٥.٣ الإلغاء في أساليب سيبويه
أحوال مختلفة استٌعملت فيها المصادر
في هذا المبحث ننظر في أحوالٍ مختلفةٍ استٌعملت فيها المصادر، وذلك على النّحو التالي:
المصادر في الاستفهام، ووضع اسم الفاعل موضع المصدر:
 |
يقول المبرّد: "وذلك قولك: (أقياماً وقد قعد النَّاس)"، ويُقال على سبيل التّوبيخ والاستنكار، استعانةً بدلالة الحال، ومثله قول القائل:(أطرباً وأنت قِنِّسْريٌّ)، أي: أتطربُ وأنت شيخ كبير. |
 |
ثمّ يقول المبرد: "وإن شئت وضعت اسم الفاعل في موضع المصدر فقلت: (أقائماً، وقد قعد الناس)؛ فإنما جاز ذلك؛ لأنه حال، والتقدير: أتثبُت قائماً)". |
 |
إذن، فالاستفهام في هذه الحال ليس على حقيقته، وإنّما هو من أجل أداء غرض الاستنكار والتّوبيخ. |
٥.٣ الإلغاء في أساليب سيبويه
المصادر المثنّاة:
 |
هي مصادر تُثنّى للمبالغة والتّكثير، يقول المبرّد: "وذلك قولك: (لبيك وسعديك، وحنانيك)" وقوله: (لبّيك) أي: إجابةً بعد إجابة، و(سعديك) أي إسعاداً بعد إسعاد، قال: "وتأويل (حنانيك): إنما هو رحمةٌ بعد رحمة". ثمّ ذكر قول الشاعر: |
|
أبا منذرٍ أفنيتَ فاستبق بعضَنا |
حنانيك بعضُ الشر أهونُ من بعض |
 |
وهذه المصادر المثنّاة يجوز إفرادها"، وعندئذٍ يقول: "فأنت مُخيَّر: إن شئت نصبتَ بالفعل، وإن شئت ابتدأت، فإذا ثنيت لم يكن إلا منصوباً". إذن، فهي في حال تثنيتها واجبة النّصب، أمّا إذا أُفردَت فحكمها جوازُ النًّصب والرّفع.
فقالت: حنانٌ ما أتى بك ههنا؟ ... أذو نسبٍ أم أنت بالحيِّ عارفٌ
قال المبرّد: "إنما أراد: أمرنا حنانٌ".
|
٥.٣ الإلغاء في أساليب سيبويه
المصدر النّائب عن فعله في الخبر والاستفهام:
 |
في هذا الضّرب يُحذف الفعلُ، لينوب عنه المصدر، على سبيل المبالغة، وذلك كما في قوله تعالى: ((ولكنّ البرَّ من آمن بالله))، أي: أنّ البرَّ برُّ من آمن بالله، ومن ذلك قولهم: (ما أنت إلا سيرا، وما أنت إلا ضربا، وكذلك: زيدٌ سيرا، وزيدٌ أبداً قياما)، يقول المبرد: "وإنَّما جاز الإضمارُ لأنَّ المخاطب يعلم أنَّ هذا لا يكون إلا بالفعل، وأنَّ المصدر إنما يدلُّ على فعله، فكأنك قلت: (زيد يسير سيراً)"، ثمّ يقول: "وإن شئت قلت: (زيدٌ سيرٌ يا فتى). فهذا يجوز على وجهين: |
 |
أحدهما: أن يكون: (زيدٌ صاحب سيرٍ)، فأقمت المضاف إليه مقام المضاف؛ لما يدلُّ عليه؛ كما قال الله عز وجل: ((واسأل القرية التي كنا فيها)) إنما هو: أهل القرية، كما قال الشاعر:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادَّكرت ... فإنَّما هي إقبالٌ وإدبار
أي: ذات إقبال وإدبار، ويكون على أنه جعلها الإقبال والإدبار لكثرة ذاك منها." ثمّ قال: "فإذا قلتَ: (ما أنت إلا شربَ الإبل) فالتقدير: ما أنت إلا تشرب شربَ الإبل"، يقول: "فصار المعنى: ما أنت إلا صاحبَ شربٍ كشرب الإبل".
|
٥.٣ الإلغاء في أساليب سيبويه
ما يكون من المصادر توكيدا:
 |
يقول المبرِّد: "وذلك قولك: (لا إله إلا الله قولاً حقاًّ)، كأنك قلت: (أقول قولاً حقاً)؛ ... وكذلك: لأضربنَّك قسماً حقاً؛ لأنه بدلٌ من قولك: أقسم، وكذلك: (لأقومنَّ قسما) لأنَّ قولك: (لأقومنَّ) فيه لام القسم. ومثله:
إنِّي لأمنحك الصدود وإنَّني ... قسماً إليك مع الصُّدود لأميل".
وفي قولك: (أنت ابني حقّا) يذكر الصَّبان أنّ المصدر يجيء من أجل رفع المجاز وإثبات الحقيقة، أي حقيقة أنّه ابنه فعلاً وليس مجازاً.
|
ما يقعُ من المصادر موقعَ الحال فيسدُّ مسدَّه:
وهذا المصدرُ الّذي يسدُّ مسدَّ الحال، يكون قد ناب عن اسم الفاعل أولاً، وأغنى غناءه، يقول المبرد: "وذلك قولهم: (قتلته صبراً). إنما تأويله: صابراً أو مصبراً، وكذلك: (جئته مشياً)؛ ... فالتقدير: أمشي مشياً، لأنَّ المجيء على حالات، والمصدر قد دلَّ على فعله من تلك الحال" بناءً على ذلك ينبّهك المبرد: "ولو قلت: (جئته إعطاءً) لم يجز؛ لأنَّ الإعطاء ليس من المجيء، ولكن (جئته سعياً)، فهذا جيد؛ لأن المجيء يكون سعياً. قال الله عز وجل: ((ثم ادعهنَّ يأتينك سعياً)) .