٤.٧ الاستدلالُ على أنَّ الفاعلَ كجزءٍ من أجزاء الفعل ٥-١٢
فيما سبق تعرّفنا على الوجوه الأساسيَّة، لما ذهب إليه العُكبريُّ من اعتبار الفاعل كجزءٍ من الفعل، فيما يلي نكمل بقية الوجوه، من الخامس إلى الثّاني عشر، فيقول العُكبريُّ:
الخامس
أنَّهم قالوا (ألقِيا) و (قِفا) مكان (ألقِِ ألقِِ)، ولولا أنَّ ضمير الفاعل كجزء من الفعل؛ لما أنيب منابه." يعني: أنّك إذا خاطبتَ شخصاً طالبًاً منه عملَ شيءٍ مثلاً، فستقولَ له: (افعلْ)، ولو خاطبت آخر فستقول له كذلك: (افعل). لو أنّك خاطبتهما معاً؛ فلن تقولَ لهما: (افعل افعل) ولكن: (افعلا)، فكأنّ الضمير ألف الاثنين قد ناب عن الفعل الآخر، وما ذلك إلا لأنّه جزءٌ منه أو كجزءٍ منه.
ولعلّك تلحظ أنّ هذا الوجه ليس بتلك القوّة والإقناع، بل فيه من التّكلُّف ما فيه، لأنَّ إسناد الفعل إلى الفاعل في نحو قولنا: {أَلْقِيَا} إنّما هو إسنادُ فعلٍ واحد إلى اثنين، والتكرار ليس للفعل، وإنما التكرار للفاعل ذاته.
٤.٧ الاستدلالُ على أنَّ الفاعلَ كجزءٍ من أجزاء الفعل ٥-١٢
السَّادس
أنَّهم نسبوا إلى (كنتَ) (كنتيُّ) ولولا جعلُهم التاء كجزء من الفعل لم يبق مع النَّسب." أي أنَّ النَّسب إنّما يكون للأسماء، فلمَّا نُسب إلى (كنتُ) وليست اسماً محضاً، وإنّما هي فعل وفاعل، باعتبار أنّ (كان) تامّةٌ، فلمّا نُسب إلى كلٍّ من الفعل والفاعل، فقد دلَّ ذلك على أنّ الفعل والفاعل بمثابة شيءٍ واحد.
و(الكُنتيُّ) هو الرَّجل الذي لا يفتأُ يذكر ماضيه الجميل، ويقول كنتُ كذا وكنتُ كذا، ولذلك فخر المفتخر قائلاً: "ولستُ بِكُنْتِيٍّ".
والواقعُ أنَّ هذا الاستدلال فيه ما فيه، إذ عمد العُكبريُّ إلى باب النَّسب، ودلف منه إلى مجموعة المركّبات التي تُنسب على لفظها دون تغيير، وجعل منها قاعدة عامّة، وليست كذلك.
٤.٧ الاستدلالُ على أنَّ الفاعلَ كجزءٍ من أجزاء الفعل ٥-١٢
السابع
أنَّهم ألغوا (ظننت) إذا توسَّطت أو تأخَّرت، ولا وجهَ لذلك إلا جعلَ الفاعل كجزء من الفعل الذي لا فاعل له، ومثل ذلك لا يعمل." وكما تذكر عزيزي الدّارس فإنّه قد مرَّ بنا عند دراسة أفعال الظّنّ، أنّها عند إلغائها ينبغي أن تتوسّط أو تتأخّر، وإلغاؤها معناه أن لا تعمل، أي أن تكون فعلاً لا فاعلَ له، ورغم ذلك يكونُ الفاعل في (ظننت) -وهو هذه التّاء- متَّصلاً بها، ممّا يدلُّ على أ نّه جزءٌ منها.
إنّ استشهاد أبي البقاء بموضوع الإلغاء، لا يُعدّ دليلًا على أنَّ الفاعلَ جزء من الفعل، وإنَّما هو استقراءٌ لما عليه الأساليب العربية في بابٍ معيّنٍ مخصوصٍ.
الثامن
أمتناعُهم من تقديم الفاعل على الفعل كامتناعهم من تقديم بعض حروفه"، أي أنَّ تقديم النُّحاة، أي أهل البصرة، الفعل على الفاعل، هو مثل تقدُّم بعض حروف الكلمة على بعضٍ، وبالتّالي فإنّ التّأثير في هذا التّرتيب يُفضي إلى تغيُّر حقائق الكلمات كما يُفضي إلى تغيُّر المواقع الإعرابيّة للكلمات.
والواقع أنّ هذا ليس بدليل، وإنما هو تشبيهٌ للكلمتين الملتئمتين، وللترتيب بينهما، بحروف الكلمة الواحدة.
٤.٧ الاستدلالُ على أنَّ الفاعلَ كجزءٍ من أجزاء الفعل ٥-١٢
التَّاسع
أنَّهم جعلوا (حبَّذا) بمنزلة جزءٍ واحد لا يُفيد، مع أنَّه فعلٌ وفاعل.". إذن (حبَّذا) في مذهب العُكبريِّ، ليست كلمةً واحدةً تتكوّن من جزءٍ واحدٍ، بل هي كلمةٌ مركّبة من جزءينِ: (حبَّ) فعلٌ ماضٍ، و (ذا) فاعلُه، وهو مذهب سيبويهِ وجماعة من النّحويِّين.
فلعلّ العُكبَريّ يُريد بهذا الاستدلال توجيه النَّظر إلى كون (حبَّذا) كلمةً واحدة تضمنت جزءين هما الفعل والفاعل، وبالتَّالي فإنَّ الفاعل كان جزءاً من الفعل.
العاشر
أنَّ من النَّحويَّين من جعل (حبَّذا) في موضع رفع بالابتداء، وأخبر عنه، والجملة لا يصحُّ فيها ذلك، إلاَّ إذا سُمِّي بها". هؤلاء النّحويُّون الّذين يعنيهم العُكبَريُّ هم المُبرِّد وابن السَّرَّاج وابن عصفور، ممّن ذهب إلى: أنَّ (حبَّ) و (ذا) رُكِّبَتا معاً، وجُعلتا اسماً واحداً مبتدأً (حبذا) اسمٌ، وهو مبتدأ،
ويعقِّب ابن مالك على ما ذهب إليه المبرّد وابن السّرّاج بقوله: "ولا يصحّ ما ذهبا إليه ....لأنهما مقرّان بفعلية "حَبّ" وفاعلية "ذا" قبل التركيب".
٤.٧ الاستدلالُ على أنَّ الفاعلَ كجزءٍ من أجزاء الفعل ٥-١٢
قال ابن مالك: "وأنَّهما بعد التَّركيب لم يتغيّرا معنًى ولا لفظا".
إذن، لو عدتَ الآنَ إلى ما قاله العُكبريُّ، سيتَّضحُ لك أنّه يوجّه نقدَه لهذا الفريق من النُّحاة الّذي يقوده المُبرّد.
ولعلّ ما ذكره العُكبَريُّ في هذا الوجه، هو من باب التّوكيد على كون (حبّذا) فعلٌ وفاعل.
الحادي عشر
أنَّهم جعلوا ( ذا ) في ( حبذَّا ) بلفظ واحد في التثنية والجمع والتأنيث كما يُفعل ذلك في الحرف الواحد."
يعني أنَّ ممَّا يَتَّفق فيه العُكبريُّ مع النّحويِّين أنّ (ذا) في تركيب (حبّذا) ثابتٌ على صورةٍ واحدةٍ هي صورة المفرد المذكر، وأنّه بهذه الصورة نفسها تُستخدم كذلك في حال التّثنية، فنقول: (حبَّذا الطالبان المجتهدان) والجمع: (حبذا الطُّلابُ) والتّأنيث: (حبّذا الطّالبةُ المجتهدة).
وهذا معناهُ أنَّ (ذا) باعتبارها جزءاً من هذا التَّركيب، ثابتةٌ ثباتَ الحروف المُكوِّنة للكلمة الواحدة، وبما أنّها هي الفاعل، إذن فالفاعل يُعتبر جزءاً من الفعل.
عزيزي الدّارس، هذه هي الوجوه التي قدّمها العُكبريُّ، لإثبات أنّ الفاعل كجزءٍ من الفعل.
٤.٧ الاستدلالُ على أنَّ الفاعلَ كجزءٍ من أجزاء الفعل ٥-١٢
الثاني عشر
أنَّهم قالوا في تصغير (حبَّذا) (ما أُحيبِذَه) ! فصغَّروا الفعل وحذفوا منه إحدى الباءَين، ومن الاسم الألف، والعربُ تقول: لا تحبَّذه عليه فاشتقَّ منهما".
وكأنّ العُكبريَّ يقول: بما أنّ التّصغير يردّ الكلمات إلى أصولها، وأنّنا عندما صغَّرنا (حبّذا) بقي الفعل والفاعل مع حدوث تغيير في كلٍّّ منهما، فهذا دليلٌ على أنّ (حبّذا) مركّبةٌ من فعلٍ وفاعل.