٤.٢ تقديم التمييز على عامله الفعل


كما تعلم فإنَّ تقديم المتأخِّر أو تأخير المتقدِّم ظاهرة نحويّة مهمّةٌ، ولسوف ندرسها من خلال درس التّمييز، وفي ضوء "المقتضَب" للمبرِّد.
يقول محمَّد بن يزيد: "واعلم أنَّ التَّبيين إذا كان العاملُ فيه فعلًًا جاز تقديمه" فمعنى ذلك أنك إذا قلت: (طاب زيدٌ نفسًا)، جاز لك أن تقول: (نفسًا طاب زيدٌ)، لماذا؟ لأنَّه تمييزٌ عمل فيه النصبَ فعلٌ، والفعل هو الأصل في العمل، والأصل يُتصرَّف فيه ما لا يُتصرَّف في غيره من الفروع.
وهذا الجوازُ يدل على اتساع اللغة، إذ تتعدّد فيها الأوجه التي تصحُّ في استعمال الأسلوب الواحد.
أما إذا كان العاملُ غيرَ الفعلِ من نحو الصِّفة المشبَّهة، فيُمكنك أن تقولَ: (زيدٌ الحسنُ وجهاً)، ولكن لا يُمكنك أن تُقدِّمَ التَّمييز على عامله، فتقول: (وجهًا زيدٌ الحسن)؛ لأنَّ العامل هنا وهو (الحسن)، صفةٌ مشبهةٌ، وهي إنَّما عملت النصب في التمييز بالحَمل على الفعل، ولا يكونُ الفرعُ كالأصل.
ثمَّ قال المُبرِّد: "وهذا" أي تقديم التّمييز على عامله، إذا كان فعلاً: "لا يُجيزه سيبويه".
ولماذا لا يُجيزُه سيبويه؟ قال المبرّدُ: "لأنه يراه كقولك: عشرون درهمًا"، فكما لا يجوز أن نقول: (درهمًا عندي عشرون)، ولا (عندي درهمًا عشرون)، كذلك لا يجوز أن نقول: (عرقًا تصببتُ)، فسيبويه يقيس على قولك: (عشرون درهماً).

٤.٢ تقديم التمييز على عامله الفعل


يقول المُبرِّد: "وليس هذا بمنزلة ذلك؛ لأنَّ (عشرين درهماً) إنَّما عَمل في الدِّرهم ما لم يؤخذ من الفعل" ثمَّ يحتجُّ المُبرِّدُ بصنيع سيبويهِ في بابٍ آخر، قائلاً: "ألا ترى أنَّه يقول: (هذا زيد قائماً)، ولا يُجيز (قائماً هذا زيد)؛ لأنَّ العاملَ غيرُ فعلٍ؟!" فالعاملُ في انتصاب الحال هو ما يتضمَّنُه اسمُ الإشارة من معنى الفعل، وهو على وِزان قوله تعالى: ((وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا))، ثمّ يقول المبرد: "وتقولُ: (راكباً جاء زيدٌ)" أي: تُقدّم الحال على عامله؛ لأنَّ عامله فعلٌ، يقولُ المبرد: "فلذلك أجَزنا تقديم التَّمييزِ إذا كان العاملُ فعلاً، وهذا رأيُ أبي عثمان المازني."
وذكر المبرد شاهدًا على ما يقوله من الشِّعر:
"أَتَهجُرُ لَيلى لِلفِراقِ حَبيبَها وَما كانَ نَفسًا بِالفِراقِ تَطيبُ"

والشّاهد فيه قوله: "وما كان نفساً بالفراق تطيبُ" حيثُ (نفساً) تمييز مقدّمٌ على عامله، وهو الفعل (تطيبُ).
ولكن يُقال: هناك روايةٌ أخرى، فيها: (وَما كانَ نفسي بِالفِراقِ تَطيبُ)، فإذا صحَّ هذا السّماعُ، لا يكون في البيت موضع احتجاجٍ.