١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


(رينيه ديكارت) وقواعده
قد اعتبرنا أن العصر الحديث يشمل عصر النهضة كممهد له، ويشمل كذلك الفلسفة المعاصرة كجزء منه، فالفلسفة الحديثة أو فلسفة العصر الحديث تتناول فلسفة عصر النهضة والفلسفة المعاصرة.
وهذا الاعتبار منا له وجاهته وواقعيته؛ حيث إن الأفكار والآراء والمذاهب ليست أردية يخلع المرء رداءً، ويلبس آخر في لحظات، أو أغطية، يغير المرء غطاءً ويلتحف آخر في لحظات، لكن الأفكار والآراء لا تتغير بين يوم وليلة، ولا بين عام وعام، أو عقد وآخر، بل تتغير عبر عقود بل قرون، وحتى بعد التغير يظل القديم أصلًا للجديد، مؤثرًا فيه سلبًا أو إيجابًا.
إن التغير والتحول قانون الوجود، وإن التدرج قانون هذا التغير والتحول، فالتغير والتحول في المذاهب والآراء إنما يتم عن طريق التدرج البطيء، الذي يؤدي في النهاية عبر زمان يطول، أو يقصر حسب الحدث نفسه الذي يجري عليه التغير والتحول، والحدث الذي معنا هو الأفكار والمذاهب الفلسفية التي تتلاقح فيها الآراء، وتختلط فيها الأفكار، وتتجاذب المذاهب تأثيرًا وتأثرًا، ولقد رأينا الفلسفة في العصر الوسيط تستغرق دورًا بلغ ألف سنة تقريبًا حتى حدث التغير والتحول من العصر الوسيط إلى العصر الحديث، وبين بداية العصر الحديث الذي حددنا له نهايات القرن الخامس عشر حتى يومنا هذا، فهي خمسة قرون، أو أكثر قليلًا.

١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


وهذه فترة زمنية تستغرق نصف الفترة التي شغلتها الفلسفة الوسيطة، لذلك يكون صعبًا أن نأتي على هذه الفترة الصغيرة نسبيًّا، والتي تبلغ خمسة قرون، ثم نقسمها إلى ثلاثة عصور فلسفية أعني: عصر النهضة، والفلسفة الحديثة، والفلسفة المعاصرة.
إن ذلك أمر غير دقيق وغير واقعي؛ لذلك رأينا أن نُجمل هذه كلها في الفلسفة الحديثة، لنتكلم عنها من خلال أشهر فلاسفته، وإذا كنا سنتكلم عن أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة، فلا شك أن بدايتنا ستكون مع الفيلسوف الأشهر رينيه ديكارت، وذلك لأمور:

الأول: أن هذا الفيلسوف بإجماع آراء المؤرخين للفلسفة الحديثة هو أكبر هؤلاء، وأعمقهم فكرًا؛ لذلك منحوه لقب "أبو الفلسفة الحديثة".
الثاني: أنه أثر في مسيرة الفلسفة الحديثة إلى الحد الذي جعل فلسفته تُمثل ليس فيلسوفًا واحدًا معينًا، وإنما تُمثل تيارًا فلسفيًّا كاملًا صار في نطاقه عدد من الفلاسفة أُطلق عليهم في تاريخ الفلسفة الحديثة اسم الديكارتيين؛ نسبة إلى ديكارت، مثل ماربرانش واسبينوزا، إلى آخر هؤلاء.
الأمر الثالث: أنه لا يتخيل أن يكون هنالك دارس للفلسفة الغربية الحديثة، دون أن يعرف ديكارت وفلسفته معرفة مقبولة.
الرابع: أن ديكارت من الذين اهتموا بالدين النصراني، وذلك طبعي باعتباره نصرانيًّا، وقد وضع في إطار ذلك أدلة على وجود الإله الذي يُؤمن هو به، وقد ظن أنه بذلك قد خرج من دائرة الإلحاد في الله عز وجل، بل ظن هو ومن تابعه أنه قد أتى بما لم يخترعه الأوائل؛ بينما إلهه الذي أتى به إنما هو إله عقلي اخترعه اختراعًا، ولفق أدلة وجوده تلفيقًا، لا يُقنع أحدًا، ولا يغني في هذا المجال فتيلًا، وسوف تكون لنا وقفة بحوله تعالى حين ننقد فلسفته، وأدلته على وجود إلهه بحوله سبحانه، نتبين فيها مدى توفيقه، أو فشله في هذا المجال.


١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


أولًا: حياته
وُلد رينيه ديكارت بمقاطعة نورين بفرنسا، في شهر مارس سنة ست وتسعين وخمسمائة وألف للميلاد، وكان ينتمي إلى أسرة نبيلة ثرية، ماتت أمه بداء الصدر، وكان هو نفسه عليلًا، وقد خشي والده أن يموت بداء أمه، فكان يشجعه على العمل الذهني، وبذل الجهود العقلية؛ خوفًا عليه من الجهود الجسمية التي قد تؤذيه، وتهدد حياته، وكان أبوه يدعوه تشجيعًا له: فيلسوفي الصغير.
دخل في الثامنة من عمره مدرسة الآباء اليسوعيين، وهي مدرسة كهانوتية راقية، وكانت أشهر المدارس ليس في فرنسا وحدها، بل في أوربا، وظل بها ثماني سنين، وكانت الدراسة تقوم على تدريس الفلسفة كأساس، لكن ديكارت ترك المدرسة ناقمًا على الفلسفة، معتقدًا أن اختلاف الآراء في الفلسفة مدعاة للشك فيها، وأنها مقارنة بالرياضيات لا تستحق أن يُبذل فيها مجهود، ومنذ ذلك أُولع الفيلسوف بالرياضيات حتى كان له فيها باع طويل، ويحتفظ لنا التاريخ العلمي أن هذا الفيلسوف هو واضع علم الهندسة التحليلية، وله جهود كثيرة في الرياضيات، وبخاصة في الجبر.
بدا لديكارت أن يأخذ نفسه بالشدة والخشونة، فانضم إلى الجيش الهولندي عام ١٦١٨، ثم ترك الجيش الهولندي وانضم إلى جيش بافاريا بألمانيا في العام التالي ١٦١٩ م، وكان في المرتين اللتين انضم فيهما إلى الجيش يكتشف فشله في حياة الجيش، وذلك لضعف بنيته، وطبيعته العقلية؛ لذلك ترك حياة الجندية نهائيًّا عام عشرين وستمائة وألف.

١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


كان يحب باريس لكن حياة الصخب فيها وغلبة الحياة الاجتماعية، وانحراف الأخلاقيات والسلوكيات لم يوافقا طبيعته، فكان يترك باريس إلى هولندا، ثم يعود إليها إلى أن استقر في هولندا سنة تسع وعشرين وستمائة وألف نهائيًّا حتى نهاية حياته.
إبَّان بحثه عن العلوم اليقيينة، أو عن اليقين نفسه جاءته حالة من الشك، واستولت عليه، وكان يبذل جهودًا مضنية في محاولة للتصرف مع هذه الحالة، وكيف يخرج منها، وقد استغرق في تفكير أوصله إلى حال من التعب جعلته يستغرق في نوم عميق.
وذات ليلة تعب كثيرًا من القراءة والمذاكرة، ومن شدة تعبه استغرق في نوم عميق، وهو في هذه الحال رأى في منامة ثلاثة أحلام، اعتقد أنها وحي من القوة العليا يقصد الإله، وأن الإله اختاره؛ ليتوصل إلى علم كلي لم يكتشفه أحد بعدُ.
وطبعي أن هذا نوع من الخيال الواهم أُصيب به الفيلسوف من كثرة بحثه عن اليقين في أمور لا توصل إلى اليقين، ثم من شدة استغراقه في التفكير أصابه ما يُشبه الانفصام، أو ما يسمى بأحلام اليقظة.
أرسلت إليه الملكة كريستين ملكة السويد تدعوه إلى استوكهولم، كي تتعلم الفلسفة على يديه، وبعد تفكير وتردد قبل الفيلسوف الدعوة، وسافر إلى السويد في خريف عام تسعة وأربعين وستمائة وألف، وهناك في استوكهولم لم تحتمل صحته الضعيفة البرد الشديد؛ حيث طلبت الملكة أن يكون درس الفلسفة في الخامسة صباحًا، فلم تحتمل صحة الفيلسوف، فأصيب بالتهاب رئوي حاد أودى بحياته في الحادي عشر من فبراير سنة خمسين وستمائة وألف.

١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


ثانيًّا: فلسفته: بعد أن تكلمنا قليلًا عن حياة الرجل، وليس في الكلام عن حياة هؤلاء الناس وقت ضائع إطلاقًا، فإننا لا نستطيع أن نحكم على فلسفة واحد من هؤلاء إلا بعد أن نعرف ظروف حياته التي مر بها، ولذلك نشير بإيجاز إلى حياة الواحد من هؤلاء، ثم ننتقل مباشرة إلى فلسفته.

فلسفة رينيه ديكارت
للرجل فلسفة ثرية بالجوانب الفكرية الكثيرة في الرياضيات، والفلسفة، وعلم المناهج، وفلسفة الشك، وجوانب أخرى كثيرة، لكن ليس من منهجنا دراسة فلسفة الرجل بتفاصيلها الكثيرة، ولكن يهمنا من فلسفته الجوانب التي جعلت من الرجل عند المؤرخين أعظم فيلسوف في العصر الحديث، وبعضهم يراه فوق ذلك؛ لذا سوف نتخيل من فلسفته أمورًا ثلاثة هي أظهر وأشهر جوانب فلسفة ديكارت بإطلاق أي: أننا سندرس من فلسفته ثلاثة أمور:
الأمر الأول: كتابه الذي أسماه (قواعد المجد)، وهذا الجانب من فلسفته يعتبره البعض أعظم جوانب الفلسفة الحديثة بإطلاق.
الأمر الثاني: الشك الذي وقع فيه ديكارت، وكيف واجهه، وما هي نتائجه؟
الأمر الثالث: كيف أثبت وجود نفسه، ثم وجود إله، ثم وجود العالم، وذلك بعد وقوعه في الشك وخروجه منه.


١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


وسوف نتوقف عند كل أمر من هذه الأمور الثلاث وقفة متأنية؛ لنعرف قيمته المعرفية، وأثره في إفادة اليقين، ومنزلته بالنسبة للعلوم الأخرى، وهذا هو الأهم: هل هو فعلًا من اكتشاف الرجل، أم أنه استفاده أو سرقه من آخرين سابقين عليه، ونقصد بذلك تحديدًا الإمام الغزالي رحمه الله رحمة واسعة.

الفلسفة الحديثة
المسألة الأولى من فلسفة ديكارت التي سنقف عندها- بحوله تعالى- هي ما يسمى في الفلسفة الحديثة: قواعد المنهج، والتي وضعها الفيلسوف في كتاب ألفه سنة ١٦٣٧ م تحت عنوان (مقال في المنهج)، وقد اعتبر هذا الكتاب عند مؤرخي الفلسفة فتحًا في علم المناهج، وفتحًا في علم الفلسفة، وفتحًا في العلوم كلها. كما اعتبر صاحبه فذًّا بين المفكرين، فماذا عن هذا الكتاب، وماذا عن محتواه، نبين ذلك في نقاط:
موضوع هذا الكتاب يقوم على أربعة قواعد توصل المفكر إلى اليقين، كما زعم الفيلسوف، هذه القواعد التي يأخذ بها، ويسلكها سلوكًا جيدًا، يصل من خلالها إلى اليقين، بل زعموا أيضًا أن هذه القواعد الأربعة تغني عن المنطق الأرسطي مع مكانته في ذلك الزمان، بل حتى عن المنطق الحديث، وقد اشتهر هذا الكتاب إلى حد أن العالم احتفل سنة سبع وثلاثين وتسعمائة وألف بمرور ثلاثة قرون على نشر كتاب المقال أي: (مقال في المنهج) لديكارت. إلى هذا الحد هذا الكتاب له منزلة عند مؤرخي الفلسفة في الغرب أولًا، ثم في الشرق بعد ذلك.



١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


قواعد ديكارت
القواعد الأربعة التي تكلم عنها الرجل في هذا الكتاب، والتي جعلت من هذا الكتاب أعجوبة الزمان، هي: القاعدة الأولى: نسميها قاعدة اليقين، ويقول فيها ديكارت: "لا أسلم بشيء حتى أعلم يقينًا أنه حق، وألا يكون لدي فيه أيُّ شك بأي حال من الأحوال"، فإذا عُرض على عقلي شيء، فلا بد من بحثه بحثًا جيدًا، بحيث لا أسلم بصدق شيء منه حتى أصل إلى درجة اليقين المطلق بأنه حق لا ريب فيه، هذه القاعدة الأولى.
القاعدة الثانية: قاعدة التبسيط والتجزيء والتحليل، وهي تعني: أن أقسم كل مشكلة تصادفني إلى أصغر أقسامها، وأن أجزئها إلى أقل أجزائها، وأن أحللها على قدر ما يلزم للوصول إلى حلها على أفضل الوجوه.
القاعدة الثالثة: قاعدة التركيب، وهي تعني: أن أسير عكس القاعدة السابقة، فالقاعدة السابقة كنت آخذ الشيء المركب، فأحلله إلى أجزائه، وهذه القاعدة آخذ الشيء الذي حللته قبل ذلك إلى أجزائه الصغيرة، فأعيد تركيبه مرة أخرى ليعود إلى وضعه الأول.
قاعدة التركيب إذًا تقول: أن أسير عكس القاعدة السابقة، فأبدأ بأبسط الموضوعات وأسهلها، ثم أضمها إلى ما يأتلف معها، وأسير بالتجريد تأليفًا بين الجزئيات، وتركيبًا حتى أصل إلى المشكلة مركبة كما كانت قبل ذلك، هذه هي القاعدة الثالثة.

١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


القاعدة الرابعة: قاعدة التتبع والاستقراء والإحصاء، وهي تعني: أن أقوم بمراجعة، ومتابعة، واستقراء لجميع جزئيات المشكلة التي درستها؛ بحيث أكون على يقين من أني لم أغفل منها شيئًا، وأني درستها جميعها، وأعطيت كل جزئية منها حقها في الدرس والتفكير.
هذه هي القواعد الأربع للمنهج التي قال بها رينيه ديكارت، والتي أقام الغربيون الدنيا ولم يقعدوها بعد؛ احتفالًا بهذه القواعد التي زعموا أنها خوارق في بابها، واحتفاء بصاحبها الذي زعموا أنه يُشبه الأنبياء إذا لم يكن نبيًّا فعلًا، وكيف لا، وقد أتى عندهم بالخوارق، ولا يأتي بالخوارق إلا الأنبياء، نستغفر الله العظيم.
ولكن دعونا من مزاعم الغربيين ودعواهم التي وصل بها الهوى والزيف أن احتفلوا بمرور ثلاثة قرون على مجيء ديكارت بهذه القواعد الخارقة، دعونا من مزاعمهم وتعالوا ننظر في تلك القواعد، وهل هي فعلًا على هذا المستوى من النفع والفائدة.
القاعدة الأولى: والتي تقول: إن البحث في مشكلة ما يتطلب منا أن نتأكد من صدق المشكلة، أو صدق القضية المعروضة للحل، وأن نبحث خلف كل جزئية من جزئيات المشكلة، وألا نسلم بصدق شيء منها إلا إذا تأكدنا وأيقنا بصدقه مائة بالمائة عن طريق ماذا؟ قال: عن طريق الوسائل الحسية المباشرة أو غير المباشرة، وهي الاستنباط؛ فالرجل لا يكتفي بأن يطلب منا التيقن من صدق القضايا، بل ويعين لنا وسائل التيقن، وفي وسائله يستبعد القضايا التاريخية، ولو كانت معتمدة على الخبر المتواتر الصادق، الذي لا يتصور العقل كذبه، وإلى هنا يصل الفيلسوف إلى أخطر القضايا التي ترفض الدين، وترفض تصديق الوحي، والإلهام، وترفض الإيمان بالرسل، وبما جاءوا به.

١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


وقد تحقق فعلًا ذلك الذي دعا إليه ديكارت، حيث تضرع كثيرون بهذه القاعدة التي قال بها الرجل، فرفضوا الدين، وكفروا بجميع ما جاءت به الرسل؛ لأنهم لا يستطيعون التثبت من صدق الوحي لا بحواسهم، ولا عن طريق الاستنباط العقلي المباشر، الذي لا يتعاطاه ولا يشترطه إلا الملاحدة، وإلا فمن ذا الذي يستطيع أن يُعمل عقله فيستنبط أن الله تعالى سوف يرسل رسولًا في عين ذلك الزمان والمكان الذي يبعث فيه الله الرسول، ثم من ذا الذي يستطيع أن يستنبط أماكن نزول الوحي وأزمنته، ثم من ذا الذي يستطيع أن يستنبط أيضًا ما سوف يأتي به الوحي إلى آخر هذه التخريفات التي لم تتعلق بالقاعدة التي أتى بها الرجل، وهي قاعدة اليقين بالمسائل المطروحة، ولكنها تتعلق بوسائل التيقن التي فرضها الرجل، والتي لا يقول بها، ولا يذهب إليها إلا الشُّكَّاك الماديون الملاحدة.
لذلك لم يكن عجيبًا ولا غريبًا أن يتذرع الكثيرون، بل جمهرة الغربيين بتلك القاعدة؛ لينبذوا الدين، ويكفروا بالرسالات، بل إن تطبيق هذه القاعدة كما أرادها الرجل جدير بأن يقطع ماضي الأمم عن حاضرها، ذلكم أن الماضي تاريخ يقوم على الأخبار كتابة أو أقوالًا، وذلك كله لا يُمكن التثبت من صدقه بنفس الطرق والوسائل التي اشترطها الرجل من الحدس المباشر عن طريق الحس، أو غير المباشر عن طريق الاستنباط القائم على الحس أيضًا.
ولأن هذه القاعدة هي أهم قواعد المنهج عند الرجل، وهي رأس الأدلة على ذكاء الرجل عند الغربيين، فقد ركزنا عليها؛ لنبين بالنسبة إليها أمورًا بدهيًّة لا تحتاج إلى استدلال، من هذه الأمور أن هذه القاعدة بدهية فطرية، وأن الأمر فيها يرجع إلى أمور مسلمة لا ينكرها أحد، بل نقول: إنها تقوم على أمور لا يغفل عنها أحد أعني: أن يتحقق المرء من صدق القضية التي يبحثها، هذا أمر بدهي جدًّا، ...

١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


... فإذا ما جاءني من يخبرني أن بركانًا انفجر في بلد ما، وأنه أرسل سحابة سوداء غطت نصف الكرة الأرضية، وأن كثيرًا من المطارات أُغلقت إلى آخر ذلك، فطبعي أن أكذب أو أصدق؛ بناء على أن أنظر في محتوى الخبر، وهل يحتمل الصدق والكذب، أو أنه صادق فعلًا، أو أنه كذاب فعلًا. فهذا أمر بدهي لا يحتاج إلى فيلسوف كبير يأتي إلينا ليضع قواعد المنهج، فالقاعدة كما قلنا بدهية ضرورية، حتى عوام الناس حينما يلقى إلى أحدهم خبر، فإنه ينظر فيه، ويزنه بعقله، وبوسائله الفطرية التي خلقها الله فينا.
ثم إن هذه القاعدة البدهية جاء الرجل فأفسدها، وأدخل عليها ما تسبب في إساءة استعمالها، وإفساد نتائجها؛ حيث كان الناس يتأكدون من صدق القضايا المطروحة عليهم بالوسائل الطبعية المتاحة، والتي يعرفونها، ويزاولونها طبعيًّا وجبليًّا، فجاء الرجل ففرض عليهم وسائل للصدق مادية حسية، لا تصلح إلا في بعض الجوانب، ولا تصلح في غيرها، والأمر واضح، فإذا ما أخبرني أحد عن بركان ثار، وقذف بسحابة من غبار تأكدت بالحدس المباشر وغير المباشر، لكن ماذا لو أخبرني أن رسول الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- قد فرض صلوات خمس، كيف لي أن أتيقن من ذلك الخبر بالحدس المادي المباشر، أو بالاستنباط.
الرجل يشترط استبعاد الوقائع التاريخية مما يؤكد لنا أن الرجل في هذه القاعدة إنما هو مادي بحت، والذي نؤكده أيضًا أن الرجل قد أساء إلى القاعدة إساءة بالغة؛ حيث اشترط للتيقن منها وسائل مادية حسية، واشترط استبعاد الوقائع التاريخية من وسائل الصدق، واشترط عدم قبول الخبر الصادق، وأوجب إسقاطه، وعدم الأخذ به، وبذلك أبطل رسالات الرسل، بل أبطل الدين جملة، فماذا أفاد الرجل، وأية فوائد أو منافع جاء بها إلى البشرية؟!

١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


هذا عن القاعدة الأولى.
أما القاعدة الثانية: وهي تحليل المشكلة إلى أبسط أفرادها أو أجزائها، والقاعدة الثالثة: وهي إعادة تركيب الظاهرة أو المشكلة لتعود من جديد بعد أن انتهينا من دراستها، والقاعدة الرابعة: وهي مراجعة جميع الجهود في حل المشكلة، بحيث نضمن الاطمئنان على أننا لم نترك شيئًا من أجزاء المشكلة.
هذه القواعد كلها طبعية ومعروفة عند الجميع حتى قبل ديكارت، والجديد هو أسمائها التي أطلقها عليها الرجل، أما هي فمعلومة لنا قاعدة الفك والتحليل، قاعدة التركيب والبناء، قاعدة المراجعة، أو قاعدة التيقن.


الشك عند ديكارت
الأمر الثاني هو الشك: وديكارت اشتهر بمنهجه في الشك، كما اشتهر قبل ذلك بقواعده الأربع التي وضعها في كتابه (مقال في المنهج)، وقبل أن نتكلم عن الشك عند ديكارت تعالوا نتعرف على الشك وأنواعه فيما يلي، فهذه الجزئية لا علاقة لها بفلسفة ديكارت، وإنما هي أمر ندرسه ونعرفه بالضرورة؛ لنكون على علم به، وهو أمر يسير.
وهو أنواع الشك:
فالشك نوعان: شك منهجي وشك مذهبي.

١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


ويُعرَّف الشك بأنه تساوي طرفي التصديق والتكذيب بالنسبة لقضية ما دون ترجيح أحد الطرفين على الآخر، فالتصديق يساوي التكذيب، ويتساويان تمامًا، هذا هو الشك.
فإذا ترجح أحد الطرفين يعني: شككت في موضوع بين التصديق والتكذيب، لكن أميل إلى كونه التصديق يرجح عندي أكثر، فإذا ما ترجح أحد الطرفين؛ فليس ذلك شكًّا، وإنما هو الظن.
الظن يُعرف بأنه احتمال صدق أو كذب الطرفين مع ترجيح أحدهما.
والشك المذهبي: هو الذي اتخذه إنسان ما مذهبًا وعقيدة لا يحيد عنه في حياته، وذلك كالسفسطائيين، وتحديدًا فرقة اللاأدرية من السوفسطائيين، هؤلاء لا يحيدون عن الشك، بل يلتزمونه عقيدة ومذهبًا، ونظام حياة.
النوع الثاني من الشك هو الشك المنهجي: وقد سمي هذا النوع من الشك بالشك المنهجي؛ لبيان أن صاحبه ليس من الشُّكَّاك الدائمين، أو الشكاك المرضى، وليس من الذين يمثل الشك بالنسبة إليهم حالة مرضية ملازمة، لكن شك هؤلاء وسيلة وليس غاية، ليصلوا من خلاله إلى اليقين.
وذلك كالشك الذي وقع فيه الإمام الغزالي -رحمه الله- حيث شك، فاتخذ الشك منهجًا للوصول إلى اليقين، ومن خلال شكه وصل فعلًا إلى اليقين في جميع القضايا التي كانت قد تحير فيها. وطبعي أن الإمام الغزالي كان يشكُّ في كل شيء إلا في دينه وما يتصل بدينه، والإمام الغزالي كان شكه مقصورًا على وسائل المعرفة من الحس والعقل، ولم يصل شكه أبدًا إلى دينه أو عقيدته، أو نفسه.

١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


الشك إذًا نوعان: مذهبي ومنهجي. وقد عرفنا كل واحد منهما، فماذا عن شك ديكارت؟
وقع ديكارت في شباك الشك، هكذا يدعي الغربيون، ونحن نظن وبعض الظن حق، أن هذه دعوى ادَّعاها الرجل، وقد سرق هذا المنهج عن الإمام الغزالي؛ حيث ثبت يقينًا أنه اطَّلع على كتاب (المنقذ من الضلال) للإمام الغزالي مترجمًا إلى الفرنسية، فنقل الرجل تجربة الغزالي كاملة، بل بألفاظها، والذي يهمنا أن الرجل ادَّعى أنه وقع في الشك.
وكان شكُّه حسب تصويره هو، حيث يقول: "لقد أخذت معارفي، وجميع معلوماتي عن طرق متعددة؛ عن طريق البيت كسبت المعارف الأولى في معارفي ومعلوماتي، أو علومي أخذتها بعضها عن طريق البيت، وأنا طفل ثم عن طريق المدرسة من خلال مدرسين كثيرين منهم العالم، ومنهم الجاهل، ومنهم الصادق، ومنهم الكاذب.
ثم أخذت كثيرًا من معلوماتي أيضًا ومعارفي عن أصدقاء المدرسة والمجتمع، ثم أخذت كثيرًا من معلوماتي عن طريق قراءاتي؛ كل هؤلاء هم مصدر معلوماتي، فأنا إذًا لم آخذ معارفي ومعلوماتي من جهة واحدة مؤكدة؛ بل من جهات متعددة، فأصبحت معارفي ومعلوماتي كالثوب الخلق المرقع شيء من هنا وشيء من هناك.
والحل ماذا عنده؟

١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


يقول الرجل: الحل أن أطرح جميع هذه المعارف، وأرفض جميع هذه المعلومات، ثم أبدأ فأنظر فيها واحدة واحدة، وإلا انهارت معارفي كلها، وأهلكتني والرجل عنده مثال يسميه سلة التفاح مثال: فيشبه معارفنا بسلة مليئة بالتفاح، دخل الرجل وفي يديه سلة فارغة، فأخذ يأخذ تفاحة من هذه الشجرة، وأخرى من هناك، وأخرى من هناك حتى ملأ سلته بالتفاح واحدة من هنا وأخرى من هناك، ثم يقول: لو كان التفاح كله سليمًا، وبينه تفاحة واحدة فاسدة فإنها ستفسده كله، والحل عنده أن يفرغ السلة بكاملها، ثم يبدأ فيختبر جميع التفاح الذي ألقاه واحدة واحدة؛ ليتأكد يقينًا من صحتها ويضعها في السلة، لذلك يرى الرجل أن نرفض جميع معارفنا ثم ننتقيها بعد ذلك واحدة واحدة، وقد ألقى الرجل بجميع معارفه وعلومه، وبدأ ينظر في كل شيء على الترتيب الآتي:
شك في نفسه وفي وجوده أولًا، ثم أثبت وجوده، ثم شك في وجود الله -عز وجل- ثم أوجده، لا أقول أوجد الله عز وجل، وإنما أوجد إلهه الذي يزعمه، ثم شك في وجود العالم، ثم أثبت وجود العالم.
أما عن كيفية شكه فيقول: أنا أشك في الحواس؛ لأنها خدعتني أحيانًا، ولعلها تخدعني دائمًا، وليس من الحكمة أن أطمئن إلى من خدعني ولو مرة واحدة، فالحواس إذًا غير مؤتمنة في المعارف التي توصلها إلينا، ثم إنه يشك في استدلال العقل؛ لأن الناس يخطئون في استدلالاتهم، ومنهم من يخطئ في أبسط موضوعات الهندسة والحساب يقول: "فلعلي أخطئ دائمًا في الاستدلال، ثم يقول: ثم إني أجد نفس الأفكار تراودني أحيانًا في اليقظة، ثم أجدها كذلك تراودني في المنام كما تراودني في اليقظة، ...

١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


... ولست أجد علامة مؤكدة للتمييز بين حالتي اليقظة والمنام، فلعل ما أحسبه منامًا يكون يقظة، ولعل ما أحسبه يقظة يكون منامًا، ولعل حياتي جميعها حلم متصل، ولعل اليقظة أو ما أحسبه يقظة يكون حلمًا متصلًا، وأنا لا أدري أنني في حلم".
هذه العبارات التي ذكرتها الآن هي العبارات التي ذكرها بنصها الإمام الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) الذي روى فيه قصة الشك حينما جاءته.
ثم يقول الرجل: "إن مما يزيد حالة الشك ويؤكدها أن يكون هناك مصدر للشك من خارج نفسي، فقد يكون هناك روح خبيث قادر على خداعي يبذل قدرته ومهارته في خداعي، فيجعلني أخطئ في كل شيء حتى في أبسط الأمور، والرجل يريد بهذا الروح الخبيث: الشيطان، هكذا ذكر الرجل مصادر الشك عنده، فهي من داخل نفسه في الحس والعقل والوعي، ثم من خارج نفسه في الروح الخبيث أي: الشيطان، ثم يأخذ الرجل بعد ذلك في الخروج من شكه، والتغلب عليه، فيبدأ في إثبات وجوده هو، ثم يثني فيثبت من خلال وجود نفسه وجود الإله الذي يؤمن به، أو يزعم الإيمان به، ثم يثبت بعد ذلك العالم".
وتعالوا نمشي مع الرجل في رحلته الخيالية لنرى أولًا كيف يثبت وجوده، ثم كيف يثبت إلهه. بالنسبة إلى إثبات وجوده يقول ديكارت: "إني أعيش حالة من الشك المطلق، لكن وأنا في هذه الحالة من الشك المطلق أتلفت بفكري فأجد شيئًا يقاوم هذا الشك المطلق عندي، هذا الذي يقاوم الشك عندي هو أني أشك، فحالة الشك التي أعانيها هي الشيء الوحيد الثابت عندي، فأنا أستطيع الشك في كل شيء إلا في أني أشك، ولما كان الشك تفكيرًا؛ فأنا إذًا أفكر، ...

١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


...ولما كان التفكير دليلًا على الوجود فأنا إذًا موجود، ويمكن صياغة كلام الرجل في قضية منطقية هكذا، أنا أشك وكل من يشك يفكر، وكل من يفكر موجود، إذًا أنا موجود، ويمكن صياغتها أيضًا هكذا، أنا أشك فأنا مفكر، فأنا موجود، وتختصر إلى العبارة المشهورة عنه، أنا أشك فأنا موجود".
وهذا قياس فاسد، لأن فيه دورًا ظاهرًا، فالرجل يشك؛ لأنه موجود، ثم هو موجود؛ لأنه يشك، فالقضية كلها مبنية على مغالطة واضحة، ومن ثَمَّ فبطلان فلسفته أو نظريته واضح، وقد انتبه إلى هذا الدور الباطل في نظريته كثير من الفلاسفة، وأعلنوا فساد نظريته، وبطلان فلسفته.
أما عن إثبات وجود إلهه المزعوم فيقول: "الواقع أني أجد بين أفكاري فكرة الله، أعني: فكرة موجود كامل لا متناهي، وهذه الفكرة واضحة ومتميزة، فمن أين أتتني وأنا ناقص، إن الشيء لا يخلق نقيضه يقول: أنا ناقص وأجد عندي فكرة عن موجود كامل الكمال المطلق هو الله، فمن أين أتتني فكرة الكمال المطلق وأنا ناقص، والشيء الناقص لا يأتي أو لا ينتج عنه ما يناقضه.
إذًا هذا دليل على أن فكرة الكمال المطلق لم تأتِ من نفسي، وإنما أتتني من قوة خارجة من عند الله، وهذا دليل على وجود الله"، أرأيتم هذا الذكاء المفرط عند الرجل، هذا كلام الرجل في إثبات إلهه المزعوم، وهو كلام -كما ترون- ساقط متكلف لا يثبت شيئًا ولا ينفيه.
وليس لنا من تعليق على هذا الغثاء الذي جاء به الرجل، لكنا نعرف أن الرجل نصراني، وقد جاءه عن طريق عقيدته النصرانية ثلاثة آلهة: ولو التزم الرجل نصرانيته لكان أولى، مع أن النصرانية كفر، وكلامه هذا كفر، لكن بعض الكفر أكثر من بعض، والذي رأيناه أن الرجل كفر بالإله الذي جاءت به النصرانية، واحد هو ثلاثة، أو ثلاثة هم واحد، ...

١.٩ أشهر فلاسفة الفلسفة الحديثة (رينيه ديكارت) وقواعده


... كما يقولون، وشك فيه، وقد ذهب يبحث عن إله يخترعه بعقله بعيدًا عن ديانته النصرانية، ولم يكن بحثه عن إله؛ رغبة منه في معرفة حق، أو رعاية لدين، وإنما كان يحقق حظ نفسه من الشهرة، وإظهار براعته العقلية، وذكائه الفلسفي؛ لذلك وقع في خلط كثير، وتناقضات كبيرة، وكأن الإله قد أخفى نفسه عن الخلق، وانتظر أن يأتي هذا الأفاك؛ ليدل الناس عليه، ويخترعه اختراعًا، سبحانك هذا بهتان عظيم.