١.٣ معنى التمييز وإفراده وجمعه وتنكيره
المصادر
دراسة المصادر السّماعية، موضوعٌ من موضوعات النّحو المهمة، فتح بابَ البحث فيه المبرِّدُ بعد سيبويه والخليل! وبين يديه نقدم كلمةً عن المصادر بين القياس والسَّماع.
يدلُّ المصدر في اللُّغة العربية على الحدث المجرّد المشتق من لفظ الفعل، وهو إما أن يكون قياسًا، وإما أن يكون سماعًا، وهما توأمان، فالقياس ثمرة السّماع، والسّماع إمّا أن يكون سماعاً شبه مقيس، وإمّا أن يكون سماعاً محضاً.
المصدر القياسيّ
المصدر القياسيّ هو الَّذي يستند في صيغته وتكوينه إلى قواعدَ وضعها العلماء بعد استقراء الكلام.
مثلاً عندنا قاعدة قياسيّة:
 |
أنَّ الفعل الرُّباعيِّ، |
١.٣ معنى التمييز وإفراده وجمعه وتنكيره
|
 |
إذا كان على وزن (أفعل)، فإنَّ مصدره يكون على وزن: (إفعال). نحوَ: (أكرم: إكرامًا)، و (أحسن إحسانًا). |
|
 |
إذا كان على وزن (فعَّل) فإنَّ مصدره يكون على وزن: (تفعيل)، ودونك قوله تعالى في سورة النّساء: ((وكلَّم اللهُ موسى تكليماً)) ... ومصادر الأفعال غير الثلاثية، كلُّها تُعتبر مصادر قياسيَّةً، أي نقيسها بحسب قاعدةٍ أو قانونٍ معيّن. |
المصادر السّماعيّة
أمَّا المصادر السّماعيّة، فيُقصد بها: ما ورد عن العرب الموثوق بعربيَّتهم، ويقع معظمها في باب الفعل الثُّلاثيِّ، وهي سماعيّة لأنّنا نعتمد فيها مباشرةً على ما قالت العربُ، إذ ليس لهذه المصادر ضابطٌ يضبطها جميعاً، هذا وإن كان النّحويُّون قد اجتهدوا في محاولة وضع معايير ومقاييس وضوابط، ولكن.
ونحنُ إنّما ندرس هذه المصادر السّماعيّة، في ضوء (المقتضَب) للمبرِّد، الّذي يُترجم لها بقوله: "هذا بابُ ما جرى مجرى المصادر، وليس بمتصرَّفٍ من فعل" ولكي يتسنَّى لنا فهمُ السِّياق الّذي يتحرك فيه المبرّد، دعنا نعرف حقيقةَ المقصود بالمصدر، ولنقف مع الزّمخشري صاحب المفصل: في باب المنصوبات، وهو يُعرّف المفعول المطلق، فيقول: "هو المصدر، سُمِّيَ بذلك لأنّ الفعل يصدر عنه" ويقول ابن يعيش شارح المُفصَّل: ...
١.٣ معنى التمييز وإفراده وجمعه وتنكيره
... "اعلم أنّ المصدر هو المفعولُ الحقيقيُّ" لأنَّ صيغة الفعل في حدِّ ذاتها بغضِّ النَّظر عمَّا إذا كان متعدّياً أو لازماً تدلُّ عليه، إذن فالمبرّد لا ينظر في هذا السّياق إلى المصادر السّماعية مطلقاً، ولكن إلى المصادر السّماعية التي تقع موقع المفعول المطلق، بدون أن يكون العاملُ فيها هو الفعل، ولعلّك أيُّها الدّارس المجتهد تذكر أنّنا عندما درسنا المفعول المطلق عرفنا أنَّ الأصل فيه أن يكون عاملُه مذكوراً، ولكن خلافاً لهذا الأصل جاءت مصادرُ أو مفاعيلُ مطلقةٌ بدون أن يكون العاملُ فيها مذكوراً، ولنرجعْ إلى صاحب (المُفصَّل)، وهو يتحدّث عمّا أسماه "المصادر المنصوبة بأفعالٍ مضمرةٍ" لنلحظ ابتداء التقارُبَ الكبير بين هذا المعنى وبين ترجمة المبرد لهذا الباب بقوله: "هذا بابُ ما جرى مجرى المصادر، وليس بمتصرَّفٍ من فعل" ولسوف يتّضح لك الأمرُ عندما نكمل قراءة الزمخشري، الّذي يقول: "والمصادر المنصوبة بأفعال مضمرة على ثلاثة أنواع : ما يستعمل إظهارُ فعله وإضماره، وما لا يُستعمل إظهار فعله، وما لا فعل له أصلاً، وثلاثتها تكون دعاء وغير دعاءٍ" الواقع أنَّ الزّمخشريّ بهذه العبارات يشرحُ لنا ويُبيِّن الإطار العام الّذي يتحرك فيه المبرّد بكلِّ وضوحٍ.