٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
الفلسفة الوسيطة الأوربية
قد تكلمنا – فيما سبق- عن فيلسوف يعتبر عند الغربيين النصارى أشهر الفلاسفة في العصر الوسيط وربما بإطلاق، هو القديس "أوغستين"، كما يدعونه.
والآن نقدم فيلسوفًا آخرَ له شهرة خاصة جدًّا عند الأوربيين، حيث كان من أوائل، بل لعله الأول بإطلاق الذي دَعَا إلى نبذ العلوم النظرية، وهاجم منطق "أرسطو" وقاوم الاشتغال به، وذكر أن هذا المنطق -منطق "أرسطو"- هو السبب في تأخر العلوم التجريبية، وفي تخلف الأمم الغربية، ثم ذكر كثيرًا من الوسائل والطرق التي ظن أنها تأخذ بيد العلوم التجريبية والعملية، إضافة إلى أنه ساهم بقدر ضئيل في اختراع بعض الأشياء التي لا تزيد عن تحسين بعض الآلات البصرية، أو حول ذلك.
لذلك كانت جهوده في الجوانب النظرية والفكرية هي المعتبرة، وهي التي أهلته للمنزلة التي شغلها في تاريخ الفكر الفلسفي الغربي.
فمن هو ذلك الفيلسوف؟
الفيلسوف الذي نتكلم عنه هو "روجر بيكون" فيلسوف إنجليزي، ولد سنة أربعة عشر ومائتين وألف، وتوفي سنة أربع وتسعين ومائتين وألف، عاش قريبًا من ثمانين عامًا. درس في "إكسفورد" ثم بعد أن أنهى دراسته سافر إلى باريس، وأقام بها قريبًا من ثماني سنوات، ...
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
... ثم عاد إلى جامعة "إكسفورد" فعمل بها أستاذًا، ثم منعته إدارة الجامعة من التدريس بها؛ لأنه كان يدرس السحر والتنجيم والشعوذة ضمن العلوم التجريبية.
ولما طرد من جامعة "إكسفورد" سافر مرة أخرى إلى باريس، وظل مصرًّا على رأيه في إدخال السحر والتنجيم والشعوذة ضمن العلوم التجريبية المعتبرة، وقد أمضى بقية حياته يقاوم العلوم النظرية ويعارضها، ويدعو إلى العلوم التجريبية حتى آخر حياته.
آثاره وفلسفاته:
أولًا
أول ما نلاحظ على الفيلسوف "بيكون" أنه غارق في نصرانيته حتى النخاع، فهو يقدم اللاهوت على كل شيء من جانب، ومن جانب آخر يسخر كل فلسفته لنصرة النصرانية حتى وهو يتكلم عن التجربة، ويحض على العلوم التجريبية لا ينسى ديانته النصرانية، فيصرح بأن نهاية العلوم التجريبية -أي: أن الهدف والغاية منها- أن ينتصر العلم وتفوز المسيحية -يقصد النصرانية- ولا ندري ما عَلاقة النصرانية بالعلم لتفوز بفوزه رغم أن النصرانية ممثلةً في رجال الكنيسة ظلت تحارب العلمَ والعلماءَ، بل وكم قتلت من العلماء جزاء اختراعاتهم ومكتشفاتهم؟!
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
ثانيًا
درس الفلسفة واهتم بها في بداية حياته فاشتغل بدراسة "أرسطو" ثم اشتغل بدراسة الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام، فأعجب جدًّا بل افتتن بالفيلسوف ابن سينا، وفضَّله على جميع الفلاسفة بل فضله حتى على "أرسطو" إلى حد أنه أطلق على ابن سينا لقب "رب الفلسفة" وأطلق عليه كذلك "زعيم الفلاسفة" لكنه رغم ذلك ينتقد ابن سينا في قوله بأزلية العالم، وأن العالم قديم لم يخلقه الله، كذلك ينقد ابن سينا في قوله بنظرية الصدور.
ثالثًا
وجه الرجل -أعني: "روجر بيكون"- أكبر اهتمام إلى التجربة وإلى العلوم التجريبية، وفي هذا الإطار سَنَّ أقصى هجوم على العلوم النظرية، وتحديدًا على المنطق الأرسطي الذي اتهمه بأنه علم عقيم، لا يؤدي إلى نتائج علمية، وفوق ذلك اتهمه بأنه السبب الحقيقي وراء تخلف العلوم بشِغَل الناس بالمجادلات اللفظية والأشكال الصورية، وصرفهم عن العلوم العملية التجريبية.
وقد وجه الفيلسوف "روجر بيكون" إلى منطق "أرسطو" نقودًا قاسيةً منها ما هو حق وكثير منها تجن بغير حق، وكان الرجل أول فيلسوف يجرؤ على مهاجمة منطق "أرسطو" بهذه الضراوة والقسوة، وقبله لم يجرؤ أحد على مهاجمة المنطق، حيث كانت الكنيسة تضفي عليه حمايتها، حيث اعتبره رجال الدين النصارى من العلوم المساعدة لفهم الكتاب المقدس وعلوم النصرانية، لذلك لما هاجمه "روجر بيكون" ...
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
... انتصب للدفاع عنه عددٌ كبير من رجال الدين النصارى حتى جاء "توما الأكويني" وبعده "جون ديلسس كوت" وغيرهما، فركزَا هجومًا عنيفًا على "بيكون" ثم ركزَا أكثر على إضفاء الحماية بل والقداسة على منطق "أرسطو". لكن ذلك لم ينفع كثيرًا، حيث كانت الضربة الأولى التي وجهها "روجر بيكون" إلى المنطق قد جرَّأت الناس عليه، وقبل ذلك قد جرأت الفلاسفة على الخروج على الكنيسة والاستهانة بتعاليمها.
رابعًا
في سبيل تأكيد الفيلسوف "روجر بيكون" على أهمية التجربة، وأنها وحدها الموثوق بنتائجها، وأن كل ما عداها من وسائل المعرفة هي وسائل باطلة لا تفيد، ذكر الرجل وسائل المعرفة، وحصرها في ثلاث:
 |
الوسيلة الأولى: النقل عن الغير. |
 |
الوسيلة الثانية: الاستدلال على الخبر بأدلة مؤكدة. |
 |
الوسيلة الثالثة: التجربة. |
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
وبعد أن حصر الرجل جميعًا وسائل المعرفة في هذه الثلاثة أخذ يفندها واحدةً واحدةً، فيقول: إن النقل عن الغير مهما كان ذلك الغير ثقة فإنه لا يفيد علمًا ما لم تثبت التجربة صدق المنقول، إذًا التجربة هي التي ستثبت صدق المنقول. كذلك قال: الخبر الذي ينبني على الأقيسة الصحيحة لا يُقبل ابتداءً؛ لأن القياس قد يكون قياسًا سوفسطائيًّا ما لم يقم الدليل على صدقه بالتجربة، ويعود الرجل مرة أخرى بالوسيلة الثانية فيعقلها ويربطها بالتجربة. يبقى بعد ذلك الوسيلة الثالثة التي هي التجربة وحدها، فيقرر أن التجربة وحدها هي الدليل القاطع الصادق على قبول الخبر أو رفضه، ومن ثم فهي الوسيلة الصادقة للمعرفة، وما عداها فهي وسائل باطلة لا تفيد علمًا ولا عملًا.
خامسًا
وصل هوس الرجل بالتجربة حدًّا جعله يتخطى حدود الضرورات، حين يقرر أنه حتى في الرياضيات لا تُقبل نتائجها إلا بالتجربة، يعني: لو قلت: لو أضفت واحدًا "زائدا" إلى واحد لصارا اثنين، يقول: لا، نقوم بالتجربة أولًا، لأنه وصل إلى حد الهوس بالتجربة.
ومثل ذلك يقول في الضرورات الحسية: إن الأخبار بأن النار محرقة أمر لا يقبل إلا بالتجربة، ثم يقول مدللًا على طريقته الفاسدة هذه: لو فرضنا أن رجلًا لم يرَ النار قط، وأنت أخبرته بضرورة البعد عنها؛ لأنها محرقة، فإنه لن يصدقك ويبتعد عن النار إلا بالتجربة، وذلك بأن يضع يده في النار؛ ليقتنع بصدق ما تقول.
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
وهكذا يذهب الخيال بالرجل إلى حد أن يفترض وجود رجل في زماننا هذه أو في زمانه هو لم يسمع بالنار، ولم يرها، وهذا افتراض أيسر منه الخيال والوهمُ.
سادسًا
الرجل صاحب خيال خصب سبق به زمانه بمراحل كثيرة، فهو يملك خيالًا خصبًا -كما ذكرنا- لكن آفة الخيال الجرأة والتقحم، لذلك بدأ الرجل يذكر أنواعًا من العلوم والآلات والاختراعات والقوى الطبيعية التي يمكن أن يسخرها الإنسان لخدمته، وضرب لذلك أمثلة كثيرة، فذكر مخترعات يتخيلها وهو ينتظر أن تتحقق في مستقبل الزمان، ذكر من المخترعات التي تخيلها هو المخترعات الآتية:
يقول: حمامات ساخنة تحتفظ بسخونتها بغير نار، تخيل وجود هذا، أو سوف توجد هذه، ثم يقول: مصابيح تضيء باستمرار دون تجديد وقودها.
ومن الأمور أيضًا التي تخيلها يقول: مواد ملتهبة تهلك جيشًا بأكمله في طَرْفة عين، ثم يقول أيضًا: مواد متفجرة تحدث دويًّا هائلًا وأضواءً شديدةً، ثم يتخيل مرايا ترسل على العدو أشعة تحرقه، ثم يقول: مساحيق تهلك الحيوانات في طرفة عين، ثم يقول: سُحب مسمومة، ثم يقول: مرايا مسحورة تكثِّر الصور وتكبرها، وأخرى تصغرها، ثم يقول: آلات وأدوات توفر للناس الراحةَ وترفه عنهم، يتخيل كل هذا.
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
ثم يتخيل بأنه سيوجد مخترعات منها سفن بلا مجاديف ولا أشرعة يدفعها شخص واحد، فتجري بقوة وسرعة لا تبلغ إليها سفننا ولو كانت غاصة بالمجاديف والمجدفين، ثم يقول أيضًا: مركبات شديدة السرعة تجري بذاتها دون أن يجرها حيوان، ثم يتخيل أيضًا: آلات طائرة يحرك الإنسان أجنحتها كما يفعل الطير، ثم يتخيل آلات للغوص في أعماق البحر دون التعرض لأي خطر، ويتخيل أيضًا آلات لرفع الأثقال الضخمة بسهولة، ثم يتخيل وجود جسور تُقام على الأنهار دون أعمدة تسندها.
هذه بعض أحلام الفيلسوف "بيكون" الذي كان يحلم بأن الإنسان سوف يصل إلى تحقيقها، ربما في حياة الفيلسوف وربما بعد موته.
والذي نلاحظه أن الكثير مما كان يحلم به هذا الرجل في هذه المنظومة من المخترعات، قد تحقق فعلًا، وإن لم يكن الفيلسوف يدرك في زمانه كيفية التحقق، وللإنصاف فإن الرجل لم يزعم معرفة كيف تتحقق هذه الأمور، لكنه أشار إليها وتخيلها، وترك كيفية تحقيقها إلى الزمن والظروف. فالسفن التي تمشي بسرعة بلا مجاديف ولا أشرعة تملأ سطح البحار والمحيطات الآن، والعربات التي تجري بسرعة دون أن يجرها حيوان تملأ الشوارع والطرقات الآن، والآلات التي توفر للناس الراحة وترفه عنهم تملأ الأبيات الآن، وليس أكثر من التلفزيونات والراديو والمسجلات وهكذا، وكذلك المساحيق، والسحب المسمومة التي تهلك الحيوان والإنسان، والتي تهلك جيشًا بأكمله في طرفة عين، قد تحقق منذ زمن.
كل ذلك وغيره قد تخيله الرجل، ثم طبق في عصرنا، لكن المهم أن هذا لا يحقق للرجل ميزة على غيره سوى سعة الخيال من جانب، والجرأة والتقحم من جانب آخر.
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
سابعًا
لقد أشرنا إلى أن سعة الخيال آفتها الجرأة والتقحم، ثم إطلاق الإنسان العنان لخياله دون حدود يقف عندها، وذلك ما وقع من الفيلسوف "بيكون"، حيث اندفع مع خياله الجامح فأورده الموارد، لقد جمح بالرجل بخياله حتى جعله يضع السحر والتنجيم والشعوذة في مستوى واحد مع الرياضيات والكيمياء والفيزياء والطب والهندسة. بل إن الرجل جعل من السحر والتنجيم علومًا عظيمةً على قدر كبير من المنفعة للإنسان، وأقام وزنًا كبيرًا للأحجبة والتمائم والتعاويذ.
وقد ذكر الفيلسوف أمورًا ثلاثة أقام عليها صروحًا من الخيال الذي لا نستطيع أن نصفه سوى أنه خيالُ مريضٍ، وأن صاحبه كان أولى به أن يصنف ضمن المرضى النفسيين، ولقد سبق وذكرنا أنه عمل مدرسًا بجامعة "إكسفورد" لكن الجامعة منعته من متابعة التدريس بها، بسبب أنه أخذ يدخل السحر والتنجيم ضمن علوم الرياضيات والكيمياء، ورغم أن الجامعة رفضته بسبب هذه المزاعم، إلا أنه ظل مصرًّا على رأيه هذا في السحر والتنجيم حتى نهاية حياته.
بل لقد أخذ يجتهد ليقيم السحر والتنجيم على ما ظنه قواعدَ علمية صحيحة، ولن نطيل في مناقشة ما ظنه أدلة علمية قاطعة.
لكن سنشير إشارة موجزة إلى أمرين اعتقدهما الرجل وقعَّدَ لهما، وأخذ يبحث فيهما، بل واشتغل بهما كثيرًا، معتقدًا أن بإمكانه أن يسلكهما ضمن العلوم المعترف بها.
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
هذان الأمران هما:
 |
حَجر الفلاسفة، أو ما كان يسميه هكذا بعض المشتغلين بالسحر والشعوذة والتنجيم عند العرب، وكانوا يظنون أو يزعمون أنه حجر سري يحول المعادن بعضَها إلى بعض، وتبعًا لذلك فإن في قدرة هذا الحجر أن يحول النحاس إلى ذهب، وله إضافة إلى ذلك منافع سحرية عجيبة، وقد خصص له "بيكون" أبحاثًا مطولةً غامضةً، وله أفكار عن ذلك الحجر المزعوم اعتبرها سريةً لم يبح بها لأحد.
هذا هو الأمر الأول الذي اهتم به "بيكون" .
|
 |
الأمر الثاني: وهو أخطر من هذا بكثير، وهو ما يسميه "إكسير الحياة" سر الحياة هكذا أسماه الفيلسوف، وهذا مصطلح معروف عند السحرة والمنجمين والمشعوذين، وحول هذا الشيء الذي يسميه "بيكون" "إكسير الحياة" تأتي مزاعم كثيرة، فالفليسوف يدعي أنه عن طريق هذا الشيء يستطيع أن يطيل عمر الإنسان ضِعف ما هو عليه في العادة، ثم يقرر أن عمر الإنسان الآن لا يتجاوز ثمانين عامًا، لكن إذا نحن نحينا الأمور التي تؤدي إلى قصر العمر وضعف الشيخوخة من الإسراف الجسمي، والإجهاد البدني، واستعملنا "إكسير الحياة" أمكن للإنسان أن يعيش أعمارًا طويلةً أضعاف ما يعيش الآن، ويبدو أن الرجل فهم أن النسر يعيش فوق المئة عام، فقال ضمن ما قال: إن "إكسير الحياة" يمكن أن يجعل الإنسان يعيش ثلاثة أضعاف عمر النسر أي: ثلاثمائة عام. |
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
ثامناً
الفيلسوف يقرر أن التنجيم علم صحيح، من حيث إن حركات الأجرام السماوية هي علل الأحداث الأرضية، فإذا عرفنا قوانين حركة الأفلاك السماوية استطعنا أن نعرف الماضي والمستقبل، ونعدِّل الحاضر على ما نشاء ونريد، ويرى: أن المنهج الصحيح في علم التنجيم إنما هو المقارنة بين الأحداث الإنسانية المسجلة في التاريخ.
يقصد اسم الشخص، وتاريخ ميلاده واسم أمه وأبيه وهكذا.
يقول: نقارن بين هذه وبين مواقع النجوم في أوقاتها المختلفة. ويرى: أن ذلك يمكننا من معرفة الحاضر والمستقبل للشخص الذي درسنا حاله، ويقرر الرجل كذلك، يقول بالنص: إنه يمكن تعديل أخلاق شعب بأكمله إذا ما استخدمنا التأثيرات السماوية المنتشرة على سطح الأرض؛ لتعديل الجو، قال: ويمكن استعباد شخص مدى الحياة إذا جعلناه يأكل نباتًا زُرِعَ ونما تحت تأثير موقع معين من مواقع الشمس.
أمر عجيب وخيال مريض!
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
تاسعًا
يرى الفليسوف أن السحر علم يوصل إلى علوم مدهشة، ويحدث نتائج غريبة بمجرد التلفظ بكلمات معينة، ذلك أن الأجسام بما فيها جسم الإنسان ينبعث منها بخارات ضارة وبخارات نافعة، فإذا اجتمع ذلك مع مواقع مناسبة للنجوم، وصاحب ذلك تَكرار كلام معين له تأثير معين، فإن ذلك يغير من حياة الأشخاص، ويغير من ظروفهم الحياتية تغييرًا جذريًّا، وبخاصة إذا صاحب ذلك كلام مكتوب كالأحجبة، والتمائم، والتعويذات المكتوبة بطريقة معينة.
خلاصتها
أن الرجل الذي يعتبرونه فيلسوفًا كبيرًا إنما هو في واقع الأمر مُخرِّفٌ كبيرٌ.
نصل إلى ثمرة ذلك كله عند الرجل، حيث يقدم الرجل النصيحة للقائمين على أمر النصرانية، فيقرر الآتي:
 |
يجب معرفة أسرار السحر والتنجيم والاحتفاظ بذلك كله سرًّا؛ حتى لا يطلع عليه الكفار أعداء المسيحية -ويقصد النصرانية- فينتفعوا به، بينما يجب قصر الانتفاع بالسحر والتنجيم على المسحيين فقط، أي: النصارى فقط. |
 |
يرسم الرجل كيفية الانتفاع بالسحر والتنجيم في خدمة النصرانية، والتغلب على الكفار، فيقرر الآتي: |
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
الفيلسوف الشهير "ألبرت أكبر"
يمكن أن ننظر نظرة عجلى إلى فيلسوف متميز يحقق هدفنا من دراسة فلسفة العصور الوسطى، ويبين ما ذكرناه آنفًا من أن الفلسفة في هذا الدور كانت فلسفةً دينيةً نصرانيةً، كما يؤكد لنا على حقيقة أخرى، توخينا أن نبينها فضلَ تبيين، تلك الحقيقة التي تقرر أن جميع عقائد الدين النصراني مصادمة للعقل، مناقضة للفطرة، وحين تأتي هذه الشهادة من الآباء النصارى أنفسهم تكون حاسمةً.
نتكلم عن الفيلسوف الشهير "ألبرت الكبير" أو "ألبرت الأكبر" ولقبه الرسمي القديس "ألبرت الأكبر" أو "سان ألبرت الأكبر".
ولد بأقليم "بافاريا" في جمهورية ألمانيا الاتحادية الآن، وذلك سنة ست ومائتين وألف، وتوفي سنة ثمانين ومائتين وألف، درس في بلده حتى سن السادسة عشرة، ثم هاجر إلى إيطاليا فدرس في عدة جامعات هناك، ثم دخل رهبنة "الدومينكان" ثم درس في باريس حيث حصل على لقب أستاذ في اللاهوت، وبعد ذلك عكف على تدريس اللاهوت في جامعات فرنسا، وهنالك لقي إقبالًا شديدًا وثناءً عظيمًا من المجتمعات العلمية، ثم لقب بـ"الأكبر"؛ تمييزًا له عن المشاركين له في اسم "ألبرت".
ثم حصل على لقب "سان" أي: قديس، وقد ذكرنا آنفًا: أن هذا اللقب يكون غالبًا بسبب ما يُزعم من أن صاحبه قدم خدمات للنصرانية، اقتضت أن ينزل المسيح الرب بنفسه- فيشكره بشخصه على ما قدم للنصرانية، حسب زعمهم.
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
عرفنا أن "ألبرت الأكبر" درس في باريس حيث حصل على لقب أستاذ في اللاهوت، وأنه اشتغل بتدريس اللاهوت بعد ذلك، ثم كان قديسًا نصرانيًّا، ثم أمضى حياته في العظات والخدمات للنصرانية، وهذه أربع صفات تجعل شهادة الرجل في النصرانية فوق مستوى الشبهة، وبخاصة عند النصرانية.
نحن ندرس فلسفة الرجل لنبين النقاط الآتية:
أولًا
كان الفيلسوف "ألبرت الأكبر" متأثرًا بفلسفة "أرسطو" و"أفلاطون" معًا، وكان متأثرًا أكثر بفلسفة الفارابي وابن سينا وموسى بن ميمون الذي يسميه الغربيون "ميمونيدوس" وتأثره بهؤلاء جميعًا يجعلنا ننتظر منه أن ينهج منهجًا عقليًّا خالصًا.
ثانيًا
الفيلسوف قاوم العقل، وخرج على مقتضيات النزعة العقلية، وانتقل بوضوح شديد من عدوة العقل إلى عدوة التسليم اللاهوتي بقضايا النصرانية التي تناقض العقل والفطرة، لكن السؤال: كيف انتقل الرجل وهو الفيلسوف الأرسطي السيناوي من احترام للعقل واعتزاز به إلى إهماله إهمالًا كاملًا، والتسليم بقضايا النصرانية، وقبول جميع عقائدها التي تناقض العقل وتنقض الفطرة؟
والجواب هنا يكمن: في أن الرجل صار في طريقين متعارضين:
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
 |
درس الفلسفة واشتغل بها، لكنه في نفس الوقت اتجه لدراسة اللاهوت النصراني، وتخصص فيه. |
 |
وقضى حياته يشتغل به، واللاهوت النصراني من شأنه أنه يعارض العقل ويناقض الفطرة، ويزري حتى بالأوليات. |
فالرجل إذًا وقف بين تيارين متعارضين كل منهما يجذبه إلى طريق التيار الفلسفي العقلي، والتيار اللاهوتي النصراني المعارض للعقل، والرافض للفهم، لكن يبدو أن التيار اللاهوتي هو الذي انتصر واحتوى الرجل، فكان الرجل من أنصاره وإن كان قد ظل محسوبًا على التيار الفلسفي.
ولكن كيف استطاع الرجل أن يعايش هذين التيارين المتعارضين في وقت واحد؟!
ثالثًا
وفيها الجواب: فصل الرجل "ألبرت الكبير" بين الفلسفة واللاهوت، وقرر أن كلًّا منهما له مجاله الخاص به، وقد حسم الفيلسوف قضيةَ العلاقة بين الاثنين، فقرر أن اللاهوت يقوم على الوحي وليس العقل، ومن ثم قرر أن الأمور اللاهوتية لا تتفق في مبادئها مع الأمور الفلسفية، ذلك أن اللاهوت يقوم على الوحي دون العقل - وهذا تصريح على أعظم قدر من الخطورة من رجل فيلسوف لاهوتي- بغاية الوضوح، وهذا يعني أننا -كما يقرر الفيلسوف- لا نستطيع في الفلسفة الخوضَ في مسائل لاهوتية وذلك أمر طبعي؛ وذلك لأن الفلسفة عقل واع واللاهوت النصراني لا يستقيم مع عقل ولا فطرة.
من هنا نكرر القاعدة النصرانية: أن العقائد النصرانية للاعتناق وليست للاقتناع، وأنها لا تخضع للتعقل؛ لأنها فوق مستوى العقل. هكذا يزعم.
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
رابعًا
يرى الفيلسوف "ألبرت الأكبر" من منطلق نصراني بَحْت: أن اللاهوت أعظم من الفلسفة، ومن ثَم فإن الفلسفة لا تحتاج إلى اللاهوت، ولأنه لا يجوز أن يكون اللاهوت في خدمة الفلسفة؛ لأن الفلسفة أقل منه وأحقر، لكن الفلسفة يجب أن تكون في خدمة اللاهوت، وذلك يذكرنا بما ذهب إليه الفيلسوف السابق "روجر بيكون" الذي دعا إلى استغلال الفلسفة والسحر والتنجيم والشعوذة ؛ لخدمة النصرانية.
لذلك يقرر الفيلسوف الذي معنا "ألبرت الأكبر" أن الفلسفة يجب أن تسخر لخدمة اللاهوت النصراني، فاللاهوت النصراني بحاجة شديدة للفلسفة؛ كي تخدمه وتيسره، وتقنع الناس به، وبدون الفلسفة قد ينجذب الكثيرون إلى الأديان الكافرة.
خامسًا
وهو مهم جدًّا: نقرر أن الفيلسوف "ألبرت الأكبر" يرى ويقرر: أن النصرانية تشتمل على عقائد، وأن أهم عقائدها بل عقائدها جميعًا لا تستقيم مع العقل، وأن عقائد النصرانية لا يمكن أن يعتقدها الناس بمقتضى عرضها على عقولهم، بل ذلك أحرى أن يتركوها، ومن ثم فلا بد من بذل جهود فلسفية لإقناع الناس بتلك العقائد النصرانية.
من هنا نلاحظ أمرين قد ركز عليهما الفلاسفة النصارى جميعًا وبخاصة في العصر الوسيط:
٢.٧ الفلسفة الوسيطة الأوربية، أو فلسفة العصور الوسطى الأوربية
 |
الأول: أنهم جميعًا دعوا إلى استغلال الفلسفة في خدمة النصرانية، وجعل الفلسفة أداةَ إقناع بعقائد النصرانية، بل إن منهم من دعا إلى إعمال السحر والتنجيم والشعوذة؛ لخداع الناس، وإقناعهم بالنصرانية مثلما رأينا عند "روجر بيكون". |
 |
الأمر الثاني: أن الفلسفة في العصر الوسيط قد اتحدت بالدين النصراني، فصارَا كأنهما شيء واحد، وقد أصبحت الفلسفة هي النصرانية، وكذلك أصبحت النصرانية هي الفلسفة، يعملان في مجال واحد، وذلك المجال لصالح العقيدة النصرانية، وذلك أمر نبهنا إليه قبلًا ولفتنا إليه الأنظار. |
إن الإنسان ليعجب مَن هؤلاء الذين يدينون بأديان باطلة لا تقوم على أساس من الفطرة أو الضرورات والأوليات، والأعجب من ذلك أن بعض هذه الأديان تناقض العقل وتعارض الفطرة، وتذهب بالبديهات، وبدلًا من أن يراجع الإنسان نفسه ويعدل من صلاته بربه، ويبحث عن الصراط السوي، بدلًا من ذلك يفتش عما يؤيد هذه الضلالات ويؤكدها، والأعجب من العجب أن تُتلمس الأعذار لهؤلاء الضالين من المثقفين الفلاسفة، وإنما نتلمس الأعذار للجهال والحمقى.