٤.٤ ردُّ البصريِّين على الكوفيِّين في مسألة حذف حرف القسم


الحذفُ جائزٌ مع العِوَض
قال أهل البصرة: لقد أجمعنا على أنَّ الأصلَ في حروف الجرِّ أن لا تعملَ مع الحذف، إلا في بعض المواضع إذا كان لها عِوَضٌ، ولم يُوجد ها هنا، فبقينا فيما عداه على الأصل، والتمسك بالأصل تمسكٌ باستصحاب الحال، وهو من الأدلة المعتبرة.
وما استدللتم به يا أهل الكوفة، يُخرّج على حالة الجرِّ إذا دخلت ألف الاستفهام، وها التنبيه نحو: (آالله ما فعل)، و(هالله ما فعلت)؛ لأن ألف الاستفهام وها التنبيه صارتا عوضًا عن حرف القسم، والذي يدل على ذلك أنه لا يجوز أن يظهر معهما حرف القسم، أي لا يُجمع بين العوض والمُعوَّض، فلا يُقال: (أوالله)، ولا يقال: (ها والله).
ألا ترى أنَّ الواو لما كانت عِوَضًا عن الباء لم يجز أن يُجمع بينهما، فلا يجوز أن يقال: (بِوالله لأفعلنَّ)، فكذلك ها هنا.
هذا هو الأساسُ النَّظريُّ الذي وضعه أهل البصرة، ومعناه أنَّ جميع ما استشهد به الكوفيُّون لا يجوز فيه إعمالُ حرفِ القسم فيما بعده، ثمَّ يُحذفُ ويبقى ما بعده مجرورًا، لأنَّ شواهدَ الكوفيِّين لم يرد فيها تعويضٌ عن المحذوف.


٤.٤ ردُّ البصريِّين على الكوفيِّين في مسألة حذف حرف القسم


ردُّ البصريِّين الحذفَ لكثرة الاستعمال
لا شكَّ أنّك تتطلّع الآن إلى سماع ردود أهل البَصرة على حُجج الكوفيِّين واستدلالاتهم:
أمَّا احتجاجُ الكوفيين بقول: (الله لأفعلنَّ)، فإنما جاز ذلك مع هذا الاسم خاصّةً، فالبصريُّون لم يردّوا ما حكاه الفراء، وإنما قالوا: نعم، هذا جائز لكثرة الاستعمال، وكأنِّي بهم يقرءون كتاب سيبويه؛ حيث يقول في مواضع عديدة من كتابه: "وما كَثُرَ استعمالُه خفّفوه"، و"ما كَثُرَ استعمالُه حذفوا منه"، هذا كلام سيبويه.
فلا خلاف في الجواز، وإنَّما الخلافُ في القياس على هذا الجائز، فالكوفيّون يُجيزون القياس عليه، والبصريُّون لا يُجيزون القياسَ عليه، ويَعزون ما نقله الفراء إلى كثرة استعمال لفظ الجلالة في القسم، الّتي أدّت إلى التُوسّع فيه.

اللغات بين القياس والاستعمال
ونُقرّر بناءً على مقالة أهل البصرة: إنَّ القاعدة العامّة في باب النّداء تُقرِّر: أنَّ نداءَ ما فيه "أل" لا يجوز أن يكون إلا بواسطةٍ، فقولك: (يا الرَّجل) لا يجوز، لكن قولك: (يا أيُّها الرَّجل)، ويُستثنى من ذلك:

٤.٤ ردُّ البصريِّين على الكوفيِّين في مسألة حذف حرف القسم


لفظ الجلالة ، حيث نستطيع أن نُناديَه: (يا الله)، أو (يالله) أو نقول: (اللَّهُمّ) بحذف ياء النّداء والتعويض عنها بالميم المشدَّدة في آخره، كما يختصُّ بالتّاء: (تاللهِ): إنّ هذا الاسم الجليل له خصوصيَّةٌ من جميع النّواحي.
بعض التّراكيب، كالجمل المحكيّة، كقولك: (يا المنطلق زيدٌ) واسم الجنس المشبّه به، كقولك: (يا الأسد شجاعةً) وضرورة الشّعر.

إذن أهل البصرة يوقفون الكوفيين على خصوصية تمنع القياس، الّذي يُفترض فيه التناظر بين المقيس والمقيس عليه، ويقولون لهم: انتبهوا، فما كلُّ منطوق به يقاس عليه، ويسألونهم: هل يجوز أن نقول: (البيتِ خرجت) أي: (من البيت خرجت)، وهذا يؤدي إلى لبسٍ بيِّن.

لقد حشد أهل البصرة كلَّ شاردةٍ وواردةٍ، من أجل أن يُثبتوا خصوصيّة لفظ الجلالة، ومن أسباب هذه الخصوصيّة كثرة استعماله في القَسَم، وكذلك في النّداء والدُّعاء، وهذا من شأنه أن يؤدّيَ إلى التَّخفيف، ومن التّخفيف الحذفُ.

موضوعٌ للبحث: [الاختصاص في النّحو العربيِّ]

في إطار ما ذكرناه من اختصاص اسم الجلالة بخصائص معيَّنة، يُمكن تناول الموضوع واستقراء مواطن الاختصاص وأسبابه ومبرّراته وآثاره، مثلاً: اختصاصُ (لات) بـ: (حين)، واختصاص (لدن) بـ: (غدوة)، وما إلى ذلك فإنَّ مبنى قواعدنا على الاختصاص.

٤.٤ ردُّ البصريِّين على الكوفيِّين في مسألة حذف حرف القسم


أمّا ما نقله أهل الكوفة عن يونُس، من قولهم: (مررتُ برجلٍ صالحٍ إلا صالحٍ فطالحٍ)، فهذه لغة قليلة الاستعمال بعيدة عن القياس، كأنّهم يقولون لهم: إنَّ اللُّغات لا تُخطئ، وهي صوابٌ تُحفظ وتحترم، ولكنا إذا أردنا القياس قسنا على اللغة العليا؛ ولذلك قال العلماء: إنَّ القرآن نزل بلغة قريش، الّتي أُتيح لها أن تكونَ خلاصةَ خلاصةِ لهجات العرب ولغاتهم، وذلك بسبب موقعها الإستراتيجيّ ومكانتها الدِّينيّة التي جعلتها ساحةً للتّلاقح بين اللُّغات واللّهجات.

أمّا ما رُوي عن رؤبةَ، من قوله: (خيرٍ عافاك الله)، فهو شاذ!
وأما إضمار "رُب" بعد (الواو والفاء وبل) فإنَّما جاز ذلك؛ لأن هذه الأحرف صارت عوضًا، والبصريُّون لا يمنعون العمل مع
الحذف، فقط يشترطون العِوَض.