٥.٢ الإلغاء في أساليب سيبويه


في هذا الدّرس، يتجدَّد لقاؤنا مع سيبويهِ، لنستأنفَ ما كنا بدأناهُ من دراسة أفعال الظّنِّ، ولسوف نهتمُّ خاصَّةً بدراسة ثلاث ظواهر نحويَّة تتعلّق بها، قلَّما يخلو من ذكرها كتابٌ، ألا وهي ظواهر الإعمال والإلغاء والتّعليق، ولكن سنولي التّعليقَ أهميّةً أكبر، فما هو التّعليق؟
التَّعليق، معناه إبطالُ العمل لفظاً لا محلاً، وحكمُه الوجوبُ، ذلك ما قرَّره ابن مالك في (شرح التَّسهيل: ١/٨٨) بينما حكم الإلغاء الجواز.
وما هو سببُ تعليقِ أفعال الظن؟ هو وجودُ مانعٍٍ يمنعُ من إعماله، وذلك إذا وقع بَعدَهُ أحدُ أربعةِ أَشياءَ:
ما وإنْ ولا النافياتُ نحو قوله تعالى: ((لَقد علمتَ، ما هؤلاءِ يَنطقونَ)).
لامُ الابتداءِ، نحو قوله تعالى: ((ولقد علموا لِمَنِ اشتراهُ مالَهُ في الآخرةِ من خلاقٍ)).
لامُ القسمِ، كقول الشاعر
وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتأْتِيَنَّ مَنِيَّتي إنَّ الْمَنَايَا لا تَطِيشُ سِهَامُها

الاستفهامُ، كقوله تعالى ((وإنْ أدري أقريبٌ أم بعيدٌ ما تُوعدُونَ)) وقوله عزّ وجلّ ((لنَعلَمَ أيُّ الحزبينِ أحصى لِما لَبِثوا أمداً)).

٥.٢ الإلغاء في أساليب سيبويه


وذهب بعض النّحاة إلى جواز تعليق الفعلَ (نَسِيَ)، بسببِ أنَّه ضدُّ (علم)، فكأنَّ التعليق امتدَّ من أفعال القلوب إلى ما يقابلها من حيث المعاني، وهو يكاد أن يكون من باب حمل الضِّد على الضد كما ذكر ابن جني في (الخصائص).
وزعم الكوفيون أنَّ الإلغاء عند سيبويه واجب، وما ينبغي ذلك؛ لأنَّ فيه تضييقًا للُّغةٍ مبناها على الاتساع.
ويذكر أبو الحسن الأشمونيُّ وهو من المؤيِّدين لمذهب سيبويه في جواز الإلغاء، يذكر قول الشاعر زهير بن أبي ُسلمى:
شجاكَ أظُنُّ ربعَُ الظاعِنين ولم تعبأْ بعَزل العَازلِينَ

الشاهد، هو: ورود لفظ (ربعُ) مرفوعًا ومنصوبًا، ممّا يؤكّد أنّ مذهب سيبويه هو مذهبُ جواز الإلغاء.
ويوضِّح الأشمونيّ أصل لفظ التّعليق، ويقولُ: "إنَّ التعليق مأخوذ من المرأة المعلقة؛ فلا هي زوجة ولا هي مطلقة".
ويذكر الأشمونيُّ أنَّ المُعلَّق –أي الفعلَ الّذي علّقته عن العمل- عاملٌ في المحلِّ، والدَّليل على أنَّه عامل ٌفي المحلِّ: أنَّه يجوز لك أن تعطفَ عليه بالنَّّصب، والشّاهد على ذلك قول الشاعر-:
وما كُنْتُ أَدري قَبلَ عَزَّةَ ما البُكا وَلا مُوجِعاتِ القَلبِ حَتَّى تَوَلَّتِ


٥.٢ الإلغاء في أساليب سيبويه


حيث عطف (موجعاتِ)، وهو منصوبٌ علامةُ نصبه الكسرة نيابةً عن الفتحة؛ لأنَّه مجموعٌ بألفٍ وتاء زائدتين، عطفه على (البكا). وهو ما لا يُمكن إلا إذا كان للفعل "أدري" أثرٌ في محل "ما البُكا".
ثمَّ يقول سيبويه: "واعلم أنَّ المصدر قد يُلغى كما يُلغى الفعل"، وأنت تعلم عزيزي الدّارس، أنَّ المصدر هو الأصل عند البصريّين، ولعلَّ الناظر إلى ما بعد الكاف في عبارة سيبويه: "كما يُلغى الفعل" قد يَتوهَّم أنَّ الفعل عند البصريِّين أصلٌ، وإلا ما شبَّه سيبويه المصدرَ في الإلغاء به.
لكن عزيزي الطالب، انتبه إلى أننا نتحدَّث في مسألة العامل، والفعل هو الأصلُ في باب العمل.
ويورد سيبويه مثالاً تطبيقيَّاً على ما ذكره: "(متى زيدٌ ظنُّك ذاهب)"؛ حيثُ لم يعمل المصدرُ (ظنُّكَ) لا في المبتدأ: (زيدٌ) ولا في الخبر: (ذاهب).
ويقرِّر سيبويه أنَّ التأخير في المصدر كالتأخير في الفعل، يعني: أنَّك إذا ألغيتَ الفعلَ أخَّرته، فكذلك إذا ألغيتَ المصدر أخَّرته!
فإن ابتدأت فقلت: (ظنِّي زيدٌ ذاهب)؛ كان قبيحًا، وهو إنَّما كان قبيحًا، عند سيبويه لعلّة وجيهة، هي: أنِّي كيف أبدأ بالظن، والظن ملغيٌّ لا عمل له! وذلك كما رأيتَ بالنّسبة لأصله في العمل، وهو الفعل.
ويضيف سيبويه: "كما ضعف (أظن زيدٌ ذاهب)، ويعلّل لذلك -رحمه الله- بقوله: "لأنَّ الملغيَّ إما متوسط وإما متأخر".


٥.٢ الإلغاء في أساليب سيبويه


الآن، عزيزي الدّارس، تأمّلْ في هذا المثال الّذي أورده سيبويه: (عبد الله أظنه منطلق) وقل لي: علامَ يعود الضّمير في قوله: (أظنّه)؟ ستقولُ لي: يعودُ على (عبد الله)، وهذا خطأ، فهو يعود على الظَّنِّ المفهوم من (أظنُّ)، كأنك قلت: (عبد الله أظن ظنًا بأنه منطلق)، أنت ألغيته ووسطته؛ فاحذر أن تظنَّ أنَّه يعود على (عبد الله).
يقول سيبويه: "وأعلم أنَّ قولك: (عبدُ الله أظن منطلق) أحسنُ من قولك: (عبدُ الله أظنه منطلق)؛ لئلا يلتبس".