٦.٤ مذهبا الكوفيِّين والبصريِّين في تحديد موضع الضّمير بعد "لَوْلَايَ" و لولاك


أمّا السُّؤال الثّاني الّذي تضمَّنته المسألة السّابعة والتّسعون من "إنصاف الأنباريِّ" فكان حول تحديد محلِّ أو موضع الضمير المتّصل، وهو ياء المتكلم في: "لَوْلَايَ" وَكاف الخطاب في: "لولاك"، فيقول الأنباريُّ: ذهب الكوفيُّون إلى أنّ (الياء) و(الكافَ) ، في كلٍّ من "لَوْلَايَ" وَ"لولاك": في موضع رفعٍ، وذهب إليه كذلك أبو الحسن الأخفش من البَصريِّين.
أمّا عامّة البصريِّين فقد ذهبوا إلى أنّهما في موضع جرٍّ بـ: (لولا).
بم احتجَّ كلُّ فريقٍ لمذهبه؟ وما هي حجج الكوفيِّين؟
يقول أبو البركات: "أما الكوفيون فاحتجُّوا بأن قالوا: إنَّما قلنا: إنَّ الياء والكاف في موضع رفع؛ لأنَّ الظَّاهر الذي قام الياء والكاف مُقامه رفعٌ بها على مذهبنا".
وهذا يقودنا إلى استطلاع المسألة العاشرة من مسائل (الخلاف) وهي: بأيِّ شيء رُفع زيدٌ في قولنا: (لولا زيد لأكرمتك) عند الكوفيين وعند البصريين؟
أمّا عند أهل الكوفة، فإنَّ المرفوعَ بعد (لولا) مرفوعٌ على الفاعليَّةِ، بينما هو عند أهل البَصرة مرفوعٌ على الابتداء.

٦.٤ مذهبا الكوفيِّين والبصريِّين في تحديد موضع الضّمير بعد "لَوْلَايَ" و لولاك


إذن، فهو مرفوع عند كلا الفريقين، وإنما الاختلاف في التوجيه.
حسناً، لنقف قريباً من الكوفيِّين؛ ونسألهم: إذا كان زيدٌ مرفوعًا عندكم على أنَّه فاعل، فأين الفعلُ الذي رفعه؟
بم أجابوا؟ قالوا: الفعلُ نابت عنه (لولا)، والتَّقديرُ: (لو لم يمنعنِي زيدٌ لأكرمتُك)، ذلك أنَّ (لولا) مكوَّنةٌ في الأصل من: (لو)، زائداً (لا) النَّافية.
والكوفيُّون يَقيسون عبارةَ: (لولاي) أو (لولاك) على عبارةِ (لولا زيدٌ)، ويجعلون (الياء) و(الكاف) كلاً منهما مقابلةً لـ: (زيد) فيقولون: حلَّت محلّ زيد، ومحلُّ زيدٍ الرّفعُ، فمحلُّها الرّفع.
قيل لهم: هذا يبطل بـ: (عسى) (عساك) (عساهُ) فعسى تعمل في الاسم الظّاهر الرّفعَ، وفي الضّمير النّصبَ، أي أنّها لا تعمل عملاً واحداً في كلٍّ من الاسم الظاهر والمضمر، وبالتّالي يبطل قياسُكم المضمرَ على الاسم!
قالوا: لا نُسلّم بذلك، لماذا لا تكون الكاف في (عساك) في موضع رفعٍ، كما كانت في (لولاك)، وفي الواقع إنّ الخلاف حول المبنيّات كثيرٌ؛ لأنّها لا تظهر عليها علامةُ إعراب تدلُّ عليها.
واحتجُّوا بأنّ المبرّد البَصريَّ ذهب إلى أنّ الكاف في موضع نصبٍ بـ: (عسى) واسمها مضمرٌ فيها.

٦.٤ مذهبا الكوفيِّين والبصريِّين في تحديد موضع الضّمير بعد "لَوْلَايَ" و لولاك


وقالوا: ليس في كلام العرب حرفٌ يعمل الجرَّ في الضّمير دون الاسم الظاهر، ولم يرد شيءٌ من ذلك ولا حتّى في الشّعر المستجاز، الّذي كما قال سيبويه يجوز فيه ما لا يجوز في الكلام، فلتأتونا يا معشر البصريِّين بشاهدٍ واحد فيه اسمٌ ظاهرٌ مجرور بـ: (لولا).
إنّ هذا الموقف الكوفيَّ، ليؤكّدُ أنّ الكوفيِّين كذلك يهتمّون بالسّماع، خلافاً لما يُقال من أنّ اهتمامهم في المقام الأول بالقياس.
الكوفيُّون أرادوا أن يقولوا: إنَّ الكاف في "لولاك" ضميرُ رفعٍ لا جرٍّ، كما يزعم البصريُّون، وأنَّها نابت عن "أنت"، و"أنت" ضميرُ رفعٍ بلا خلاف.
أمَّا أهلُ البصرة فيقولون: إنّ المرفوع بعد (لولا) مبتدأٌ، خبرُه كونٌ عام، كقولك: (لولا اللهُ ما اهتدينا)، أي: لولا الله موجود، فإنَّ كان كونًا خاصًّا ذُكر، على ما أورد ابنُ مالك من شاهدِ أبي العلاء المَعرِّي:
................. فلولا الغِمدُ يُمسِكُه

أمَّا الضَّميرُ في "لولاي" و"لولاك" –يقول البَصريُّون- فإنَّه في موضع جرٍّ؛ لماذا؟

٦.٤ مذهبا الكوفيِّين والبصريِّين في تحديد موضع الضّمير بعد "لَوْلَايَ" و لولاك


قالوا: لأنَّ الياء في "لولاي"، والكاف في "لولاك" لا تَكونان علامةَ مرفوع، أي ليستا ضميرَي رفعٍ، بل هما في الأصل ضميرانِ للنَّصب والجرِّ، ومن هذه النّاحية: لا يجوز أن يُتوهمَ أنَّهما في موضع نصب؛ لأنَّ (لولا) حرف، وليست فعلاً يرفعُ فاعلاً ثم ينصب مفعولاً به، فإذا لم تكونا في موضع رفعٍ ولا نصبٍ، فقد وجب أن تكونا في موضع الجرِّ.
وأكّد أهل البصرة أنّ هذا هو مقتضى كلام العرب، وأنَّ المصير إلى ما لا نظير له في كلامهم محال!
فقال لهم الكوفيُّونَ: ائتونا بنظيرٍ وهاتوا ولو بيتًا واحداً من الشِّعر فيهِ اسمٌ ظاهرٌ مجرور بـ: (لولا)؛ حتى نقيسَ عليه الضَّميرَ في "لولاي" و"لولاك"!؟
وقيل لهم: يا أهلَ البَصرة، وقد زعمتم أنَّ الضميرَ بعد (لولا) مجرورٌ بها، فقولوا لنا: أين متعلّقُ الجارِّ والمجرور؟
قالوا: الحروف تكون في موضع ابتداءٍ، لا تتعلّق بشيءٍ، كقولك: (بحسبك زيدٌ) أي: (حسبُك زيدٌ)، فحرف الجرِّ لا يتعلّق بشيءٍ.
ومنه قول الشاعر:
بِحَسْبِكَ فِي الْقَوْمِ أَنْ يَعْلَمُوا بَأَنَّكَ فِيهِمْ غَنِيٌّ مُضِرّ


٦.٤ مذهبا الكوفيِّين والبصريِّين في تحديد موضع الضّمير بعد "لَوْلَايَ" و لولاك


فالباء زائدة في "بحسبك"، و"حسبك" خبر مُقدَّم، والمصدر المؤوَّل مبتدأ مؤخر.
ومنه كذلك قولُ الله تعالى: ((مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه)) (الأعراف: من الآية: ٥٩) حيث: "من" حرف جر، ولا تتعلَّق بشيء؛ لأنَّها صلة، ولا يقولون زائدة؛ تأدُّباً مع كتاب الله.
وأمّا قولُ البَصريِّين أن ّ الباء والكافَ لا يكونان ضميري رفعٍ، فقد ردَّ عليه الكوفيُّون بعدم التّسليم، وقالوا: قد يجوز أن تدخل علامةُ الرفع على الخفض؛ ألا ترى أنه يجوز أن يقال: (ما أنا كأنت)، و"أنت" من علامات الرفع، أي من من ضمائر الرفع.
قالوا: والأصل في حروف الخفض، ألا يجوز الابتداء بها، وألا تقعَ في موقع المبتدأ، وإنما جاز ذلك نادرًا في حرفٍ زائدٍ دخولُه كخروجه.