١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
يمكن تقسيم الفلسفة الغربية إلى الأدوار الآتية:
 |
الفلسفة اليونانية التي تسمى القديمة كما ذكرنا قبلًا. |
 |
الفلسفة الوسيطة أو فلسفة العصور الوسطى. |
 |
الفلسفة الحديثة. |
والفلسفة الحديثة -في رأينا- تشمل ما يسمونه فلسفة عصر النهضة الذي يضعونه قبل الفلسفة الحديثة، ثم الفلسفة المعاصرة التي يضعونها بعدها أي: بعد الفلسفة الحديثة.
فالفلسفة الحديثة تشتمل على دور قبلها هو ما يسمونه عصر النهضة أو فلسفة النهضة، وتشتمل أيضًا على عصر بعدها، وهو ما يسمونه بالفلسفة المعاصرة؛ فتكون أدوار الفلسفة الغربية -كما نرى- ثلاثة أدوار فقط، وتكون هذه الأدوار الفلسفة القديمة اليونانية، ثم الفلسفة الوسيطة، ثم الفلسفة الحديثة.
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
ونكون قد جعلنا فلسفة عصر النهضة جزءًا من الفلسفة الحديثة، ويمكن أن نعتبر ما يسمونه فلسفة عصر النهضة، والذي يستغرق قريبًا من قرن ونصف من منتصف القرن الخامس عشر حتى نهاية القرن السادس عشر- تمهيدًا للفلسفة الحديثة، أو تطورًا طبعيًّا من فلسفة العصور الوسطى إلى الفلسفة الحديثة.
إذا عرفنا هذا فدعونا إذًا وقد انتهينا من فلسفة العصور الوسطى أن نتجه إلى دراسة الفلسفة الحديثة: والتي جعلناها تشمل فلسفة عصر النهضة، وجعلناها كذلك تشمل الفلسفة المعاصرة، الآن أدعوكم لنقف وقفة متأنية نعرف منها خصائص ومميزات تلك المرحلة التي نسميها الفلسفة الحديثة.
كل دور من أدوار الفلسفة له خصائص وله مميزات، وإلا ما استحق أن يسمى دورًا بخاصته، أو دورًا خاصًّا مميزًا بين الأدوار كلها، فلا بد أن يكون له من الخصائص والمميزات ما يجعله يستحق أن نسميه دورًا من أدوار الفلسفة، أو مرحلة من مراحلها، فالفلسفة الحديثة كذلك لها خصائص ومميزات، وهذه الخصائص والمميزات هي التي جعلت هذه الفلسفة تختص بدور وحدها، متميزة عن الفلسفات والأدوار والمراحل الفلسفية التي جاءت قبلها.
وخصائص الفلسفة الحديثة ومميزاتها كثيرة، لا نستطيع أن نأتي عليها جميعها، وبخاصة وأن أنظار المؤرخين للفلسفة الغربية تختلف حول هذه المميزات، وحول هذه الخصائص، منهم من يعدُّ منها خصائص ومميزات لا يعتبرها غيره كذلك، ولذلك نتكلم عن خصائص ومميزات الفلسفة الحديثة بإيجاز:
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
ننتقي منها أهمها وننتقي منها كذلك ما اجتمعت عليه آراء المؤرخين لهذه الفلسفة، من أهم مميزات وخصائص الفلسفة الحديثة، بل والعوامل التي أثرت فيها، ووجهتها وجهات معينة.
أولًا: حركة الإصلاح الديني
والتي قامت على ثلاث قضايا، فقضاياها وأمورها التي قامت عليها هي خطيرة وشهيرة كان لكل منها أثره الذي لا يُنكر في الفلسفة الحديثة، وهذه القضايا الثلاث أو هذه الأمور الثلاث التي قامت عليها حركة الإصلاح الديني هي:
 |
انقسام الكنيسة الغربية الكاثوليكية إلى كنيستين؛ كاثولوكية وبروتستانتية، أو إنجيلية، وكلمتي بورستانت أو بورستانتية تعني باللاتينية: المحتجين، أو الرافضين، والكنسية البروتستانتية أو المذهب البروتستانتي لا يرضى هذه التسمية لنفسه، ويسمون أنفسهم الإنجليون، أو الكنسية الإنجيلية . |
 |
من العوامل الثلاثة هل يسمح لرجال الدين النصارى بالزواج أو لا؟ هذه القضية من القضايا الخطيرة التي أثرت أيضًا في توجهات الفلسفة الحديثة. |
 |
علمانية الكنيسة بمعنى: فصل الكنيسة عن المجتمع، فصل الدين عن الدولة نقول: فصل الدولة تمامًا عن الدين، فلا شأن للدين بالحياة، وإنما يقبع الدين داخل الكنيسة وينحى تمامًا عن شئون الدنيا. |
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
هذه هي الأمور الثلاثة التي قامت عليها ما عُرفت بحركة الإصلاح الديني، والتي كان لها تأثيرها الواضح في توجهات الفلسفة الحديثة.
وقد بدأت هذه الحركة -أقصد حركة الإصلاح الديني- على يد رجل دين اسمه "مارتن لوثر"، ثم انشعبت إلى فروع كثيرة، نشير إلى أهمها بإيجاز فيما يلي:
انقسام الكنيسة الغربية الكاثولوكية
لقد بدأ ذلك على يد راهب ومعلم لللاهوت اسمه مارتن لوثر ١٤٨٣-١٥٤٦ م، وكان الرجل راعيًا أي: رئيسًا وقسًّا لكنيسة صغيرة بألمانيا تسمى كنيسة فتنبرج.
وهذا الرجل مارتن لوثر أغضبه جدًّا وأحزنه هذا الذي يشاع عن الكنيسة الكاثولكية، وبخاصة في رموزها الكبار في الفاتيكان من الأمور المعروفة المؤكدة عنده في ذلك الوقت، وهو ذلك التفسخ الخلقي والسلوك الجنسي المقيت، والشذوذ الجنسي الذي وصل إليه هؤلاء الرجال أو هؤلاء الرموز، وغير ذلك مما يعفُّ اللسان عن ذكره وقد أغضب الرجل أن هذه الأمور أضحت مشهورة، ومألوفة إلى حد أن أحد الكردنالات الكبار انتخبه كبار رجال الدين في المجمع المقدس للفاتيكان للكنيسة الكاثولكية العالمية، وهذا الرجل الذي انتخب بابا للكنيسة كان عنده امرأة عيشقة يعني: احتازها بالقوة والترهيب من خطيبها، وأخذها عنده في بيته قسرًا وكرهًا.
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
فأغضبت هذه الأمور مارتن لوثر، ثم كانت القاسمة التي زادت من غضب الرجل هي صكوك الغفران، التي كان يكتبها الباباوات، ويسجلون فيها مغفرة لذنوب الذين يشترونها جميعًا، ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، وكذلك يمكن لأي إنسان نصراني غربي أن يشتري هذا الصك لنفسه أو لصديق له، وبمجرد أن يدفع ثمن هذا الصك يصبح صاحب الصك قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وصار النصارى أتباع الكنيسة يشترون صكوك الغفران لأنفسهم ولأصدقائهم، ويدفعون ما تطلبه الكنيسة ثمنًا لها، ثم ينطلق الناس وقد ضمنوا مغفرة ذنوبهم السابقة واللاحقة، وإنما فعل الباباوات هذا لحاجتهم الشديدة للمال الذي ينفقونه على ملذاتهم وشهواتهم.
عند ذاك سافر مارتن لوثر من ألمانيا إلى الفاتيكان ومعه رسالة للبابا يشكو له فيها تلك الفضائح الخلقية، ثم يشكو له أيضًا صكوك الغفران، لكن البابا رفض لقاء الرجل، وأرسل أوامره إلى نائبه في ألمانيا بفصل مارتن لوثر وطرده من كنيسته.
ظل مارتن لوثر أيامًا ينتظر أن يسمح له البابا بمقابلته، ولما فشل في ذلك رجع مارتن لوثر من رحلته الفاشلة إلى كنيسته في ألمانيا، وعندما وصل هناك وجد قرار طرده من كنيسته، وقرار حرمانه، وكلمة حرمان في الكنيسة تعني: الحكم بالكفر والطرد من رحمة الله، ومن ملكوت السموات كما يقولون.
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
وجد الرجل قرار طرده من كنيسته وقرار حرمانه أي: الحكم بطرده من دين النصارى أيضًا، وهذا يعني أنه أضحى كافرًا ملعونًا، عند ذاك جمع مارتن لوثر شعب كنيسته أي: الناس الذين يجتمعون في كنيسته، جمعهم في لقاء عام، ثم أعلن رفضه لقرار البابا، وأعلن على الناس وثيقة بها خمس وتسعون فضيحة خلقية زنا، وشذوذًا جنسيًّا ولواطًا، إلى آخر ذلك، أعلن هذه القضايا بأسماء الذين ارتكبوها من كبار رجال الدين الكاثوليك في الفاتيكان وغيرها، ثم علق هذه الوثيقة على باب الكنيسة وجدرانها، وقد وقف الناس إلى جواره، بل صارت معه كنائس كثيرة أخرى بألمانيا، ثم انفصلت منذ ذلك العهد الكنيسة البروتستانية، أو الإنجيلية عن الكاثولكية الغربية، وقد اعتُبر ذلك بداية عهد جديد.
وكان إعلان مارتن لوثر سنة ١٥٢٠ ومنذ ذلك التاريخ ألغت الكنيسة البروتستانتية عقيدة الاعتراف ومغفرة الذنوب من القساوسة.
ونحن نعرف أن عقائد النصارى تقوم على خمسة عقائد:
الخطية الجدية التي يعنون بها خطيئة آدم عليه السلام، ثم الصلب والفداء، ثم التثليث والتوحيد، ثم التعميد أو العماد، ثم الاعتراف.
وعقيدة الاعتراف تعني: أن الرجل النصراني يذهب إلى القس فيعترف، والقس يغفر له ذنوبه، فهذا الاعتراف رفضته الكنيسة البروتستانتية، وقررت حق الفرد في الاتصال المباشر بالله وسؤاله المغفرة دون حاجة إلى قس أو راهب يعترف له الرجل النصراني، ودانت الكنيسة البروتستانتية بفكرة كهانة جميع الناس، أو عقيدة تُسمى كهانة جميع الناس، وهي تعني: أن كل إنسان له الحق أن يتصل مباشرة بالرب، وليس محتاجًا إلى وساطة كاهن، أو قسيس. هذا الأمر الأول وراء انقسام الكنيسة.
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
الأمر الثاني: مسألة زواج القساوسة
طُرحت هذه المسألة كحلٍّ ضروري للفضائح الخلقية، والشذوذ الجنسي، وغير ذلك مما انتشر واشتهر عن رجال الدين النصراني؛ لذا رأى المصلحون علاج هذا في أن يُسمح لرجال الدين النصارى بالزواج، وبخاصة وأن آباء الكنيسة الأوائل كانوا يتزوجون، بل وكانوا يُعدِّدون إلى غير نهاية أي:
يتزوج أحدهم بأكثر من واحدة، وليس هنالك عدد محدد يقفون عنده، ورغم أن الأمر ملح، وإنما طُرح ليعالج الكثير من الفضائح والقبائح التي أزكمت الأنوف، والتي يقوم بها رجال الدين النصارى، نقول: رغم ذلك فقد تمسكت الكنيسة بالرفض، وقد رأى الباباوات أن زواج رجل الدين النصراني سوف يُحيله إلى رجل من عامة الناس يهتمُّ بشئون زوجته وأولاده، وأحوالهم الاقتصادية، وطلبات المعيشة والتعليم، إلى غير ذلك من أمور، ورجال الدين النصارى أو بابا الكنيسة النصرانية، أو المجمع المقدس من الكربالات هناك في الفتيكان لا يريدون ذلك، يريدون أن يكون رجال الدين أنصاف آلهة.
البابا ورجال دينه الكبار الذين يتكوَّن منهم ما يسمى لدى النصارى بالمجمع المقدس، يريدون رجل الدين النصراني نصف إله، أليس هو الواسطة بين الرب والناس، ثم أليس قد منحه الرب سلطاته في مغفرة الذنوب وغيرها، فليكن إذًا نصف إله، لكن على حساب الفضيلة والعفة والطهارة، هو نصف إله، لكنه زانٍ لائطٍ، شاذ جنسيا، لكن هكذا أرادته الكنيسة.
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
الأمر الثالث من القضايا الثلاثة: علمانية الكنيسة، أو العلمانية بإطلاق
وقد سعى إليها الغرب النصراني للخلاص من الجحيم الذي كان الغربيون يعانونه تحت ظل الكنيسة ورجالها، فقد ظل الغربيون مطحونين لأكثر من ألف عام بين فلقتي رحا، بين أمراء الإقطاع في أوربا من جانب، ورجال الكنيسة من جانب آخر، وكان الفريقان يتعاونان في إذلال الشعوب الغربية، ومعاملتها أذل من العبيد، وقد وضع رجال الدين أيديهم في أيدي الإقطاع، وساموا الشعوب الغربية سوء العذاب.
وظل الأمر على ذلك طوال العصور الوسطى حتى جاء من جرأ، فنادى بحرية فهم الكتاب المقدس لدى النصارى، وإلغاء الوساطة بين الناس والله، أو بين الناس والرب كما يقولون، وقد ذكرنا قبلًا أن ذلك بدأ على يد مارتن لوثر في بدايات القرن السادس عشر.
ثم جاء من المفكرين من هاجم رجال الكنيسة، بل هاجم الكنيسة نفسها أعني: الدين النصراني، وطالب الجميع بالإصلاح، ولم يكن الإصلاح يتمثَّل إلا في شيء واحد، في تقليم أظافر الكنيسة ورجالها، وتنحية الكنيسة أي: الدين النصراني عن حياة الناس، وقصره داخل الكنيسة فقط، وقد بدأت العلمانية خُطاها على استحياء على ألسنة بعض الخطباء وأقلام بعض الكتاب.
وقد أخذ بالعلمانية بعض أنظمة متفرقة هنا وهناك، وطبقتها بعض الدول الغربية لكن جزئيًّا، وظلت الكنيسة تقاوم هذا الإصلاح، ...
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
... وتدافع بكل قوتها حتى قامت الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، فانطلقت تطحن تحت رحاها جميع الأنظمة والتقاليد، وعلى رأس ذلك الكنيسة وأنظمتها، فطبقت الثورة الفرنسية العلمانية كاملة، وسجنت الدين النصراني داخل الكنائس، وخلصت جميع مرافق الحياة من هذا الدين ومن رجاله، حتى الزواج جعلته الثورة الفرنسية مدنيًّا لمن أراد.
وبذلك أصبح كما ذكرنا قبلًا باب الكنيسة في العالم الغربية يفصل بين عالمين من باب الكنيسة إلى الداخل دين نصراني، ومن باب الكنيسة إلى الخارج لا دين، ومنذ قامت الثورة الفرنسية سنة ثمان وتسعين وسبعمائة وألف ميلادية، وطبقت العلمانية، وقد سارعت الدول الغربية إلى تطبيق العلمانية بكل حذافيرها، وأصبحت منذ ذلك الوقت جميع الدول الغربية علمانية النظام، ولكن ما تزال فرنسا التي تزعَّمت تطبيق العلمانية هي الأشد تطرفًا في تطبيق هذا النظام، إلى حدِّ أنها تعتدي على حريات الفرنسيين والفرنسيات في كثير من شئونهم الحياتية، باسم تطبيق العلمانية.
ويزداد النظام في فرنسا تطرفًا وتشددًا، وتبرز العلمانية كأشد أنواع الأنظمة قساوة، وتبرز العلمانية أنيابها، وتحد من أسنانها إذا ما تعلَّق الأمر بمسلم أو مسلمة، فعلى الرغم من أن الإحصائيات تقرر أن سبعة وستين بالمائة من الفرنسيات يُعلقن الصليب في أعناقهن، وقريب من ذلك الرقم يفعل الرجال، ورغم أن الصليب انتماء واضح، وعلامة بارزة على النصرانية؛ فلا أحد يتكلم، أو يعارض هؤلاء. لكن إذا ما وضعت فتاة مسلمة نقابًا أو حجابًا قامت الدولة بجميع أجهزتها، وانبرى المسئولون يقاومون هذا الخطر الداهم، المتمثل في شال تضعه امرأة على وجهها أو رأسها، إلى حد أن يتدخل رئيس الدولة بنفسه، ويلقي التصريحات في وسائل الإعلام حول هذا الخطر الذي يُهدد الدولة، ولعله يهدد أوربا والغرب بأكملة.
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
وقد درجت العلمانية دون ضجة أو تصريحات أو إعلانات أو تقنينات، درجت العلمانية إلى الشرق إلى بلادنا، لكن بهدوء وسكون، وخفاء، وأصبحت الدول العربية الإسلامية إلا قليلًا، ولعل القليل هذا تُمثله دولة واحدة أصبحت جميعها، إلا قليلًا تطبق النظام العلماني في التعليم العام، والسياسية والاجتماع، وأخطر من هذا كله في وسائل الإعلام التي انفلتت من كل القيم، وأخذت تحارب الدين علانية.
ومن العجيب أن يُعتبر ذلك ضمن حركة ما يسمى بالإصلاح الديني، فإن ذلك إفساد وليس إصلاحًا؛ لأن الدين النصراني مهما كان فيه من ضلال وفساد يصل إلى حدِّ الكفر والشرك؛ حيث يجعل أتباعه المسيح شريكًا لله رب العالمين، نقول: إن النصرانية مهما كان فيها من كفران وفجران، فهي خير من الإلحاد الذي يُنكر الإله، ويحارب الأديان جملة، وذلك ما نبينه في الخصيصة الآتية من خصائص ومميزات الفلسفة الحديثة بحول الله تعالى.
ثانيًا: ظهور المذهب الإنساني، وانتشار الإلحاد في شتَّى مناحي الحياة الغربية
أي الأمر الثاني أو الخصيصة الثانية، أو المميز الثاني من مميزات وخصائص الفلسفة الحديثة ظهور المذهب الإنساني، وانتشار الإلحاد في شتَّى مناحي الحياة الغربية:
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
والمذهب الإنساني مذهب يقوم على إنكار وجود إله لهذا الكون، ويقوم على اعتبار أن الإنسان هو محور هذا الوجود كله بسمائه وأرضه، وليس هناك غير الإنسان، وقد سُمِّي هذا المذهب بالإنسان؛ نسبة إلى ما ذكرنا من الانصراف عن الدين النصراني في الغرب، واعتبار الإنسان وحده هو رب هذا الوجود.
ثم ساعد على ترسيخ المذهب الإنساني وتأكيده أن جاءت حركة الكشوف الجغرافية في أواخر القرن الخامس عشر تقريبًا على أيدي كولومبوس وفاسكوبيجاما، وماجلان، ودريك، وقد جاءت هذه المكتشفات بمعلومات عن شعوب كانت معزولة عن الحضارة الإنسانية، أو عن جميع الأديان بما فيها النصرانية.
ومع ذلك كانت هذه الشعوب تدين بأخلاق وأديان وآداب، وغير ذلك؛ مما جعل الناس في الغرب يبحثون إذا كانت النصرانية لم تصل إلى هؤلاء، فمن أين جاء هؤلاء بالدين والشعائر الدينية، والعقائد، وما يحل وما يحرم، من هنا توصل بعض العلماء والمفكرين في الغرب إلى ما أسموه الدين الطبعي، أي: الدين الذي يخترعه الإنسان، ويستمده من الطبيعة دون حاجة إلى رسل، أو كتب، أو غير ذلك. ولذلك سمي هذا الدين دينًا طبعيًّا أي: معتمدًا على الطبيعة ومستمدًّا منها، فالدين الطبعي يقارن الإلحاد ويساويه، أو هو نوع من الوثنية القائمة على الإيمان بآلهة محليين، لكل قبيلة آلهتها، وعباداتها، وطقوسها التي تختلف في قليل أو كثير عما هو موجود لدى القبائل الأخرى.
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
ثالثًا: سلخ الفلسفة عن الدين، وإطلاق الحريات للنصارى، وظهور الكثير من المخترعات والمكتشفات
أو بمعنى آخر وضع الفلسفة في مواجهة الدين، ولعلكم تذكرون أننا بينا عند كلامنا عن فلسفة العصر الوسيط أن من خصائص الفلسفة في هذا العصر خلط الفلسفة بالدين، وخلط الدين بالفلسفة، إلى حد أنه كان من الصعب أن تُفرق بين الأمرين، بين ما هو فلسفة وبين ما هو دين. وقد كان الهدف من هذا عند فلاسفة العصر الوسيط هو خدمة الدين؛ بحيث تصبح الفلسفة خادمة للدين، تُساعد الناس على الاقتناع بقضايا الدين النصراني، وقد اتضح لنا رجال العصر الوسيط، الذين خلطوا الفلسفة بالدين؛ لشدة حبهم للدين، ورغبتهم في أن يؤيدوا الدين بالفلسفة.
أما وقد تغير موقفهم من الدين في العصر الحديث، واتخذوا من الدين النصراني موقفًا عدائيًّا؛ فقد انقلبت الأمور إلى النقيض، ولم يعودوا بحاجة إلى تأييد الدين، لأنهم عادوه وخلفوه وراء ظهورهم، من ثَمَّ فقد سلخوا الفلسفة عن الدين، بل بمعنى أدق عملوا على إقامة الفلسفة عدوة للدين، وقد اتضح إذًا ذلك الانقلاب من كون الفلسفة مساعدة في خدمة الدين النصراني إلى كونها عدوة للدين تعمل على نقضه، وبيان بطلانه.
رابعًا: إطلاق الحريات للنصارى في قراءة كتابهم المقدس، وفهم محتواه بحرية كاملة
وقد كان الشأن في العصر الوسيط ألا يطلع الإنسان النصراني على الكتاب المقدس إلا بتوجيه من رجال الكنيسة، ثم إذا اطلع على شيء فإنه يحرم عليه أن يفهم ما يهديه إليه عقله، بل عليه أن يفهم ما يفرضه عليه رجل الدين.
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
سادسًا: وهذا العامل المميز للفلسفة الحديثة والمعاصرة معًا
أو هذه الخصيصة من خصائص الفلسفة لم يشر إليها أحد من قبل، ولم يطرقه مؤرخ للفلسفة الحديثة، أو حتى الفلسفة المعاصرة من قبل، لكنا نراه على قدر كبير وخطير من الأهمية؛ لأن هذا العامل يفسر لنا أمورًا كثيرة من خصائص الفلسفة الحديثة والمعاصرة، لا نجد لها تفسيرًا سوى هذا العامل المميز لهذه الفلسفة، والذي نشير إليه هنا مستندين إلى واقع الحال، وصادق الموضوع، ذلكم أن الشعوب الغربية كانت في العصور الوسطى محجورًا عليها، عقلًا، وفكرًا، وفهمًا؛ فلا حرية في قراءة كتابهم المقدس، ولا حرية في فهم شيء عنه كما ذكرنا آنفًا، ولا حرية في مزاولة حياتهم الخاصة في كثير من الأمور، وكانت تلك الشعوب تُعاني القهر وما يشبه العبودية من جانب أمراء الإقطاع والحكام من جانب، ثم من رجال الدين من جانب آخر، وذلك الجانب هو الأخطر، وهو الذي كان يحيل حياة الشعوب في الغرب إلى ما يشبه العبودية؛ حيث أقام رجال الدين النصارى من أنفسهم رقباء على عقول الناس وضمائرهم، وكانوا يحاكمون الناس ويأخذونهم بالظنة، وكانت عقوبة الحرمان سيفًا مسلطًا على رقاب الناس وعقولهم، وما أيسر أن يغضب رجل الدين على أحد الناس، فيتخذ إجراءات: إصدار إعلان تحريمه أي: إخراجه من ملكوت الله ومن شعب الكنيسة أي: إعلان كفره، وكانت هذه وحدها كافية لأن يتجنبه الناس ويقاطعونه حتى أقرب الناس إليه زوجه وأولاده، وكان يعيش منبوذًا من الجميع.
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
ظل الأمر كذلك طوال العصور الوسطى حتى جاء القرن الثالث عشر والرابع عشر، فبدأ الناس يُعلنون نوعًا من الخروج على هذا النظام الكنسي المقيت، وما جاء القرن الخامس عشر حتى بدأت الأصوات ترتفع من هنا وهناك معلنة ضيقها بهذا النظام الحديدي، من الرقابة على العقول، بل على الضمائر، وبدأ ذلك أول ما بدأ على أقلام الكتاب من أمثال فولتير، وأفكار الاجتماعيين من أمثال جان جاكرسو، ثم توالت الأحداث سريعًا فطبقت العلمانية في بعض البلاد، ثم طبقت كاملة في العالم الغربي كله، ثم انطلق الناس من أسار الكنيسة كأنهم انطلقوا من عقال طال ربطهم به.
ولكم أن تتخيلوا قطيعًا من الذئاب المسعورة طال حبسه، واستمر سجنه، ثم فجأة انطلق من أساره دون مقدمات، ولا تمهيدات؛ فانطلق يضرب في جميع الجهات على غير هداية، ولا رعاية، ولا خبرة، ولا رشاد. هكذا كانت المجتمعات الغربية حين انطلقت من أسار الكنيسة، وتخلصت من هيمنة رجال الدين الذين تراخت أيديهم، وضاع سلطانهم، وحين انطلق الناس من هيمنة الكنيسة لم يكونوا قد قدروا لهذا الأمر قدره، فانطلقوا لا يدرون ما يفعلون، وقد فقدوا اتزانهم، ولم يُحسنوا مواقع أعمالهم. من هنا وجدنا خليطًا من الأفكار والمذاهب والآراء لا يربط بينها رابط، ولا تنظمها علاقة؛ لذلك لاحظنا الآتي:
انطلق الناس كلٌّ يعبر عن وجهة نظره أو رأيه في قضايا مطروحة، اجتماعية، أو سياسية، والكثير منها قضايا فلسفية، ولم تكن المشكلة إبداء آرائهم في تلك القضايا، لكن المشكلة كانت في الجرأة والاندفاع، الذي اتسمت به آراؤهم وتصرفاتهم دون شعور بالمسئولية.
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
لم يكن إبداء آرائهم تعبيرًا حقيقيًّا عن وجهات أنظارهم أو عن آراء، بقدر ما كان رغبة في التنفيس عن الكبت والحبس، والتعبير المتكلف والمبالغ فيه عن الحرية، التي شعروا بها، وزاولوها بعد عهود طويلة من الحجر عليهم، والتي حولوها بسوء تصرفاتهم إلى ما يشبه الفوضى.
كثرت الآراء والمذاهب من كل اتجاه، وبخاصة في الفلسفة، فصار هناك عشرات المذاهب والآراء الفلسفية التي ازدحمت بها الساحة الفلسفية.
كانت المذاهب الفلسفية منها قليل يُمثل رأيًا متزنًا، وفكرًا واعيًا، ومن ثَمَّ كان جديرًا بالدراسة، أما الكثير منها فكان غريبًا وعجيبًا، لا يُعبر إلا عن رغبة في التعبير عن الحرية، أو فلنقل الفوضى التي هبطت عليهم.
المثير للعجب أكثر من غيره: أن الناس كانوا يحفلون بالمذهب الغريب المنفلت أكثر من إعجابهم واحتفالهم بالمذهب المتزن الواعي المقبول، وكلما كان المذهب أكثر غرابة وشذوذًا- كان الناس به أكثر احتفاءً واحتفالًا واهتمامًا، وسوف نأخذ أمثلة على صدق ما قلناه من مذاهب القوم الفلسفية بحوله تعالى.
١.٨ بعض خصائص الفلسفة الحديثة
حين انفلت الناس من قبضة الكنيسة وهيمنة رجالها انطلقوا يعبرون عن أنفسهم دون وعي كامل بالمرحلة الجديدة التي أضحوا فيها؛ لذلك فقد كثرت المذاهب، والآراء الفكرية، والمذاهب الفلسفية إلى الحد الذي جعل من الصعوبة احتواء هذه الآراء والمذاهب، أو دراستها وعرضها؛ لذا لم يكن بدٌّ لكي ندرسها ونحيط بما فيها من أفكار، ونقوم هذه الأفكار وننقضها- من جمعها في حُزم، أو اتجاهات متماثلة، فنجمع المذاهب والآراء التي جاء بها الغربيون حين انطلقوا من أسار الكنيسة جاءوا بمذاهب كثيرة، وآراء عديدة، لم يكن بدٌّ من أن نجمع هذه المذاهب والآراء في اتجاهات، أو حزم متماثلة، ثم نعرض أقواها وأوضحها تمثيلًا لهذا الاتجاه الذي وُضعت لتعبر عنه.
على سبيل المثال هناك مذاهب كثيرة تُعبر عن وجهة نظر أو أنظار تشاؤمية سوداء، وتنظر إلى الحياة على أنها شر محض، وتدعو إلى التخلص من هذه الحياة بالانتحار، بل وتمجد المنتحرين، لا سبيل إلى دراسة هذه المذاهب التشاؤمية كلها، فلنصغ إذًا منها جميعًا اتجاهًا واحدًا نسميه الاتجاه التشاؤمي في الفلسفة الغربية الحديثة، ثم نتخير من هذه المذاهب أوضحها وأقواها تمثيلًا لهذا الاتجاه، وندرسه، ونقومه، وننقضه، ومثل هذا نصنع بفلسفة القوة فنضع مذاهب القوة كلها في اتجاه واحد، ثم ندرس أقواها، وأوضحها تمثيلا لها في هذا الاتجاه.