٤.٣ تقديم التمييز على عامله الفعل


عزيزي الدّارس، بعد أن وقفنا عند أحد هذه المصادر وقفةً مفصَّلةً، فيما يلي أعرضُ عليك الخلاصة النّحويّة التي تضمّنها كلامُ المبرّد عن المصادر السّماعيَّة، وذلك تحت العنوان أعلاه.

فالمقصود بالمصدر النائب عن فعله، أنّه ما يُذكرُ بَدلاً من التلفُّظ بفعله، وهو بالتّالي ليس مصدراً حقيقيّاً، إذ المصدر الحقيقيُّ يكون مشتقّاً من لفظ فعله، ولذلك وصفه المبرّد بأنّه قد: "جرى مجرى المصادر، وليس بمتصرَّفٍ من فعل"، ولقد ذكر المبّرد أصناف هذه الأسماء الجارية مجرى المصادر وأنواعها وأمثلتها المختلفة، ولكن في خضمِّ لغة الأوَّلين الفطريّة، وليست الفطيرة، ويُمكن باستقرائها في المقتضب، حصرُها في سبعةِ أنواعٍ، نذكرها فيما يلي:

مصدرٌ يَقعُ مَوقعَ الأمر، نحو (صبراً على الأذَى في المجد)، ونحو (بَلْهاً الشر، وبَلْهَ الشرَّ). (بَلْهَ) إما أن يستعمل مضافاً أو منوّناً، إذا استُعمل مضافاً فهو: مصدرٌ منصوب على المفعوليَّة المطلقة، وإذا استُعمل منوّناً فهو: اسمُ فعل أمر بمعنى "دع"، وقال المبرّد: "وإنما يحسن الإضمار ويطَّرد في موضع الأمر؛ لأن الأمر لا يكون إلا بفعل. نحو قولك: (ضرباً زيدا)".


٤.٣ تقديم التمييز على عامله الفعل


مصدرٌ يقعُ موقعَ النَّهي، نحو (إجتهاداً لا كسلاً، جِداً لا تَوانياً) وهو لا يقع إلاّ تابعاً لمصدرٍ يُرادُ به الأمر كما رأيت، يقول المبرّد: "أمّا (لا كُفراً) فلا يُستعمل إلا معَ (حمداً وشكراً)".

مصدرٌ يقعُ موقعَ الدعاءِ، نحو: (سَقياً لك ورَعياً* بُؤْساً للكسلان* خَيبةً للفاسق* تَبّاً للواشي* نُكساً للمتكبِّر"، وأمثالها.
ومنعَ سيبويه أن يُقاسَ على ما وَرَدَ من هذه الألفاظ. وأجاز الأخفش القياسَ عليها. وهو ما يظهرُ أنه الحقُّ.
لا تُستعمل هذه المصادر مضافة إلا في قبيح الكلام. فان أضفتها فالنصبُ حتمٌ واجب، نحو "بُعدَ الظالم وسُحقَهُ". وإن لم تُضفها فلك أن تنصبَها، نحو (عذاباً له) ولك أن ترفعها على الابتداء، نحو: (عذابٌ له).
والنصب أولى. وما عُرَّف منها بأل فالافضل فيه الرَّفع على الإبتداء، نحو: (الخيبةُ للمفسد).
والنصب أولى. وما عُرَّف منها بأل فالافضل فيه الرَّفع على الإبتداء، نحو: (الخيبةُ للمفسد).

٤.٣ تقديم التمييز على عامله الفعل


("ويل وويب" كلمتا تهديد تقالانِ عند الشتم والتوبيخ. و "ويح وويس" كلمتا رحمة تقالان عند الإنكار الذي لا يراد به توبيخ ولا شتم؛ وإنما يراد به التنبيه على الخطأ. ثم كثرت هذه الألفاظ في الاستعمال حتى صارت كالتعجب، يقولها الإنسان لمن يُحبُّ ولمن يبغض. ومتى أضفتها لزمتِ النصب، ولا يجوز فيها الرفع، لان المرفوع يكون حينئذ مبتدأ ولا خبر له. وان لم تُضفها فلك أن ترفعها، ولك أن تنصبها. نحو: (ويلٌ له وويحٌ له)، و(ويلاً له وويحاً له) والرفع أولى.
والمُبرّد وقف عند هذا الضّرب كثيراً، ومن ذلك قوله: "فأما قولهم: ويلٌ لزيد، وويحٌ لزيد، وتبٌ لزيد، وويسٌ له. فإن أضفت لم يكن إلا النصب فقلت: ويحه، وويله. فإنما ذلك لأن هذه مصادر. فإن أفردت فلم تضف، فأنت مُخيَّر بين النصب والرفع. تقول: ويلٌ لزيد، وويلاٌ لزيد فأما النصب فعلى الدعاء، وأما الرفع فعلى قولك: ثبت ويل له؛ لأنه شيءٌ مستقرٌ. فويلٌ مبتدأ، وله خبره".

مصدرٌ يقعُ بعدَ الاستفهام موقعَ التوبيخ، أو التعجُّب، أو التوَجعِ، وقد خصَّه المبرِّد ببابٍ منفصل، ولذا فسوف نقف عنده في مبحثٍ لاحقٍ، بشيءٍ من التّفصيل.


٤.٣ تقديم التمييز على عامله الفعل


مَصادرُ مسموعةٌ كثرَ استعمالُها، ودلَّتِ القرائنُ على عاملها، حتى صارت كالأمثال، نحو (سَمعاً وطاعةً* حمداً لله وشُكراً* عَجَباً* ...).
وإذا أفرَدْتَ "حمداً وشكراً" جاز إظهارُ الفعل، نحو "أحمدُ اللهَ حمداً" و "أشكرُ اللهَ شًكراً".
ومن هذه المصادر: (سُبحانَ اللهِ، ومَعاذَ اللهِ)، ولا يُستعملان إلا مُضافينِ.
ومنها "حِجْراً - بكسر الحاءِ وسكونِ الجيم - يقال للرجل أتفعلُ هذا؟ فيقولُ "حِجْراً"، أي منعاً، بمعنى أمنعُ نفسي منه، وأُبعِدُهُ وأبرأُ منه، وهو في معنى التعوُّذ ويقولون عند هجوم مكروهٍ "حِجْراً محجوراً"، أي منعاً ممنوعاً. والوصف للتأكيد. ومنها مصادرُ سُمعتْ مُثنَّاةً لغرض التّكثير، نحو (لَبَّيكَ وسَعدَيك) أي "إجابة بعد إجابة وإسعادا بعد إسعاد" و(حَنانَيكَ ودَوالَيكَ وحَذارَيكَ).
ووقف المبرد كذلك عند هذه المصادر وقفاتٍ عديدة، وممّا قاله في شأن المصادر المثنّاة: "واعلم أنَّ من المصادر التي لا أفعال لها تجري عليها، وإنما يوضع موضع المصادر ما يكون مثنى لمبالغة. وذلك قولك: (لبيك وسعديك، وحنانيك)، إنما أراد حناناً بعد حنان".


٤.٣ تقديم التمييز على عامله الفعل


المصدرُ الواقعُ تفصيلاً لمُجمَلٍ قبلَهُ، وتَبييناً لعاقبتهِ ونتيجتهِ كقوله تعالى: "فَشُدُّوا الوَثاقَ، فإمّا مَنّاً بعدُ، وإمّا فِداءً" وكقول الشاعر:
لأَجهَدَنَّ، فإمَّا دَرْءَ مَفْسَدَةٍ تُخْشى، وإمَّا بُلُوغَ السُّوْلِ والأَمَلِ

المصدرُ المؤكّدُ لمضمونِ الجملة قبلهُ. سواءٌ أَجيءَ بهِ لمجرَّد التأكيدِ نحو (لكَ عليَّ الوفاءُ بالعهد حَقّاً)، أم للتأكيد الدافعِ إرادةَ المجاز نحو "هو أَخي حقّاً"، وقد خصَّص له المبرّد فصلاً مستقلاً، وسنقف عنده قريباً بإذن الله تعالى.