١.٤ كتاب (الإنصاف) والتّعريف بمسائل الخلاف


عزيزي الدّارس، في هذا الدّرس، وعبرَ كتاب: (الإنصاف في مسائل الخلاف) للعلامة كمال الدّين الأنباريِّ، نقف عند مسألتين من المسائل التي تنازع فيها نحويُّو البصرة والكوفة، وذلك بعد أن ننظر في البطاقة التّعريفيَّة لصاحب (الإنصاف)، ثمِّ نمهّد بإشاراتٍ موجزةٍ عن الخلاف بين المدرستين.

أولاً: بطاقة تعريفية موجزةٌ، بعالمٍ نحويٍّ كبير
الاسم: عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن مصعب بن أبي سعيد كمال الدين الأنباريُّ، أو ابن الأنباريِّ.
اللَّقب: أبو البركات.
الميلاد: سنة ثلاث عشرة وخمسمائة من الهجرة النَّبويَّة.
كتابه الّذي اشتهر به: كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف).
الوفاة: سنة سبع وسبعين وخمسمائة من الهجرة.


١.٤ كتاب (الإنصاف) والتّعريف بمسائل الخلاف


ثانياً: إشارات موجزة عن الخلاف بين المدرستين
كما تعلم فإنَّ النَّحو بصريُّ المولد والأطوار، لكن لمّا شبَّ واستوى على سوقه نافس فيه الكوفيُّون، فكان الخلافُ بين المدرستين، الّذي اهتمَّ أبو البركات برصده، ومن الإنصاف أن نقول: إنَّ أبا البركات في (الإنصاف) لم يكن منصفًا للكوفيِّين، إلا في سبع مسائل فقط، وسوف نرى بإذن الله شيئاً من ذلك.
لقد بذل نحويُّو البصرة ما وسعهم من الجهد في تقييد شوارد اللِّسان العربيِّ، والتقعيد لها، ولعلَّ كتاب سيبويه- خيرُ شاهد على هذا.
وفي إطار المقارنة العامّة بين المدرستين، يقول الشيخ الطنطاوي في كتابه: (نشأة النحو) "أنَّ النحو البصريَّ أساسُه السَّماع، وأنَّ النَّحو الكوفيَّ أساسُه القياس". ونحن نقول: إنّ النَّحو الكوفيَّ كذلك كان أساسه السَّماع.
لو كان النّحوُ سماعًا فحسب، لكانت ثمرتُه معجمًا لغويًا كـ(لسان العرب) ولكنه قياسٌ قام على سماع. وقالوا في الكوفيِّين أنَّهم قد توسَّعوا في القياس، وقالوا إنهم: "كانوا يستشهدون بنصف بيت مجهول القائل" وهذا كلام يغُرُّ صغارَ التَّلاميذ.


١.٤ كتاب (الإنصاف) والتّعريف بمسائل الخلاف


على سبيل المثال: نحن نعلم أنَّ نحويِّي البصرة لا يُجيزون العطف على الضَّمير المجرور دون إعادة حرف الجرـ فقولنا: (مررت بك وزيد) لا يجوز عندهم، لكن: (مررت بك وبزيد)، أي أن تعيد حرف الجر؛ لأنك عطفت زيدًا على ضمير مجرور، بينما نجد نحويِّي الكوفة -ومعهم ابن مالك- يجيزون ذلك، لا استناداً إلى قياس، وإنّما أخذاً بقراءة حمزة: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ)) أي بكسر (الأرحامِ). ومعروف أن القراءة القرآنية لا دخل فيها للهوى، ولا للرأي، ولا للوجه اللُّغويِّ.
وإضافةً إلى هذا الشّاهد القرآنيِّ، استدلّ نحويُّو الكوفةِ بشاهدٍ شعريٍّ معروف:
فاذهب فما بك والأيامِ من عجب ...................

اقتراح: موضوع بحث للدّراسات العليا


١.٤ كتاب (الإنصاف) والتّعريف بمسائل الخلاف


عنوانه: "ما يَحتاجُ إلى شاهدٍ في النَّحو العربيِّ"، بيانُه أنّ ثمَّة قواعد قرَّرها النُّحاة، بدون أن يهتمّوا بذكر الشّاهد الّذي يدلُّ على ثبوتها، ومن ذلك على سبيل المثال، الشّروط التي يُقرّرها النّحويُّون للاسم حتّى يُعرب إعراب الأسماء الستة، فإنّهم يُقرِّرونها بدونما اهتمامٍ بذكر الشّاهد الّذي يُثبت وجود القاعدة، وإنّما يذكرون أمثلةً، والأمثلةُ كما هو معلوم توضّح القاعدة، ولا تُثبتها.

وإذا قلبنا صفحاتِ كتب النحو والصّرف، فسنجد دروسًا ومسائلَ كثيرةً تخلو من الشّواهد، فحبّذا لو تمّ استقراء هذه المواضع، وإعادة دراستها وتأصيلها.