٣.٤ أدلة الكوفيين على مذهبهم في حذف حرف القسم


في هذا المبحث نتعرّف بإذن الله على أدلَّة الكوفيِّين الّتي استندوا إليها في قولهم بجواز حذف حرف القسم دونما تعويض، وذلك على النّحو التّالي:
قال الفرَّاء الكوفيّ: سمعناهم –أي العرب- يقولون: (آللهِ لتفعلنَّ)، فيقول المجيب: (اَللهِ لأفعلنَّ)، وإعرابُه عند الفرّاء: (اسمٌ مقسمٌ به مجرورٌ لفظُه، بحرف جرٍّ محذوفٍ، تقديرُه: والله)، والشَّاهدُ فيه أنَّ حرفَ الجرِّ قد عَمِلَ محذوفًا، بدون أن يردَ في العبارة عوضٌ عنه.
وحَكََوا عن يونس بن حبيب البصريِّ، شيخ سيبويهِ، أنَّ من العرب من يقولُ: (مررتُ برجلٍ صالحٍ، إلا صالح فطالحٍ)، أي: إلا أكن مررت برجلٍ صالحٍ، فقد مررت برجلٍ طالحٍ، أو بطالحٍ.
ورُوي عن رؤبةَ بن العجاج أنَّه كان إذا قيل له: كيف أصبحتَ؟ يقول: (خيرٍ عافاك الله)، أي: بخير.
وممّا استدلُّوا به من شواهد الشّعر، قولُ الشّاعر:
رَسمِ دارٍ وقفتُ في طَللِهِ كدتُ أقضي الحياةَ من جَلَله


٣.٤ أدلة الكوفيين على مذهبهم في حذف حرف القسم


فخفضَ (رسم) بإضمار حرف الخفض.
وممّا استشهد به الكوفيُّون كذلك: قولُ الشّاعر ذو الأصبع العُدوانيُّ ، معاتباً ابنَ عمٍّ له:
لاهِ اِبنُ عَمِّكَ لا أَفضَلتَ في حَسَبٍ عَنّي وَلا أَنتَ دَيّاني فَتَخزوني

وموضعُ الشَّاهد: (لاهِ اِبنُ عَمِّكَ) أي: لله ابن عمِّك، فـ: (لاهِ) مجرور بحرف جرٍّ محذوف.
كما استدلوا كذلك بقول الشاعر:
أجدَّكَ لستَ الدهرَ رائيَ رامةٍ ولا عاقلٍ إلا وأنت جنيب
ولا مصعَدٍ في المصعِدين .........................


٣.٤ أدلة الكوفيين على مذهبهم في حذف حرف القسم


وموضع الشّاهد: (ولا مصعَدٍ)، وأصلُه: ولا بـ"مُصعَدٍ".
وكذلك استدلّوا بقول الشاعر -وهو مشهور-:
بدا ليَ أنِّي لستُ مدركَ ما مضى ولا سابقٍ شيئًا إذا كان جائيا

موضعُ الشّاهد: (ولا سابقٍ شيئًا)، يعني: وبدا ليَ أنِّي لستُ بسابقٍ شيئًا، فحُذف حرفُ الجر، بعدَ ما عمِل الجرَّ
واستشهد الكوفيُّون كذلك بقول الفرزدق:
مشائيمُ ليسوا مُصلحينَ عشيرةً ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غرابُها

أي: إذا نَعَبَ الغراب فقد أذن المؤذن بالوداع، إنَّ الكوفيِّين استشهدوا على جرِّ (ناعبٍ) بإضمار حرف الخفض.
واستشهد الكوفيُّون كذلك بقول الفرزدق:
وَما زُرتُ سَلمى أَن تَكونَ حَبيبَةً إِلَيَّ وَلا دَينٍ لَها أَنا طالِبُه


٣.٤ أدلة الكوفيين على مذهبهم في حذف حرف القسم


أي: إنّه زارَ سلمى لا لأنَّها حبيبتُه، أو لأنَّها مَدينةٌ له بشيء يريد أن يقضي دَينه منها، ...
وموضع الشاهد: "ولا دَينٍ" أي: ولا لدَينٍ. حُذف حرفُ الجر العامل، بلا عوض، وهذا مذهب الكوفيِّين.
قال الكوفيُّون: وممّا يؤكد قوّة مذهبنا في هذه المسألة: أنَّكم أهلَ البصرةِ تُعملون حرف الجرّ "رُبَّ" مع حذفها، بعد (الواو والفاء وبل) ، وبقاءِ ما بعدها مجروراً بها.
إذن فما يمنعُكم أن تُعملوا الواو في لفظ الجلالة وهي محذوفةٌ، فتقولوا: (اللهِ لأفعلنَّ)، (اللهِ لأجتهدنَّ)، ...الخ.