... ١.١ موقف العلماء المسلمين من المنطق القديم عندما ترجم إلى


موقف العلماء المسلمين من المنطق القديم عندما تُرجم إلى العربية

اختلف موقف العلماء من هذه المادة "المنطق القديم" عندما ترجم, إلى فرق ثلاث: الموقف الأول: موقف المؤيدين له المفتونين به: عِندما تُرجم هذا المنطق فُتِنَ به كثيرٌ من العلماء ومن الدّارِسِين ومن المُدَرِّسين؛ فُتِنُوا به كثيرًا؛ حتى وَصَلَ بِهم الأمر إلى أن اعتبروه ميزانًا للفكر ومعيارًا للعلوم، وهنالك من العلماء أو من الفلاسفة أو المشتغلين بالفلسفة عندنا من أطلق عليه هذا الاسم فعلًا؛ سماه الإمامَ الغَزالي "معيار العلوم", إلى هذا الحد فُتِنَ به هؤلاء الناس أو هذا الفريق.

وموقف هؤلاء تعبر عنه تلك القاعدة التي أطلقها بعضهم، والتي تقول: "من لم يدرس المنطق؛ لا يوثق بعلمه" وصل بهم الحَالُ، ووصل بهم الافتتان بهذا المنطق إلى حد أن اعتبروا أن مَنْ لا يَدْرُسه لا يُوثَقُ بِعِلْمِه، إذًا: لا يُوثق بأي عالم من العلماء إلّا إذا درس المنطق اليوناني. الموقف الثاني: مَوقِفُ المعارضين له: هنالك جماعة إذًا عارضوا المنطق اليوناني عندما تُرجم وقرءوه، فرفضوه وعارضوه، وأقاموا الأدلة الكثيرة على بُطلان هذا المنطق، حيث قالوا: "إنّ المَنْطِقَ القَدِيم هو أداة إفساد للفكر, وآلة إضْلَالٍ للعَقْل". بل يرونَ أنّهُ يُمَثِّلُ في بعض صوره حربًا على الدين الإسلامي، وانتقاضًا على التوحيد, ويرونه مبنيًّا على فكر وثني، وأنه تعبير عن أفكار أصحابه - أي: الذين أنشئوه, أي: اليونان, واليونان يدينون بالوثنية في ذلك الوقت- وصدى بِمُعْتَقداتهم الوثنية.


... ١.١ موقف العلماء المسلمين من المنطق القديم عندما ترجم إلى


كما قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله: "إنه يُشْبِه لحم جمل غَثّ؛ فوق قمة جبل صعب، فلا اللحم طيب فينتقى، ولا الجبل سهل فيرتقى". انظروا إلى هذا التشبيه الذكي لذلك العالم الفاضل.

ولقد جاء شعارُ هَؤلاء -كما ذكرنا أنّ الفريق الأول كان له شعار، يقول فيه: من لم يدرس المنطق لا يوثق بعلمه- فهؤلاء أيضًا الذين عارضوا المنطق لهم شعار، هذا الشعار يُعَبِّرُ عن رأيهم، وعن مُعتقدهم في فساد هذا العلم، وهذا الشعار يقول: "من تَمَنْطَقَ؛ فَقد تَزَنْدَق", "من تمنطق" أي: من درس المنطق، واشتغل به فقد تزندق, أي: فسد دينه.

موقف ثالث، وهو موقف المحايدين من هذا العلم، من المنطق اليوناني, وهو موقف وسط؛ حيثُ إن هذا الفريق -الفريق المُحايد- لا هو متعصب للعلم، ولا متعصب جدًّا، لا هو مفتون بالعلم طالب له، ولا هو مُعارض له، وإنّما وقَفَ موقفًا متوسطًا بين المفتونين به والمعارضين له، هذا الموقف يرى أصحابُه أن المنطق اليوناني ليس مفيدًا إلى الحد المُرغب فيه، ولا هو ضارّ إلى الحد المرغب عنه.

بَل قُصارى ما يَرَونَ في هذا المَنْطِق أنّه نوع من الرياضة الذهنية ليس أكثر، وأن فيه من الأغاليط مثل ما فيه من الصواب، وأن ما فيه من الأغاليط لا تَجْعَلُنا بالضَّرُورة نَنصَرِفُ عنه أو نقف ضده، وما فيه من صواب لا يَصِلُ إلى المُستوى الذي يَجْعَلُنا نختلف حوله، أو ...


... ١.١ موقف العلماء المسلمين من المنطق القديم عندما ترجم إلى


... نتدابر فيه، ولَقد ظَلّ أمْرُ المَنْطِق اليُوناني على ما وصفنا، ودار الخلاف حوله على ما فصلنا؛ حتى كانت العصور الحديثة التي اتسمت بالتقدم العلمي المادي، ثم وتحت عوامل يعرفها كثير من الناس اشتغل الناس بمنطق آخر يُسمى المنطق الحديث، ومناهج البحث التي اشتمل عليها المنطق الحديث.

نشأة المنطق

يَظُنّ الكثيرون ممن يتعاملون مع المنطق اليوناني دراسة أو تدريسًا أو حتى مُجَرّد اطِّلَاعٍ أنّ المَنْطِقَ اليُوناني إنما هو من اختراع وإنشاء الفيلسوف اليوناني الأشهر "أرسطو"، أو "أرسطوطاليس"؛ ولذلك اشتُهر المنطق بأنه منطق أرسطو، ويُسمى كذلك المنطق القديم تفرقةً بينه وبين المنطق الحديث.

هذه فكرة خاطئة؛ فالحقُّ غيرُ ذلك، إن المنطق اليوناني ليس من وضع أرسطو؛ وإنّما هو من وضع جماعة كثيرة من فلاسفة اليونان، كُلّهم اشتركوا في وضعه وتأليف موضوعاته, إضافة إلى أنّ بعضَ الإسلاميين من الفلاسفة قد أضافوا إليه تنسيقًا وتنظيمًا وتنقيحًا؛ مثل الفيلسوف أبي نصر الفارابي.


... ١.١ موقف العلماء المسلمين من المنطق القديم عندما ترجم إلى


وأول الفلاسفة الذين أسهموا في وضع المنطق الذي نسميه المنطق الأرسطي, أو المنطق القديم هو الفيلسوف سُقراط, وهو فيلسوف يوناني عاش بين سنتي سبعين وأربعمائة وتسع وتسعين وثلاثمائة قبل الميلاد, وقد جاء هذا الفيلسوف والمجال مفتوح على سعته في بلاد اليونان أمام السوفسطائيين.

جَاءَ سُقراط وحَالُ المُجتمعات اليُونانية على هذا الوضع؛ فجاهد في أنْ يُعِيدَ المَوازين للحقِّ والخَير, ويبين الفضيلة من الرذيلة، جاهد في ذلك بمَنهجه الذي سار عليه, فقضى قضاء شبه نهائي على السوفسطائيين، والذي فعله أرسطو فيما يتصل بالمنطق اليوناني؛ صنع ما يُسمى بالاستقراء، ثُمّ صَنَع ما يُسمى بالحدود والتعريفات، وهذا حَظُّ سُقراط من العلوم أو الموضوعات التي قدمها للمنطق اليوناني.

فقد جاء بعد سقراط تلميذه الشهير "أفلاطون", وأفلاطون عاش في الفترة بين سنتي سبع وعشرين وأربعمائة، وسبع وأربعين وثلاثمائة؛ أي: عاش حوالي ثمانين عامًا, وأفلاطون اتبع طريق أستاذه واتبع منهجه وشنّ حربا عنيفة على البقية الباقية من الفكر السوفسطائي، واتبع طريق أستاذه وتقدم بها خطوات واسعة، وعن طريق استعماله "منهج الاستقراء" توصَّلَ إلى ما أطلق عليه: "التقسيم المنطقي", وهو قائمٌ على تصنيف الأشياء مُنطلقًا من أمرين: هنالك أشياء ذاتية وهنالك أمور عرضية، هنالك ماهيات وحقائق وهنالك سمات وصفات وأعراض, وأطلق على هذا صفة الأمور الذاتية.


... ١.١ موقف العلماء المسلمين من المنطق القديم عندما ترجم إلى


ثم جاء في الذاتيات فقسم الأمور إلى: كليات وجزئيات ومركبات ومُفردات، وهكذا طرق أفلاطون بهذا باب ما يُسمى في المنطق القديم بالكُلِّيات الخمس, والكليات الخمس هي: الأمور التي يقوم عليها القسم الأول من المنطق القديم, وهو قسم التصورات، أمور كلية حصرها أفلاطون، ثم جاء بعده أرسطو وفصلوها في خمسة أمور هي الأمور الكلية، ثم بعد ذلك قام عليها موضوع التعريفات. ثم جاء من بعده تلميذه أفلاطون, والذي كان يدرّس لتلاميذه ماشيًا في مدرسته, والتي كانت تسمى اللُّقين أو ليباتوس بمعنى الممشى.

لا ينبغي أن نُنْكِر أنّ مِنْ تَلامذة سُقراط عددًا كبيرًا اشتغل بكتابة الفلسفة وترتيبها وتنسيقها وتسجيلها وتدوينها، حتى وصلت إلى تلميذه أفلاطون, وأن أفلاطون كذلك كان له تلامذة أخذوا عنه، وكان يُدرس شَفهيًّا، والآخَرُون كَتَبُوا عنه، ونقلوا علومهم ونسقوها ونظموها ورتبوها، ونقلوها إلى من بعدهم، ثم جاء أرسطو بعد ذلك فترك؟؟ كثيرًا من الموضوعات.

وأرسطو فعل بالنسبة للمنطق أمرين مهمين:
الأمر الأول: أنه أخذ ما تركه؟؟ سقراط، وما تركه؟؟ أفلاطون ونظمه ونسقه ورتبه، ووضعه في عناوين، وتحت موضوعات مهمة، وموضوعات متناسقة ومترتبة, وأضاف لما وضعه سقراط وأفلاطون.



... ١.١ موقف العلماء المسلمين من المنطق القديم عندما ترجم إلى


ثم أخذه الفارابي ونسقه ونظمه ورتبه؛ بحيثُ جَعَله علمًا يُقرأ وعلمًا يُفهم، وأضاف إليه الكثير؛ ليس فقط قضية التنسيق والتنظيم، وإنما أضاف إليه الكثير من العلوم والمعارف التي قرّبت بين موضوعاته، وكان فيه نقاط نحن نسميها قفزات جزئية من المعارف أو جزئية من العلوم, ومن ثمّ كان الفارابي المعلم الثاني بعد أن لقبوا أرسطو بالمعلم الأول.


... ١.١ موقف العلماء المسلمين من المنطق القديم عندما ترجم إلى



... ١.١ موقف العلماء المسلمين من المنطق القديم عندما ترجم إلى



... ١.١ موقف العلماء المسلمين من المنطق القديم عندما ترجم إلى