![]() |
يقف المبرّدُ عند (تمييز المفرد)، الّذي يتعلق أكثره بأسماء الكيل والمساحة والوزن والعدد والمقياس، ومثَّلَ لهذا الأخير بقوله: (لي مثلُهُ رجلاً)، كما ذكر مثالاً لتمييزٍ مفرد، يدخل في دائرة ما يُسمَّى بالتّمييز الملحوظ، وهو قوله: "(هذا أفضلُهُم رجُلاً)". |
![]() |
ونتساءل: على أيِّ أصلٍ سيبني المبرِّدُ هذا الضّرب من التّمييز المفرد؟ والجواب: أنَّه يراهُ بمنزلة قولك: "(أعجبني ضربُ زيدٍ عَمراً، وشتمُك خالداً). |
![]() |
لماذا؟ لأنّنا في: (أعجبني ضربُ زيدٍ عَمراً) أضفنا المصدرَ (ضربٌ) إلى فاعله (زيد) فصار الأول مضافاً والثاني مضافاً إليه، فاكتمل معنى زيد، "ولولا أنَّك أضفتَ إلى زيدٍ لكان عمرٌو مخفوضاً بوقوع المضاف عليه؛ كما أنك لو لم تُنوَّن في قولك: (ضاربون زيداً) لحلَّ زيدٌ محلَّ التنوين، وانخفض بالإضافة" |
![]() |
ثمّ يقول المبرد: "فإن قلتَ: هل يجوزُ (عندي عشرو... رجل)؟ وهذا غيرُ جائز؛ لأنَّ الإضافةَ تكونُ على جهة الملك، التي تكون على معنى "اللام" وهو الأكثر ، ثم يليها الإضافة على معنى "مِن"، ثم يليها الإضافة على معنى "في". وبتجريبها في ثلاثة الحروف على التّوالي، تجد أنّه لا يتأتَّى أن تقول: (عشرون من رجل) ولا أن تقول: (عشرون لرجل) ولا أن تقول: (عشرون في رجل) |
![]() |
لهذا لا يستقيم التركيب هكذا: (عندي عشرو... رجل)؛ لأنَّا لو قلنا: عندي عشرو... رجل لقلناه على الإضافة، والإضافة كما رأينا غير ممكنة؛ لأنَّ الملكية هنا لا تتحقق. |
![]() |
إذن: ليس إلا: (عشرون رجلاً). |
![]() |
ثم يقول: "ومن التمييز: (ويحه رجلا)، و(حسبك به شجاعا)" ثمَّ قال: "وتدخل (مِن) ها هنا" يعني: تستطيع أن تقول: "حسبك به مِن شجاعٍ"، ولذلك يجيء التمييز مجرورًا ب: (مِن) هنا، لكن: "هل يجوز أن تقول: عندي عشرون مِن درهمٍ" كما قلت: حسبك به من شجاعٍ؟ الجواب: لا، ولماذا لا؟ القاعدة هي أن يكون المخاطب عالماً بالشخص او الموضوع الّذي تتحدث عنه، لأنك حينَ قلت: (حسبك به من شجاع)، كان المخاطب يعلم بالشّخص أو الموضوع الّذي تتحدّث عنه، وهذا طبعاً لا يتحقّقُ في قولك: عندي عشرون درهماً. |
![]() |
ثم يقول المبرِّد: "وأنا أرى قوله عزَّ وجلَّ: ((وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)) على هذا" أي أنّه تمييزٌ مجرور بـ: (مِن). |
![]() |
و(ما) في هذه الآية الكريمة مبهمةٌ، وهي إمَّا أن تكون شرطية، وإما أن تكون اسمَ موصول، المبرد يراها موصولةً بمعنى (الذي)، بينما يرى الفراء أنَّها شرطيَّة، وبالتّالي لا يكون فيها تمييز، ويرى الشيخ المحقِّق محمد عبد الخالق عضيمة أنَّ الصّواب هو مذهب المبرّد. |