولاً من الفصل بين اللّغة والواقع، ولكن يُحمل كلامه على أنّ النّحويِّين عندما أرادوا فهم العلاقة بين الكلمات في إطار الجملة، اعتمدوا على ما يعرفونه من المبادئ العامّة التي تحكم الواقع، ابتداءً من اعتمادهم نظريّة العمل النّحويِّ، لفهم العلاقة بين الكلمات في إطار الجملة، بل يُمكننا أن نقول: إنّ هذه المبادئ ليست خاصّةً بالواقع، بل هي مبادئ عامّة تحكمه كما تحكم اللغة، ولكن يبقى بعد ذلك لكلٍّ منهما استقلاله عن الآخر.
الوجه والثالث
أن الاسم إذا تقدَّم على الفعل؛ جاز أن يُسند إلى غيره كقولك: (زيدٌ قام أبوه) وليس كذلك إذا تقدَّم عليه." إنَّ تقدُّم الفاعل على الفعل معناه أنّ علاقته القويَّة بالفعل قد ضعُفَتْ، فعندئذٍ يبحث الفعلُ عن مسندٍ إليه آخر، وعندئذٍ يترشَّح الفاعلُ لوظيفةٍ أخرى، كأنّ (الفعل) إذا لم يجد فاعله أمامه بحث له عن فاعلٍ أخرَ.
لكن هذا الوجه إن صدق مع المثال المذكور، لن يصدق مع المثال الأكثر شيوعاً: (زيدٌ قام) فقد قال النّحويُّون إنّه أبلغ من قولك: (قام زيدٌ) إذ يبدو فيه كأنّك أثبتَّ القيام لزيدٍ مرَّتين: مرّةً إليه مباشرةً، ومرّةً إلى ضميره.
٢.٧ تقدُّم الفعل على الفاعل
الوجه الرابع
أنَّ الفاعل لو جاز أن يتقدَّم على الفعل، لم يحتج إلى ضمير تثنية ولا جمع، والضميرُ لازم له كقولك: (الزيدان قاما) و(الزيدون قاموا) وليس كذلك إذا تقدَّم." يعني: انظر إلى الفعلين: (قاما وقاموا) تجد كلاً منهما قد انتهى بفاعله الّذي هو ضمير التثنية أو الجمعٍ، المطابق للمبتدأ المذكور في أول الجملة، فلو كان جائزاً تقدُّم الفاعل على الفعل؛ لاكتفى الفعل (قام) بوجود الاسم المذكور قبله، لكنّه لم يكتفِ به، ورفع ألف الاثنين، ثم واو الجماعة.
خلافاً لما سبق، يجُوزُ عِندَ الكُوفيينَ تقديمُ الفاعِلِ على الفعل، وذلك تَمَسُّكاً بنحو قولِ الزَّباء:
|
ما لِلجمالِ مَشيُها وَئِيداً |
أجَندَلاً يَحمِلنَ أ مْ حَديدا |
برَفع "مَشيُِها" على أنَّه فاعل لـ : "وئيداً" وأمّا عند البصريين فيُعتبرهذا من باب الضرورةٌ، أو يقولون: "مشيُها" مُبتدأ حُذِف خبرُه، لسد الحال مَسَدَّه، أي: يظهَر وئيداً.