١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط:
حديثنا عن فلسفة العصر الوسيط أو الفلسفة الغربية في العصور الوسطى.
وينبغي علينا ابتداءً أن نعرف ببعض المصطلحات التي سوف تمر بنا أثناء دراستنا هذه، وأيضًا أثناء دراستنا للمراحل التالية بحول الله تعالى.
وهذه المصطلحات، هي:
أولًا: اسم هذه المدرسة الفلسفية، أو هذه المرحلة الفلسفية:
والاسم: هو فلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى.
ما معنى هذه التسمية؟ وما سببها؟
قد سميت هذه المرحلة بالمرحلة الوسيطة؛ لأنها توسطت بين الفلسفة اليونانية وفلسفات العصر الحديث، ومعلوم أن الفلسفة اليونانية تسمى بالفلسفة القديمة، فإذا نحن قارنا بين الفلسفة القديمة وفلسفات العصر الحديث، عرفنا أن الفلسفة التي بينهما يمكن أن نسميها بالفلسفة الوسيطة.
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
فهناك إذًا عدوتان: العدوة القصوى البعيدة في الفلسفة الغربية وهي الفلسفة اليونانية أو الفلسفة القديمة، ثم العدوة الدنيا القريبة منا تأريخيًّا، وهي الفلسفات التي تبدأ بعصر النهضة، وبين العدوتين -القصوى والدنيا- تأتي المرحلة الوسيطة أو المتوسطة، هذا سبب تسميتها بالفلسفة الوسيطة، أو فلسفة العصر الوسيط.
لكن أحيانًا تسمى بفلسفة العصور المتوسطة؛ لأن هذه الفترة الزمنية التي شغلتها المرحلة المتوسطة كانت أطول المراحل الفلسفية بإطلاق، وأمر آخر يضاف إلى هذا وهو كثرة المذاهب الفلسفية التي شغلتها هذه الفترة، لذلك سميت تلك المرحلة بالعصور جمع عصر، وقد وصفت هذه المرحلة أيضًا عند الكثيرين بكلمة المظلمة، فيقال: فلسفة العصور الوسطى المظلمة؛ وذلك لما اصطبغت به هذه الفترة من سمات وسمها بها عدد كبير من المؤرخين، فقد وسموا أو وصفوا العصور الوسطى بأنها عصور جهل وظلام، لا خير فيها.
وينبغي ألا نقف عندها كثيرًا، بل يجب أن نتخطاها؛ لنصل سريعًا إلى عصر النهضة، كما وصفوا فلسفة العصر الوسيط بأنها فلسفة مدرسية، كانت تدرس بلغة لاتينية ركيكة، وكانت تسرف في استعمال المنطق الأرسطي، وكانت كذلك تقوم على المناقشات اللفظية التي لا طائلَ وراءها، وكانت جماع نشاط الفلسفة الوسيطة تأييد ومساندة قضايا الدين النصرانية، وكانت كذلك تعتمد على النقل دون العقل، والنقل هنا يعني أخذ كلمات رجال الدين النصارى مسلَّمات لا تناقش.
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
فالفلسفة إذًا في العصر الوسيط كانت موسومة بكل هذه السمات أو الأوصاف التي تكلمنا عنها، فسخرها آباء الكنيسة لتأييد قضايا دينهم التي تناقض العقل، فأرادوا أن يسندوها بالفلسفة، فأفسدوا الفكر الفلسفي كذلك، والفلسفة الوسيطة فسدت بذلك، وأزروا بالعقل، وظلت قضايا دينهم على حالها من مناقضة العقل ومسلمات الفكر.
المصطلح الثاني الذي يوضح معناه:
المصطلح الثاني: كلمة الفلسفة المدرسية
فلسفة العصور الوسطى توصف بأنها فلسفة مدرسية، وهذا المصطلح يطلق على فلسفة العصور الوسطى، حيث كانت الفلسفة في ذلك العصر تدرس في المدارس التي أنشأها القساوسة غالبًا لتعليم الفلسفة، وكانوا ينشئونها في الكنائس؛ ولأن الفلسفة في ذلك العصر كانت تدرس في المدارس التي أنشأها هؤلاء القساوسة، سميت تلك الفلسفة بالفلسفة المدرسية، وقد عرفنا قبلًا أن رجال الدين النصارى كانوا يشعرون بالتهافت الشديد للقضايا الأساسية في دينهم النصراني، بل كانوا يشعرون كذلك ويدركون مناقضة هذه القضايا العقدية الساقطة للعقل ومسلمات الفطرة، فوقعوا على الفلسفة فسخروها لتأييد أفكارهم ومعتقداتهم تلك.
لذلك نلاحظ على هذه الفلسفة المدرسية أمورًا:
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
الأمر الأول
أن المدارس التي افتتحت لتدريس الفلسفة كانت دائمًا داخل إطار الكنائس، وكان القائمون على أمرها من القساوسة النصارى، ولم يكن يدرس فيها إلا أفراد يختارهم رجال الدين النصارى تحت هدف أن يكونوا دعاة للنصرانية بعد ذلك، وذلك عن طريق إقناع هؤلاء التلامذة بصحة عقائد النصرانية، وتعليمهم كيف يستدلون على تلك القضايا العقدية الباطلة بقضايا الفلسفة، ورأس ذلك منطق "أرسطو"؛ لذلك اعتبر رجال الدين النصارى منطق "أرسطو" من العلوم المساعدة لفهم الكتاب المقدس، ومن ثَم أضفى عليه -أعني: المنطق الأرسطو- رجال الدين النصارى نوعًا من الحماية، بل والقداسة.
الأمر الثاني
أن الدراسة في هذه المدارس كانت تقوم على خلط الفلسفة بالدين وخلط الدين بالفلسفة، وجعلهما شيئًا واحدًا تقريبًا، بحيث يسدون الطريق أمام دارس الفلسفة في هذه المدارس، فإذا درس الفلسفة واقتنع بها كان ذلك اقتناعًا منه بالعقائد النصرانية، ولا يملك غير ذلك؛ لأنهما شيء واحد، والذي يدل على أن الهدف من وراء هذه المدارس ليس الفلسفة ولكن تأييد العقائد النصرانية: أن رجال الدين النصارى كانوا لا يقبلون في مدارسهم هذه إلا أفرادًا مختارين لدراسة الدين مع الفلسفة؛ ليكونوا دعاة للنصرانية بعد ذلك، ...
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
... ثم إن رجال الدين المشرفين على هذه المدارس كانوا يجرون تقويمًا لتلامذه هذه المدارس كل فترة؛ ليبقوا في هذه المدارس على المقتنعين بالنصرانية من هؤلاء التلامذة، ويستبعدوا من لا يصلح، أو يستبعدوا غير المقتنع بالعقائد النصرانية، أو الذي يثير تساؤلات حول النصرانية ولا يجد رجال الدين جوابًا عليها.
الأمر الثالث
من الأمور التي نلاحظها على المدارس التي أنشئت في الكنائس لتعليم الفلسفة، أن أشهر الفلاسفة الكبار في العصر الوسيط كانوا رجال دين من الآباء والقساوسة، والكثيرون منهم قد حصلوا على لقب "سان"، أي: قديس، والقديس عندهم في الغالب هو الذي قام بأعمال تخدم النصرانية إلى حد يجعل المسيح الرب في معتقدهم يظهر له جهرةً؛ ليشكره على ما قدم للنصرانية من خدمات، ويقدسه، ومن أمثلة هؤلاء القديسيين عندهم القديس "سان أوغستين" والقديس "فونا فنتورة" والقديس "ألبرت الأكبر" والقديس "توما الأكويني" أو "سان توماس" أو "توما" كما يشتهر، هؤلاء جميعًا يوسمون بأنهم القديس فلان أو سان فلان.
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
ثالثًا: الفلسفة الاسمية
الفلسفة الاسمية: اسم يطلق على فلسفات كثيرة، منها الفلسفة الوسيطة، والفلسفة الاسمية هذا مصطلح خاص بالمعاني الكلية التي يجردها العقل من الأفراد ثم يعطيها معنًى كليًّا يشمل الأفراد جميعًا، مثل كلمة الإنسانية.
هل لهذا المعنى "الإنسانية" وجود خارجي؟ أو إنه لا وجود له في الخارج، وإنما له وجود ذهني فقط؟
هذا المعنى اختلف حوله الفلاسفة، فالمعاني الكلية التي تقوم عليها الفلسفة الاسمية هي التي تُصاغ وتستمد من الأفراد المشخصة؛ لتدل على المجموع، فمثلًا عندنا محمد، وعندنا علي، وعندنا زيد، وعندنا حسين، هؤلاء أشخاص معينون، كل منهم إنسان، فالعقل يجرد من هؤلاء الأفراد معنًى كليًّا يضمهم جميعًا، بصرف النظر عن المميزات الفردية أو الشخصية من كون هذا أبيضَ أو هذا أسودَ، أو هذا طويل أو هذا قصير، أو هذا مصريّ والآخر إنجليزي، هذه مفردات أو معان لا قيمة لها، وإنما نريد أن يجرد العقل معنًى كليًّا من هؤلاء الأشخاص، هذا المعنى الكلي يضمهم جميعهم، فنقول: الإنسانية، وكذلك نقول: الحيواني، دلالةً على القرد والحصان والدب، فهذا حيوان وذاك أيضًا حيوان، فنجمعها جميعًا تحت معنى كلي يضمها فنقول: الحيواني.
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
هذه المعاني الكلية اختلف حولها الفلاسفة على أربعة مذاهب: هل لها وجود خارجي، أو ليس لها وجود خارجي؟ هل لها وجود ذهني، أو ليس لها وجود ذهني؟
وهكذا، أربعة مذاهب:
المذهب الأول
يسميه العلماء الفلاسفة أو مؤرخو الفلسفة: مذهب الوجودية المسرفة، كلمة مسرفة أي فيها نوع من التطرف، وأصحاب هذا الرأي قد تأثروا بـ"أفلاطون" ومذهبه في المثل الذي يقرر أن كل معنى في الوجود الأرضي له مثال حقيقي في العالم الأعلى، لذلك ذهب أصحاب هذه المدرسة إلى أن المعاني الكلية لها وجود في الذهن، ولها كذلك وجود في الخارج، وكلمة "لها وجود في الخارج" هذا هو الذي وسمها بأنها مسرفة، بل إن وجودها في الخارج كما يزعمون أقوى وآكد من وجودها في الذهن، بل ذهب بعض أصحاب هذا المذهب في تطرفه إلى أن زعم أن كلمة "عدم" أو كلمة "لا شيء" لها وجود حقيقي في الخارج.
ولأن هذا المذهب تطرف إلى هذا المستوى فقال بما لا يُعقل ولا يقبل، فقد أطلقوا عليه اسم الوجودية المسرفة، أي: المتطرفة في آرائهم.
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
المذهب الثاني
الوجودية المعتدلة: هذه المدرسة أو أصحاب هذا الرأي يرون أن الكليات لها وجود في الذهن ولها كذلك في وجود في الخارج، غير أن وجودها في الخارج مرتبط بأفراد هذا الكلي، ومرتبط بأعراض وصفاتِ أشخاصِ هذا الكلي، فوجود المعاني الكلية مقطوع بأنه في الذهن، وأما وجودها في الخارج فليس بإطلاق، بل وجودها في الخارج مرتبط بأعراض وصفات هؤلاء الأفراد أو هؤلاء الأشخاص، وهذا قول فيه نوع من التطرف أيضًا، لكنه مقبول نوع ما.
المذهب الثالث
الاسمية: وهذا المذهب خُصَّ بهذه التسمية، رغم أن جميع الآراء التي ذكرناها هنا هي في مذهب الاسمية، والمصطلح نفسه اسمه الاسمية، لكن هذا الرأي أو هذا المذهب الثالث خص بتلك التسمية؛ لأنه مبالغ ومتطرف في نفي وجود الكليات، إلى حد أن أصحاب هذا الرأي نفوا وجود الكلية في الخارج، وكذلك نفوا وجودها في الذهن، فقالوا: إن الكلية مثل الإنسانية والحيوانية والنباتية والعدالة وما إلى ذلك، لا وجودَ لها في الخارج، ولا وجود لها كذلك في الذهن، وهنا مناط التطرف الشديد عندهم، أنهم نفوا وجودها حتى في الذهن، ونفيهم وجودها في الذهن من أعجب الأمور، فإن الوجود الذهني أمر ضروري وحتمي لكي نتكلم عن شيء ما، فإذا نفيتَ وجود شيء ما في الذهن فكيف تتكلم عنه؟ كيف تخبر عنه؟ كيف تجعله موضوعًا لحديث لك بينك وبين نفسك أو بينك وبين غيرك؟! إذا نفيت وجود شيء ما في الذهن وفي الخارج أيضًا فمن المستحيل أن تتحدث عنه.
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
المذهب الرابع
مذهب يسمونه الذهنية نسبة إلى الذهن، وقد سمي هذا المذهب بذلك؛ لأنه يقوم على إثبات وجود الكليات ذهنيًّا فقط، وينفي وجودها في الخارج، وقد ظهر هذا المذهب في القرن الرابع عشر الميلادي، وهو يقوم على أساس أن المعاني الكلية موجودة في الذهن كمعانٍ كلية مجردة، لكنها أيضًا موجودة في أفرادها كمعانٍ جزئية في كل فرد فرد، فالإنسانية معنى كلي في الذهن، لكن يبقى مع ذلك موجود في محمد وعلي وزيد باعتبار كل منهم على حِدة إنسانًا، فكأن المعنى الكلي موجود في الذهن، ومنقسم في الخارج على أفراد.
وهذا المذهب في الحقيقة مذهب معتدلٌ جدًّا وواقعيٌ جدًّا، وهذا المذهب الأخير هو الغالب على الفلسفات الحديثة.
المصطلح الرابع: نتكلم عن الفترة الزمنية التي شغلتها العصور الوسطى ابتداءً وانتهاءً
فقد اختلف مؤرخو الفلسفة في المرحلة الزمنية للعصور الوسطى؛ متى بدأت؟ ومتى انتهت؟
اختلف مؤرخو الفلسفة على آراء كثيرة؛ أهمها: ذهب بعض المؤرخين للفلسفة إلى أن العصور الوسطى شغلت مساحة زمنية تقدر بألف سنة تبدأ بسقوط الدولة الرومانية الغربية منتصف القرن الخامس الميلادي، وتنتهي بسقوط القسطنطينية على أيدي الأتراك العثمانيين منتصف القرن الخامس.
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
يعني: هذه الفلسفة فلسفة العصور الوسطى أو العصور الوسطى نفسها التي نتكلم عنها، شغلت مساحة زمنية من منتصف القرن الخامس إلى منتصف القرن الخامس عشر، فاستغرقت عشرة قرون.
ورأي آخر: يرى أن العصور الوسطى تبدأ من القرن السادس وتنتهي في منتصف القرن الخامس عشر، وتكون مدتها تسعة قرون تقريبًا.
ورأي ثالث: يرى أن العصور الوسطى تبدأ من القرن التاسع وتنتهي في القرن الخامس عشر، وتكون مدتها ستة قرون فقط.
هذه آراء المؤرخين.
لكن الذي يغلب عندنا أن العصور الوسطى تبدأ مع بداية القرن الخامس الميلادي وليس في المنتصف، ونحن نؤرخ لها مع ظهور القديس "أوجستين" عندهم الذي عاش بين ٣٥٠ إلى ٤٣٠، مع منتصف القرن الرابع إلى منتصف القرن الخامس تقريبًا، أو حول ذلك.
ملاحظات
الملاحظة الأولى
أن هناك فترةً زمنيةً بين نهاية الفلسفة اليونانية التي انتهت مع بدايات التاريخ الميلادي وبين بداية فلسفة العصر الوسيط التي تبدأ -كما ذكرنا- في القرن الخامس، وهذه فترة تستغرق قُرابة خمسة قرون، لم تحسب هذه الفترة لا مع الفلسفة اليونانية؛ لأنها انتهت مع بداية التاريخ الميلادي، ولا تحسب مع فلسفة العصور الوسطى؛ لأن العصور الوسطى بدأت في القرن الخامس أو منتصف القرن الخامس الميلادي.
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
خمسة قرون بين انتهاء الفلسفة اليونانية وابتداء الفلسفة الوسيطة، أين نضعها؟
الرد على هذا: أن هذه القرون جاءت بعد انتهاء مرحلة الفلسفة اليونانية النشطة، وقد حدث بعدها فترة ركود واضمحلال للفكر الفلسفي الغربي، وقد ركز الفلاسفة في تلك الفترة على نقل الفلسفة اليونانية إلى الفكر اللاتيني أو اللغة اللاتينية، فكان جل عملهم الترجمة، وكان من أشهر هؤلاء المترجمين ومن أوائلهم الخطيب المشهور اليوناني "سشرون" الذي عاش بين سنتي خمس وستين ومائة، وثلاثة وأربعين قبل الميلاد، ١٦٥ إلى ٤٣ قبل الميلاد. وهذا يعني أن حركة نقل الفلسفة اليونانية إلى اللاتينية بدأت قبل التاريخ الميلادي، أي: في فترة مبكرة، ولم تبدأ هذه الحركة إلا حين عمت حركة الركود والجمود.
كذلك كان من أشهر هؤلاء الفلاسفة الذين قاموا بنقل الفلسفة اليونانية إلى اللاتينية الفيلسوف المشهور "ترتليانو" ١٦٥ إلى ٢٢٠ ميلادية، وغير هؤلاء كثيرون.
الملاحظة الثانية
أن فلسفة العصور الوسطى لم تكن فلسفة خالصة، بل كانت نصرانية خالصة اتخذت الفلسفة وسيلةً لتقنع العقل الغربي بعقائده التي لا يقبلها عقل ولا منطق، فقد كانت الفلسفة في هذه العصور الوسطى وسيلة لنشر العقائد النصرانية، وبذلك يكون من الخطأ اعتبار العصور الوسطى عصرًا أو مرحلةً من مراحل الفلسفة الغربية، بل هي مرحلة من مراحل نشر الديانة النصرانية، أو قُلْ: ...
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
... فَرْضُ الديانة النصرانية عن طريق الفلسفة من جانب، ومن جانب آخر وهو الأهم عن طريق القهر والقسر والإكراه.
الحاصل في هذه الفترة الثانية أننا نلفت النظر إلى أن هذه الفترة مرحلة العصور الوسطى، هي مرحلة من مراحل نشر الديانة النصرانية، وهي كذلك لها حظ من التفلسف، لكن اعتبار مرحلة دينية نصرانية أكبر وأجدر من اعتبارها مرحلة فلسفية.
وسوف نوضح ذلك في الملاحظة الثالثة.
الملاحظة الثالثة
إن هذه المرحلة قد ركز رجال الدين النصارى فيها على نشر ديانتهم بوسيلتين:
 |
الوسيلة الأولى: الفلسفة على ما بينا آنفًا، حيث سخروا الفلسفةَ لنشر الديانة النصرانية، ومحاولة إقناع الناس بها، وقد بينا أن الفلسفة في العصور الوسطى لم يكن لها مكان إلا المدارس التي تنشئها الكنائس، ويشرف عليها رجال الدين النصارى، وكانت مهمتها تخريج فلاسفة نصارى ينصرون النصرانية بالفلسفة، لذلك سميت الفلسفة في ذلك العصر -كما ذكرنا- بالفلسفة المدرسية. |
 |
الوسيلة الثانية: محاكم التفتيش، محاكم التفتيش وتلك كانت من أسود النقاط في تاريخ الكنيسة، بل في تاريخ الغرب كله وتاريخ النصرانية أيضًا، رغم النقاط السوداء التي تملأ ثوب التاريخ الكنسي النصراني، فهذه المحاكم هي أسود النقاط بإطلاق. |
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
والمحاكم كانت هي نهاية المطاف لمراحل كثيرة كلها سوداء مخزية فاضحة للكنيسة ورجالها، وقد حرَّم رجال الدين النصارى التفكير الحر، وكذلك حرموا فهم شيء من مصادرهم المقدسة العهد القديم والعهد الجديد، إلا حسب شروح الآباء والقساوسة، كذلك حرموا التفكير العلمي الذي يعارض ما يراه رجال الدين النصارى، لذلك أعدموا الآلافَ من العلماء حرقًا؛ بسبب نظرياتهم العلمية عن طريق محاكم التفتيش الشهيرة هذه.
ومن أشهر العلماء الذين أعدمتهم تلك المحاكم حرقًا العالم الفلكي الشهير "كوبارنيقوس" وكادوا أن يحرقوا "جاليليو" لولا أنه أعلن خطأه وتاب عنه بالطريقة التي أرضتهم عنه في ذلك الزمان.
الملاحظة الرابعة
العصور الوسطى كانت في بلاد الغرب تسمى العصور الوسطى المظلمة؛ لانتشار الجهالة، والأمراض، والجهل والغباء في هذه الفترة والظلم الشديد الذي كان يقع على الشعوب بين فلقتي الرحى من الملوك والإقطاعيين من جانب، ورجال الكنيسة من جانب آخر، كانت هذه العصور مظلمة فعلًا، لكن كانت في العالم الإسلامي مضيئة نيرة، أضاءها الإسلام، وأنارها العلماء المسلمون الذين فتحوا مغاليق العلم في ذلكم الزمان بجميع مجالاته في الرياضة، والكيمياء، والفيزياء، والبصريات، والطب، والفلك، والهندسة، في كل شيء، إلى آخر تلك المجالات التي كان العلماء المسلمون يخطون فيها خطوات واسعة، بينما الغرب تسربله ظلماتُ الجهالة والتخلف.
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
أمثلة للفلسفة في هذه المرحلة من مراحل الفلسفة الغربية: "أوغستين"
قد آن لنا أن نأخذ أمثلة للفلسفة في هذه المرحلة من مراحل الفلسفة الغربية.
وقد عرفنا أن هذه مرحلة تبلغ من الزمان ألف عام تقريبًا، أو أقل قليلًا، وقد ظهر فيها من الفلاسفة أعداد يصعب حصرها، ومن النظريات والآراء الشيء الكثير، لكن الذي يخفف من العبء أن هؤلاء الفلاسفة الكثيرين وفلسفاتهم يغلب عليها طابع واحد تقريبًا، هو الفلسفة المدرسية، وما دامت الفلسفة فيها مدرسية فهذا يعني أن حرية الفكر مفقودة، والفلاسفة وتلامذتهم محكومون بمناهج جامدة وضعها وأشرف على تنفيذها رجالُ الدين النصارى، وهذا التشابه الذي يقرب من التماثل يخفف من عبء اختيارنا مثالين أو ثلاثة من الفلسفة ومن الفلاسفة نعرف من خلالها الطابع العام للفلسفة الغربية في العصر الوسيط.
أول مَن نأخذ من الفلاسفة في العصر الوسيط كمثال هو القديس "أوغستين" ٢٥٤ - ٣٠٣:
لقد اخترنا أن نأخذ أول فيلسوف له وزنه في العصور الوسطى كلها، وله فلسفته التي سنجد فيها جميع الخصائص التي تكلمنا عنها في فلسفة العصر الوسيط، اخترنا هذا الفيلسوف، لإن جميع تلك الخصائص والملاحظات التي تكلمنا عنها نجدها واضحةً غايةَ الوضوح في فلسفة "أوغستين".
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
أولًا: حياه "أوغستين"
كانت أسرته تعيش في المغرب العربي في المنطقة التي تشغلها الجزائر الآن، وكان أبوه وثنيًّا يعبد الأوثان المنتشرة في تلك المنطقة، وكانت أمه نصرانية، يعني: ولد من أب وثني وأم نصرانية. أما "أوغستين" نفسه فقد ولد بمدينة صغيرة اسمها "طاجسته" من أعمال مدينة اسمها "نوميديا" وهذه المدينة يشغل مكانها الآن سوق "الأخرس" من أعمال الجزائر. يعني: هذه المنطقة كلها من أعمال الجزائر الآن.
ولما ولدته أمه سارعت بتسجيله في الكنيسة التابعة لها؛ لكي يعمد نصرانيًّا تابعًا لها في الديانة، وقد سارعت حتى لا ينشئه أبوه وثنيًّا مثله، وبعد قليل عمدته الكنيسة نصرانيًّا، وتعلم اللاتينية وبرع فيها حتى إنه افتتح مدرسةً لتعليم البلاغة والبيان باللاتينية، وهو في التاسعة عشرة من عمره، وذلك بعد أن انتقل إلى روما واستقر فيها.
ثانيًا: اعتقد "أوغستين" المانوية -ديانة ماني الفارسي- معتقدًا أن هذه الديانة أفضل من النصرانية
وذلك بعد أن قرأ العهد القديم -توراة اليهود- فلم يقتنع منه بشيء، وكذلك قرأ العهد الجديد الذي هي رسائل النصارى لم يجد فيها شيئًا يفهمه، لكنه أخذ يختلف إلى إحدى الكنائس التي كان يلقي العظة فيها رجل بليغ مؤثر، فانجذب إليه الفيلسوف بعد أن أعجبه أسلوبه، ومن ثم ترك المانوية وواظب على الكنيسة أكثر من سنتين، لكنه دخل في مرحلة من الشك متحيرًا بين المانوية التي كفر بها والنصرانية التي لم يقتنع بعقائدها، وإن كان مشدودًا إلى أحد القساوسة، لكنه لم يجد ذلك مقنعًا، فوقع في الشك وظل على ذلك زمانًا.
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
ثالثًا: تعاون كثير من القساوسة ورجال الدين النصارى على إقناعه بالنصرانية التي ربما وجدها أفضلَ الشرور الثلاثة
الشرور الثلاثة هذه هي الوثنية التي يدين بها أبوه، أو المانوية التي كان يدين بها هو ثم كفر بها وتركها، أو النصرانية التي وجد لها كنيسة ورجال دين يعتنقون هذا الدين ويعتنون به هو شخصيًّا، ويحرصون على اقتناصه وجذبه إليهم؛ لما رأوا من ذكائه ونضجه، فأملوا فيه خيرًا وسندًا لهذا الدين النصراني، وكان أن ركد إلى النصرانية مستريحًا من الشك قليلًا.
ثم جاءت المرحلة الحاسمة في حياته، حيث ذهب وجماعة من أصحابه إلى الريف حيث قضوا هناك بضعة أشهر يبحثون ويفتشون ويتناقشون، ثم في هذه الرحلة سمع عن الرهبان الذين يعيشون في مصر يعانون حرمانًا وفقرًا، ومع ذلك يصبرون ويضحون من أجل النصرانية، فكانت نهاية المطاف بالنسبة إليه هذا الحدث.
وكان أن ذهب إلى أحد القساوسة الذي يسمى القديس "إنبرواس" وقبل منه المعمودية أي: هذا الرجل القديس عمده نصرانيًّا للمرة الثانية، معتبرًا أن المرة الأولى لم تكن صحيحة؛ لأنه لم يكن مقتنعًا، وقد كان تعمده على يد "إنبرواس" في سنة الثالثة والثلاثين، وقد بدأ عهده مع النصرانية بعد أن تعمد على يد "إنبرواس" وقد بدأ من ذلك الوقت عمله فعاد إلى قريته التي ولد بها التي هي "طاجسته" وعاش ومعه بعض أصدقائه عيشة الرهبان ثلاث سنين، ثم عين كاهنًا ثم مات الأسقف بعد خمس سنين، فاختاره الشعب أسقفًا، ثم مات هو شخصيًّا بعد خمس وثلاثين سنة في الأسقفية.
هذه حياة "أوغستين" ولا يهمنا منها كثيرًا.
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
فلسفة "أوغستين"
لقد أطلنا التفصيل في حياة أوغستين لكي نصل في النهاية إلى ما أشرنا إليه قبلًا من أن فلاسفة العصور الوسطى، كانت فلسفتهم ونصرانيتهم شيئًا واحدًا، وأنهم سخروا فلسفتهم لخدمة النصرانية، وإقناع الناس بعقائدها المناقضة للعقل و الفكر.
وذلك ما سنجده واضحًا في فلسفة الرجل التي نوجزها فيما يلي:
لقد بان لنا من تفاصيل حياة الرجل أنه تقلب بين الكثير من الأديان، ولم يستقر على واحدة من هذه الأديان أو الديانات الوضعية، بين الوثنية ديانة أبيه، وبين المانوية، ثم النصرانية، وأنه حين دخل النصرانية هاجمته نوبة شك عنيفة ظلت معه طويلًا، ولم يتخلص منها إلا تحت ضغوط من أصدقائه ورجال الكنيسة الذين ساعدوه في محنته، ثم هرب إلى الرهبنة ثلاث سنين.
وينبغي أن نلاحظ هنا: أن الرهبنة ضد الفلسفة أو نقيض الفلسفة؛ لأن الرهبنة إسلام الإنسان نفسه إلى حالة وجدانية عاطفية بعيدة تمامًا عن الجانب العقلي، والتحاور الفكري، بينما الفلسفة تعتمد على العقل والفكر اعتمادًا أصيلًا، وهذا يعني أن انخراط الرجل "أوغستين" في الرهبنة لا تفسير له إلا أنه قد يأس من الاقتناع أو اليقين العقلي بهذه الديانة النصرانية، فلم يجد بُدًّا من أن يقذف بنفسه في تيار الرهبنة ملغيًا عقله وفكره، يائسًا من أن يقنع عقله بشيء من عقائد النصرانية، كما سيتضح ذلك أكثر حين ننظر في فلسفة الرجل ونتعمق فيها بحول الله تعالى.
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
يقرر الرجل "أوغستين" أن العقائد الإيمانية لا بد أن تكون مدركة بالعقل، وهذا جيد، لكن الرجل كأي رجل دين نصراني، يعرف أن عقائده لا يقبلها عقل، يقول: إن لم تكن العقائد الإيمانية مدركة في ذاتها كالحقائق العلمية، فيكفي فيها أن تكون مؤيدة بشهادة شهود جديرين بالتصديق، هؤلاء الشهود هم الرسول والشهداء. وإذًا فالرجل يقر بأن إدراك العقائد النصرانية بالعقل والاقتناع بها أمرٌ مستحيلٌ، ومن ثَم انتقل إلى طريقة أخرى، فقال: إذا استحال إدراكها والاقتناع بها عقلًا، فإنه يكفي في الاقتناع بها شهادة الشهود كالرسول مثلًا، وهو يعني بالرسول هنا "بولس" الرسول، ذلكم الكذَّاب الذي كان اسمه "شاؤول" اليهودي، ثم سمى نفسه "بولس" الرسول.
فآل الأمر بشهادة "أوغستين" إلى أن العقل عاجز عن الاقتناع بعقائد النصرانية حيث لا يمكن الاقتناع بها، والحل أن يكتفوا هم بشهادة الكذاب الأساس "بولس"؛ لكي يقتنع بها هؤلاء النصارى، يكفي فيها شهادة "بولس"، فإذا كان "بولس" هو الكذاب الأول في هذا فكيف يأخذون بشهادته؟
يقرر الرجل "أوغستين" أن العقل يمكن أن يكون مقدمة للإيمان -أي: سابقًا للإيمان- وهذا جيد، لكن الرجل يقول: العقل يقنع صاحبه بوجوب الإيمان وليس بموضوع الإيمان، يعني: هذا تصريح خطير جدًّا للرجل، إن الرجل يقرر أن العقل لا بد أن يسبق الإيمان، لكن العقل لا يبحث في العقائد الإيمانية، وإنما يبحث في وجوب الإيمان، وليس في الموضوع، أي: إن العقل يقرر أن الإنسان لا بد أن يؤمن بدين ما، ولا يجوز أن يعيش ملحدًا، فالعقل يوجب ذلك ، فوجوب الإيمان بدين ما قضيةٌ عقلية مسلمة،
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
أما عن موضوع الإيمان الذي هو عقائد النصرانية، فالرجل ينفي دور العقل فيها تمامًا، ويقرر أنها لا صلةَ لها بالعقل، وهذا معنى قول الرجل: إن العقل سابق على الإيمان يقنع صاحبه بوجوب الإيمان، وليس بموضوع الإيمان، فموضوع الإيمان لا صلة له بالعقل عند النصرانية.
فيما يتصل بموضوع الإيمان وهو عقائد النصرانية، يقرر الفيلسوف "أوغستين" أن الإيمان هنا يسبق العقل، وأن قضية الإيمان بالنصرانية وعقائدها لا تخضع للعقل؛ لأن هذه العقائد فوق مستوى العقل، ومن ثَم فلا مجال للعقل هنا، وإنما يؤمن المرء بالنصرانية دون أن يعقل أو يدرك أو يفهم تلك العقائد التي يؤمن بها. ولذلك قال الفيلسوف قاعدته الشهيرة: آمِن كي تعقل، يعني: آمن أولًا دون أن تعقل، ثم بعد ذلك تعقل، يقول الرجل: آمِنْ أولًا بالنصرانية دون فهم أو عقل، أو حتى دون أدنى إدراك لِمَا تؤمن به؛ لأن الإنسان هنا سائمة أو بهيمة تجر من أذنها لتؤمن بشيء لا تفهمه ولا تعقله، و"أوغستين" ليس أول من قال هذا، وإنما قاعدتهم الشهيرة التي يقولون فيها عن عقائد النصرانية: إنها للاعتناق وليست للاقتناع، ويقولون: آمَن أولًا يرزقك الرب اليقين، ويقولون: على قدر إيمانك يرزقك الرب اليقين.
لقد كان "أوغستين" -الذي جعله النصارى قديسًا- متعصبًا لبني إسرائيل، ثم للنصرانية تعصبًا مقيتًا كريهًا، وكان في ذلك يكرر عقيدة اليهود عن كونهم شعب الله المختار، أو كما ذكر القرآن عن اليهود والنصارى: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)) [المائدة: ١٨].
١.٧ المصطلحات الخاصة بفلسفة العصر الوسيط، أو فلسفة العصور الوسطى
كذلك الرجل إلى هذا ذهب، حيث قسَّم البشر منذ آدم إلى قسمين أو كما يقول: مدينتين، هذان القسمان أو المدينتان كانت من "قايين" إلى إبراهيم الخليل- قايين هو قابيل بن آدم- مدينة واحدة، ويقول: كان الناس فيها جنسًا واحدًا، لكن منذ جاء إبراهيم -عليه السلام- أبو المؤمنين -يقصد أبا اليهود والنصارى كما يقول الرجل- بدأت المدينتان تتمايزان كالآتي:
المدينة السماوية يمثلها بنو إسرائيل، والمدينة الأرضية يمثلها باقي البشر الذين يجب أن يكونوا في خدمة بني إسرائيل.
هكذا ذهب الرجل الذي يسمونه قديسًا! وقديس هذه لا تعني عندنا إلا أنه قد أغلق عقلَه وقلبَه تمامًا، ووقع فريسةَ دينٍ أو عقائد باطلة فاسدة.