١.٢ معنى التمييز وإفراده وجمعه وتنكيره


في جولتنا عبر مباحث هذا الدرس، يُسعدنا أن نكون في صحبة المُبرِّد، إمام العربيَّة بعد سيبويه بلا منازع، وذلك من خلال كتابه "المُقتََضَب"، فلذا نبدأ بعرض بطاقته التّعريفيّة:
الاسم: محمد بن يزيد بن عبد الأكبر.
اللّقب: المُبرِّد "بكسر الرَّاء أو فتحها".
الميلاد: في السنة العاشرة بعد المائة الثَّانية.
العمل النّحويُّ الكبير الَّذي قام به: وضع كتابه: "المُقتضَب".
أبرز شيوخه: المازنيّ الّّذي قرأ عليه كتاب سيبويه، والرِّياشي، والزِّيادي، والجاحظ.
أبرزُ تلامذته: إبراهيم الزَّجَّاج، والأخفش، وأبو بكر بن السَّرَّاج صاحب (الأصول)، وابن كيسان.


١.٢ معنى التمييز وإفراده وجمعه وتنكيره


كيف نفهمُ درس التّمييز في ضوء "المُقتضَب" للمُبرِّد؟
والآنَ، لننظرْ كيف نفهمُ درس التّمييز في ضوء "المُقتضَب" للمُبرِّد؟
يفتتح المبرّد كلامه عن التّمييز بقوله: "اعلم: أنَّ التمييز يعملُ فيه الفعلُ وما يُشبهه في تقديره"، إذن يبني المبرّد درس التَّمييز على نظريّة العامل النّحويِّ، فالتمييز معمولٌ، والعامل فيه هو الفعل أو ما يجري مجراه، والعمل هو النَّصب.
ثمّ يُشير المبرّدُ إلى ما يُشبهُ العَلاقةََ بين معنى التّمييز وإعرابه، فيقول: "ومعناهُ في الانتصاب واحدٌ، وإن اختلفت عوامله، فمعناه: أن يأتي مُبيناً عن نوعه، وذلك قولك: (عندي عشرون درهماً، وثلاثون ثوباً)"، إذن فمعنى التّمييز هو الإبانةُ عن النّوع، ولذلك سمّاه المبرّد بالتَّبيين.
ومن ناحيةٍ أخرى، وحول دلالة لفظ التّمييز على العدد، يقول محمد بن يزيد: "لمَّا قلتُ: (عندي عشرون، وثلاثون)، ذكرتُ عدداً مبهماً يقع على كلِّ معدود، فلما قلتُ: درهماً؛ عرَّفتُ الشيء الذي قصدتُ، بأن ذكرتُ واحداً منه يدلُّ على سائره".
ولماذا واحداً؟ أي لماذا يكونُ تمييزُ العدد في هذه الحالة مفرداً؟ يقول: "ولم يَجُز أن تذكرَ جمعاً؛ لأنَّ الذي قبله قد تبيَّن أنَّه جمعٌ، وأنَّه مقدارٌ منه معلوم"، يعني: ما دام دلَّ المُميَّزُ "عشرون" على عدد الشَّيء؛ فلماذا نُعيدُه مرَّةً أخرى، فالتَّمييز هنا لا يكون إلا واحداً.


١.٢ معنى التمييز وإفراده وجمعه وتنكيره


أمَّا إذا لم يقع التّمييز بعد عددٍ، نحو: (هذا أفرهُ منك عبداً، وخيرٌ منك عملاً)، فهنا يجوز إفرادُ التّمييز وجمعُه، فتقول: (خيرٌ منك عملاً أو أعمالاً).
ثمَّ يُبيِّن المبرّد سببَ كون التّمييز نكرةً لا معرفةً، قال: "ولم يجُزْ أن يكون الواحد الدَّالُّ على النَّوع معرفة؛ لأنه إذا كان معروفاً كان مخصوصاً، وإذا كان منكوراً كان شائعاً في نوعه"، إنَّه إدراك علميٌّ دقيق، فالاسم المعرفة مخصوصٌ في دلالته، ونحن إنّما نُريد أن ندلَّ على سائر أفراد الجنس، وذلك لا يتحقَّقُ إلا بالاسم النّكرة.