![]() |
ولا زلنا نتجوّل في رحاب "الإنصاف" للأنباريِّ، حيث نقف معه الآن عند المسألة السابعة والتّسعين من مسائل الخلاف بين الكوفيِّين والبصريِّين، الّتي يدور محور النّزاع فيها على سؤالينِ، يهمُّنا في هذا المبحث أوّلُهما، وهو: |
![]() |
"هل يُقالُ: لولاي ولولاك" أي مثلاً: (لولاي ما فَهمتَ) و(لولاك ما درَّستُ)؟ إنَّ استخدام "لَوْلَايَ" وَ"لولاك" بهذا المعنى، لا خلاف حوله بين البصريِّين والكوفيِّين، وإن كان الأنباريُّ جعلها مسألةً خلافيَّة، وذلك بسبب أنَّ المُبرِّد وحده في كتابه (المقتضَب) وقف يُدافع عن موقفٍ رافضٍ لاستخدام "لَوْلَايَ" وَ"لولاك" ويقولُ: "هذا خطأ، ولا أقول به". |
![]() |
إلامَ يستند المُبرّد في هذا الموقف المنفرد؟ إنّه يستند إلى القرآن الكريم، يقول: "لقد قال الله تعالى: ((لولا أنتم لكنّا مؤمنين)) (سبأ: ٣١) ، ما قال الله تعالى: (لولاكم)". كأنّه يُحاكم النّحويّين أنّهم يقولون للمفرد: لولاك، إذن فسيقولون في حالة الجمع: لولاكم، فهل قال ربُّنا تعالى: لولاكم لكنا مؤمنين، أم أنّ ربّنا قال: ((لولا أنتم)) و(أنتم) كما تعلمون ضمير رفع، فهو يستوي مع الحالة التي تُستعمل فيها(لولا) اسم شرطٍ غير جازم، حيث يجيءُ بعدها مبتدأ مرفوع، خبره محذوف، فهذا دليلٌ إضافيٌّ يؤكّد موقف المبرد. |
![]() |
ما رأيك عزيزي الدارس، في موقف المُبرّد؟ ما ذا ترى؟ أنا أقول: إنّ حجّته بالغة دامغةٌ، ولكن ليس معنى ذلك: أنّ اللّغة التي تَردُ بصورةٍ مخالفةٍ لما جاء في الكتاب العزيز، تكون لغةً مستهجنةً مرذولة، بيدَ أنّ القياس ينبغي أن يُجرى على الأفصح. |
![]() |
وما ذا قال النُّحاة في زمن المبرِّد؟ لقد انقسموا حول هذه المسألة، لكن قال أهلُ الفضلِ: يجوز (لولايَ) و(لولاكِ)، وما ذكره المبرِّد أحسن! فذانِكما جائزان، وهذا هو الأفصحّ! فلماذا نقول: (لولاك) إذا أمكن أن نقول: (لولا أنت)؟! |
![]() |
وربَّ سائلٍ يقول: إنَّ في (لولاي ولولاك) تخفيفاً، فنردُّ عليه بقول الله تعالى: ((ولقد يَسّرْنا القرآنَ للذّكر فهل من مُدَّكِّر)) (القمر: ١٧)، فهل تخفيفٌ بعد كلام الله الذي ورد فيه: {لولا أنتم} ولم يرد فيه: لولاكم!؟ |