![]() |
كما تعلم فإنَّ تقديم المتأخِّر أو تأخير المتقدِّم ظاهرة نحويّة مهمّةٌ، ولسوف ندرسها من خلال درس التّمييز، وفي ضوء "المقتضَب" للمبرِّد. |
![]() |
يقول محمَّد بن يزيد: "واعلم أنَّ التَّبيين إذا كان العاملُ فيه فعلًًا جاز تقديمه" فمعنى ذلك أنك إذا قلت: (طاب زيدٌ نفسًا)، جاز لك أن تقول: (نفسًا طاب زيدٌ)، لماذا؟ لأنَّه تمييزٌ عمل فيه النصبَ فعلٌ، والفعل هو الأصل في العمل، والأصل يُتصرَّف فيه ما لا يُتصرَّف في غيره من الفروع. |
![]() |
وهذا الجوازُ يدل على اتساع اللغة، إذ تتعدّد فيها الأوجه التي تصحُّ في استعمال الأسلوب الواحد. |
![]() |
أما إذا كان العاملُ غيرَ الفعلِ من نحو الصِّفة المشبَّهة، فيُمكنك أن تقولَ: (زيدٌ الحسنُ وجهاً)، ولكن لا يُمكنك أن تُقدِّمَ التَّمييز على عامله، فتقول: (وجهًا زيدٌ الحسن)؛ لأنَّ العامل هنا وهو (الحسن)، صفةٌ مشبهةٌ، وهي إنَّما عملت النصب في التمييز بالحَمل على الفعل، ولا يكونُ الفرعُ كالأصل. |
![]() |
ثمَّ قال المُبرِّد: "وهذا" أي تقديم التّمييز على عامله، إذا كان فعلاً: "لا يُجيزه سيبويه". |
![]() |
ولماذا لا يُجيزُه سيبويه؟ قال المبرّدُ: "لأنه يراه كقولك: عشرون درهمًا"، فكما لا يجوز أن نقول: (درهمًا عندي عشرون)، ولا (عندي درهمًا عشرون)، كذلك لا يجوز أن نقول: (عرقًا تصببتُ)، فسيبويه يقيس على قولك: (عشرون درهماً). |
![]() |
يقول المُبرِّد: "وليس هذا بمنزلة ذلك؛ لأنَّ (عشرين درهماً) إنَّما عَمل في الدِّرهم ما لم يؤخذ من الفعل" ثمَّ يحتجُّ المُبرِّدُ بصنيع سيبويهِ في بابٍ آخر، قائلاً: "ألا ترى أنَّه يقول: (هذا زيد قائماً)، ولا يُجيز (قائماً هذا زيد)؛ لأنَّ العاملَ غيرُ فعلٍ؟!" فالعاملُ في انتصاب الحال هو ما يتضمَّنُه اسمُ الإشارة من معنى الفعل، وهو على وِزان قوله تعالى: ((وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا))، ثمّ يقول المبرد: "وتقولُ: (راكباً جاء زيدٌ)" أي: تُقدّم الحال على عامله؛ لأنَّ عامله فعلٌ، يقولُ المبرد: "فلذلك أجَزنا تقديم التَّمييزِ إذا كان العاملُ فعلاً، وهذا رأيُ أبي عثمان المازني." |
![]() |
وذكر المبرد شاهدًا على ما يقوله من الشِّعر: |
| "أَتَهجُرُ لَيلى لِلفِراقِ حَبيبَها | وَما كانَ نَفسًا بِالفِراقِ تَطيبُ" |
| والشّاهد فيه قوله: "وما كان نفساً بالفراق تطيبُ" حيثُ (نفساً) تمييز مقدّمٌ على عامله، وهو الفعل (تطيبُ). | |
![]() |
ولكن يُقال: هناك روايةٌ أخرى، فيها: (وَما كانَ نفسي بِالفِراقِ تَطيبُ)، فإذا صحَّ هذا السّماعُ، لا يكون في البيت موضع احتجاجٍ. |