٥.٥ عطف البيان والبدل


ها قد آن أوان الكلام على العلاقة بين البدل وعطف البيان!
يقول رؤبة:
إِنّي وَأَسْتَارٌ سُتِرْنَ سَتْرا لَقَائِلٌ يَا نَصْر نَصْرًا نَصَرا

ويقول سيبويه معلِّقاً: "وأما قول رؤبة؛ فعلى أنَّه جعل "نصرا" عطفَ بيان، ونصبَه".
وتوضيحه: "يا نصرُ نصرًا نصراْ": مُنادى، معطوفٌ عليه، عطف بيان.
فما هو عطف البيان؟ هو تابعٌ، غيرُ صفةٍ، يوضِّح متبوعَهُ، كقولك: (أقسم بالله أبو حفص عمر).
وذكر ابن مالك أنّه يكون جامداً أو ما بمنزلته، وذلك "توكيدًا لإخراج النعت، فإنه من جهة المعنى أشبهُ شيء بعطف البيان" فأنت تقول لمن له ابنانِ: (مررت بابنك الطويل)، فحصل تخصيصُ المعنيِّ منهما بالنعت، ولو قلتَ: (مررت بابنك محمد)؛ فهذا هو عطفُ البيان، ويجوز أن يكون بدلًا؛ لأنَّ البدل وعطف البيان لا يختلفان إلا فيما سوف نذكره بعد قليل.

٥.٥ عطف البيان والبدل


ولا خلاف في موافقة عطف البيان متبوعه في كلٍّ من العدد والنّوع، وكذلك في التَّعريف والتنكير، لكن الشيخ أبا عليِّ الشلوبين أو الشلوبيني" يرى أنَّ مذهب البصريين التزامُ تعريف التابع والمتبوع كليهما في عطف البيان.
يقول ابن مالك: "ولم أجد هذا النَّقل من غير جهته" ثم قال: "وعلى تقدير صحة النَّقل، فالدَّليل أولى بالانقياد إليه والاعتماد عليه".
والدليل هو إذا كانت الحاجةُ قد دعت إلى عطف البيان في المعرفتين؛ فهي في النَّكرتين أشدُّ، لأنّ النّكرة تفتقر إلى ما يُبيِّنها.
في قول الله تعالى: ((فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ)) يجعل الزمخشري ((مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ)) عطفَ بيان مع كونه معرفة، والمتبوع ((آيَاتٌ)) نكرة.
قال العلماء -ومنهم ابنُ مالك-: هذا –أي ما ذهب إليه الزّمخشريُّ- مخالفٌ لإجماع البصريِّين والكوفيِّين، فلا يُلتفت إليه .
فتخصيص المعرفة بعطف البيان خلاف مقتضى الدليل، واستعماله مطلقًا مذهب الفراء، والكوفيين، والزَّمخشريّ وأبي عليٍّ الفارسيّ.
لنقف من أجل تقرير القاعدة المثبتة لدى كلّ العلماء والتي تقول: "كلُّ عطف بيان يجوز جعله بدلًا إلَّا....". إلا ماذا؟ إلا إذا قُرِنَ بـ"أل" بعد منادى، كقولك: (يا أخانا الحارث). كما تعلم أنّه لا يصح أن تأتي بكلمة "الحارث" بعد "يا" مباشرةً؛ لأنّه منادى معرّف بـ: (أل). وبالتّالي فلا يجوز جعل "الحارث" بدلًا؛ لأنه لا يصلح للحلول محل (أخانا) وإنما هو عطفُ بيان لا غير.

٥.٥ عطف البيان والبدل


الأمر الثاني: إذا عُطف على مجرور بإضافة صفة مقرونة بـ"أل"، وهو غير صالح لإضافتها إليه، كقول الشاعر:
أنا ابنُ التاركِ البكريِّ بشرٍ عليه الطيرُ ترقبه وُقوعا

الشّاهد فيه أنّه أضاف (التّارك) إلى (البكريِّ) على حدِّ (الضَّارب الرّجلِ) تشبيهاً بـ: (الحسنَ الوجه)، وخفض (بشراً) عطفَ بيانٍ على البكريّ، وأجراه عليه جري الصفة على الموصوف، لأنّ (بشراً) لو جُعل بدلاً من (البكريِّ)، والبدلُ في حكم تكرير العامل، لكان (التّارك) في التقدير داخلاً على (بشرِ) هذا مذهب سيبويه.
فلا يجوز جعلُ "بشر" بدلًا، إنَّما هو عطفُ بيان.

الفروق بين عطف البيان والبدل
تجاوزت الأحد عشر فرقًا، وأهمُّها:
أولاً: أنَّ عطف البيان لا يكون مضمرًا ولا تابعًا لمضمر.

٥.٥ عطف البيان والبدل


وقال الزمخشري في قول الله تعالى: ((مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)) (المائدة: من الآية: ١١٧): "((أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ)) عطف بيان للهاء في قوله: ((إِلّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ))". العالم النّحويُّ الكبير الدماميني انتصر لمذهب الزمخشري، وقال: "ما الذي يمنع جواز كونه عطف بيان؟" قال: "ولا يلزم من كون الشيء نظيرًا لآخر أن يُعطى سائر أحكامه"، سبب ردّ العلماء قولَ الزمخشري: هو أنَّ عطف البيان والمتبوع ينبغي أن يكونا شيئاً واحداً؛ والدمامينيُّ يقول: "إنَّ الشيء قد يكون كالشيء، وبينهما اختلاف، فليس شرطًا ولا يلزم أن يكون للشيء المناظر للآخر أن يُعْطَى سائر أحكامه".
ثانياً: أنَّ عطف البيان يوافق متبوعه في تعريفه وتنكيره، خلافاً للبدل.
ثالثاً: أنَّ عطف البيان لا يكون جملة.
رابعاً: أنَّ عطف البيان لا يكون تابعًا لجملة، بخلاف البدل.
خامساً: أنَّ عطف البيان لا يكون فعلًا تابعًا لفعل.

٥.٥ عطف البيان والبدل


سادساً: أنَّ عطف البيان لا يكون بلفظ المتبوع.
سابعاً: أنَّه ليس في النِّيَّة إحلاله محل الأول، بخلاف البدل.
ثامناً: أنه ليس في التقدير من جملة أخرى، على خلاف البدل.
عاشراً: كون حذف المبدل منه في البدل جائزاً عند بعضهم.
حادي عشر: كون البدل يجوز قطعه.