٢.١ المنطق القديم من حيث العرض والنقد


اشتقاق اسم المنطق

اشتُق اسم المنطق من كلمة "نطق"، والنُّطْقُ في اللغة هو إصدار صوت يكون مسموعًا، ولا بد أن يكون الصوت مسموعًا، وإلا لو لم يكن مسموعًا لاستطعنا أن نحكم بأنّ شيئًا ما قد نُطِقَ، فكلمة "منطق" اشتقت من نطق، والنطق هو إصدار صوت مسموع.

ومعاجم اللغة تُعرّف النُّطق بأنه الكلام، لكنّ الحقيقة أن كلمة "نَطَقَ" أعَمُّ من الكلام؛ لأنّ الصَّوتَ المَنْطُوق قد يكون كلامًا وقد لا يكون كلامًا، وذلك كمنطق الطير في قول الله -تبارك وتعالى: ((وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ)) [النمل: ١٦].

والنُّطق بالإطلاق العام هو إصدارُ صوتٍ مَسْموع، يكون على حالات ثلاث: نطق يكون تسخيرًا، ونطق يكون غريزة وجبلة وطبعًا، ونطق يكون معبرًا عن فكر سابق أو عن قضايا مُعَيّنة عَقْلية.

فالنطق الأول نُطْقٌ يَكُون تسخيرًا؛ أي: إنّ النّاطِقَ ليس من شأنه أن ينطق لكنّ اللهَ سَخَّرَه فنطق، ومثل هذا نطق النملة في قوله سبحانه: ((قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون)) [النمل: ١٨].

٢.١ المنطق القديم من حيث العرض والنقد


الحالة الثانية: نُطق يَكُون غريزة وجبلّة وطبعًا؛ لكنه لا يعبر عن فكر, وذلك كنُطق الحيوان والطير وسائر المخلوقات التي يكون لها أصوات غير الإنسان، وهذه الأصوات التي تنطقها الحيوانات والطيور إنّما هي أمورٌ جبلية, تعبر بها هذه المخلوقات عن أمور محدودة ليس وراءها فكر، والدّلِيلُ على أنها أمور جبلية غريزية أنه لم يطرأ عليها تغير ولا تطور عبر الأجيال والقرون، وأنها عند جميع المخلوقات شيء واحد في كل زمان ومكان.
الحالة الثالثة هي: نُطق خاص بالإنسان، وهو نُطْقٌ يكون عن عقل وفهم، وهو يُبينُ عن عَمَلِيّات عقلية، ويُبين عن أنشطة فكرية، فالنُّطق هُنا هو فرع عن العمليات الفكرية؛ فالفكر أساس وأصل، والنُّطق فرع يبين عن هذه الأفكار، وعن هذه المعاني العقلية.

فبينَ الفِكْرِ والنُّطْقِ صِلَة وثيقة، هي من نوع الصلة بين السبب والمسبب، والعِلّة والمعلول، من هُنا كان الارتباط القوي بين النطق والفكر، وبين لفْظَة "ناطق" ولفظة "مفكّر"؛ لأنّ كَلِمَة ناطق تُعَبِّرُ عن فكر سابق، ولذلك هي تعني مُفَكِّرًا تمامًا؛ حتى قيل في تعريف الإنسان: إنّه حيوان نَاطِق.


٢.١ المنطق القديم من حيث العرض والنقد


معنى كلمة المنطق

المُرادُ بكلمة "منطق" لدى علماء المنطق, أمران:

الأمر الأول: الألفاظ المنطوقة التي يتكلم بها الناس, مُعَبّرين من خلالها عما يَدُورُ في أذهانهم، أو مشاعرهم من أفكار وأحاسيس, ظاهرة أو باطنة.
الأمْرُ الثَّاني: ليس نَفس الألفاظ؛ وإنَّمَا ما تحمله هذه الألفاظ المَنطوقة من أفكارٍ ومعانٍ, قصد المتكلم إيصالها إلى الآخر أو نقلها إلى المُجتمع؛ فكلمة منطق مصدر مِيمي؛ تعني المنطوق ذاته -الذي هو الكلام- وتعني ما وراء المنطوق من معانٍ وأفكار؛ فالمنطق بهذا المعنى خاص بالإنسان فقط.

المَنْطِق بينَ الوَصفية والمعيارية

العُلوم الوصفية هي: تلك العلوم التي تُعْنَى بِدِراسة موضوعاتها, على الهيئة التي عليها تلك الموضوعات في الواقع، وليس على ما يجب أن تكون عليه، أو ما يرغب الناس أن تكون عليه هذه الموضوعات.


٢.١ المنطق القديم من حيث العرض والنقد


ومن العلوم الوصفية جميع العلوم المَعْملية من كيمياء، وفيزياء، وغيرهما، وهذا النّوع من العلوم يُسمى علومًا وصفية نسبة إلى كونها تصف موضوعاتها على ما هي عليه، دون تدخل من المؤرخ أو من العالم أو من الذي ينقل هذه المعلومات إلى غيره, كالأستاذ مع تلامذته.

وأما المعيارية, فدراسة موضوعات العلم على ما يجب أن تكون عليه هذه الموضوعات، وليس على ما هي عليه بالفعل, فهذا النوع اهتمامه وفائدته وثمرته هي الاهتمام بما يجب أن تكون عليه موضوعاته من سلامة وإصابة. ومثال ذلك علم النحو؛ لوضعه القواعد والضوابط لأواخر الكَلِم. والمنطق من العلوم المعيارية؛ لأنّ عِلْم المَنْطِق لا يَهْتَمُّ بطرق التفكير عند الناس، على ما هي عليه من خَطَل وخطأ وفساد، وإنما علم المنطق يضع القواعد ويوضح القوانين التي إذا التزمها المفكرون وراعاها العقلاء؛ كان تفكيرهم في زعم المناطقة على ما يجب أن يكون عليه التفكير من الإصابة، والبُعد عن الخطأ.

وعلم المنطق يُعَرِّفُه العلماء بواحد من أمرين:

الأول: بذكر موضوعاته التي يدرسها علم يدرس التصورات, ويدرس التصديقات, ويدرس الكلمات المفردة، ويَدْرُس الجُمَل الإخْبَارية التي تتناول في ثناياها قضايا، قد تكذب وقد تصدق.

٢.١ المنطق القديم من حيث العرض والنقد


الثاني: يُعرّف العلم بثمرته وفائدته, فهو علم يضع القواعد والضوابط التي إذا راعاها الناس كان تفكيرهم تفكيرًا سليمًا، بعيدًا عن الخطأ والخطل والضلال، هذه فائدته.

فتَعريفُ المَنْطِقِ من حيث الثمرة, قالوا: "ضوابط وقواعد إذا راعاها الإنسان وعمل بها والتزمها؛ كان تفكيره على قدر كبير من السواء, ومن الصواب، وابتعد كثيرًا عن الخطأ". أما تَعْرِيفُه بالموضوعات التي يقوم عليها ويدرسها؛ فيقال فيه: "علم يُبحث فيه عن المعلومات التصورية والتصديقية, من حيث إنها توصّل لمجهول تصوري أو مجهول تصديقي".


٢.١ المنطق القديم من حيث العرض والنقد



٢.١ المنطق القديم من حيث العرض والنقد



٢.١ المنطق القديم من حيث العرض والنقد



٢.١ المنطق القديم من حيث العرض والنقد



٢.١ المنطق القديم من حيث العرض والنقد