١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


الجملة المجاب بها القسم
القسم في اللغة: هو اليمين بالله وغيره، وقد يأتي صريحًا في الكلام، وقد يكون مقدرًا تدل عليه قرينة لفظية، وفي كلتا الحالتين تكون الجملة الواقعة في جوابه لا محل لها من الإعراب.

جواب القسم الصريح
من شواهده قوله تعالى: ((يس, وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ, إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)) [يس: ١-٣], وقوله تعالى: ((وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)) [الأنبياء: ٥٧] وقوله تعالى: ((وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)) [النحل: ٣٨] وقوله تعالى: ((وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ)) [الروم: ٥٥].
والقسم الصريح هو الذي يتصدر الكلام فيه ما يفيد الحلف، بأي لفظ كان، وسواء ذكر المحلوف به أو لم يذكر، فالجمل ((إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)) [يس: ٣], و((لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)) [الأنبياء: ٥٧], و((لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)) [النحل: 38], و((مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ)) [الروم: ٥٥] لا محل لها من الإعراب؛ لأنها واقعة جوابًا للقسم الصريح، ومن شواهد القسم الصريح أيضًا قول امرئ القيس:
حلفت لها بالله حلفة فاجر
لناموا فما من حديث, ولا صال

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


وقول زهير:
يمينًا لنعم السيدان وجدتما
على كل حال من سَحيل ومبرم
وقول طرفة:
وآليت لا ينفك كشحي بِطانة
لعَضْب رقيق الشفرتين مهند
وقول زفر بن الحارث:
لعمري, لقد أبقت وقيعة راهط
لمروان صدعًا بيننا متنائيا
فالجمل: لناموا، ولنعم السيدان، ولا ينفك كشحي، ولقد أبقت وقيعة راهط، لا محل لها من الإعراب؛ لأنها واقعة جوابًا للقسم الصريح في تلك الشواهد.

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


جواب القسم المقدر
يكون القسم مقدرًا إذا لم يتقدم في الكلام ما يفيد الحلف، لكن وجدت فيه قرينة تدل عليه, وهي أحد أمرين:
الأمر الأول: اقترانه باللام الموطئة لجواب القسم.
والأمر الثاني: وجود الفعل المثبت المستقبل، المتصل بنون التوكيد, المقترن بلام التوكيد.
ومن شواهد الأول قول النابغة:
لئن كنتَ قد أُبلغت عني رسالة
لمبلغك الواشي أغش وأكذب
وقول جرير:
لمن راقب الجوزاء, أو بات ليله
طويل لليلي بالمجازة أطول
وقول القَطامي:
ولما رزقت ليأتينك سَيبه
جَلْبًا, وليس إليك ما لم ترزق

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


وقول الشاعر:
لمتى صلحت ليقضين لك صالح
ولتجزين إذا جزيت جميلا
فالقسم في هذه الشواهد مقدر, كأن الشاعر يقول: أقسم بالله لكذا وكذا، ويدل عليه هذه اللام التي تصدرت الكلام، وفي البيتين الأخيرين دل على القسم المقدر أيضًا: الفعل المضارع المثبت المستقبل، المتصل بنون التوكيد، والمقترن بلام التوكيد، فالجمل: لمبلغك الواشي أغش، ولليلي بالمجازة أطول، وليأتينك سيبه، وليقضين لك صالح، كلها لا محل لها من الإعراب؛ لأنها واقعة جوابًا للقسم المقدر.
ومن الشواهد التي دل فيها الفعل الموصوف بما ذكر على القسم المقدر, قوله تعالى: ((كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ)) [الهمزة: ٤], وكأن التقدير: والله لينبذن، ومنها قول الشاعر:
لأستسهلنّ الصعب, أو أدرك المنى
فما انقادت الآمال إلا لصابر
فكأنه يقول: والله لأستسهلن الصعب، فجملة: ((لينبذن)) ولأستسهلن لا محل لها من الإعراب؛ لأنها واقعة في جواب القسم المقدر.

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


والجملة المجاب بها القسم قد تكون جوابًا لقسم خفي يفهم من الكلام, كما في جملة: ((لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ)) [البقرة: ٨٣] بعد قوله تعالى: ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)) [البقرة: ٨٣], فهي جواب لقسم تضمنه أخذ الميثاق.
ومثلها جملة: ((لَتَأْتُنَّنِي بِهِ)) [يوسف: ٦٦] بعد قوله تعالى: ((قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ)) [يوسف: ٦٦], وجملة: ((إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ)) [القلم: ٣٩] بعد قوله تعالى: ((أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) [القلم: ٣٩] لأن الأيمان جمع يمين وهو القسم.
ومن قبيل ذلك قوله تعالى: ((ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)) [يوسف: ٣٥] فإن الفعل ((بدا)) يتضمن قسمًا لإفادته التحقق؛ فلهذا أجيب بما يجاب به القسم. ومن ذلك قول الشاعر:
أرى مُحْرِزًا عاهدته ليوافقن
فكان كمن أغريته بخلاف
فإن الفعل عاهد يتضمن قسمًا، وكذلك الفعل علمت بمعنى أقسمت في قول لبيد:
ولقد علمت لتأتين منيتي
إن المنايا لا تطيش سهامها

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


قول ثعلب في جملة القسم
نقل ابن هشام عن ثعلب أنه قال: "لا تقع جملة القسم خبرًا، وإن بعض النحويين قال في تعليل ذلك: لأن نحو "لأفعلن" لا محل له، فإذا بني على مبتدأ فقيل: زيد ليفعلن، صار له موضع".
ثم رد ابن هشام هذا التعليل ووصفه بأنه ليس بشيء؛ لأن ما يذهب إليه ثعلب هو منع وقوع الخبر جملة قسمية، كأن تقول: زيد والله لأكرمن، فمراده أن القسم وجوابه لا يكونان خبرًا، والقسم وجوابه يمكن أن يقعا في موقع يكون لهما فيه محل من الإعراب، نحو: قال زيد أقسم لأفعلن كذا، فهو هنا في محل نصب.
وفي تعليل منع وقوع الجملة القسمية كلها خبرًا تعليلان:

الأول
أن هذه الجملة قد تخلو من ضمير يعود على المبتدأ، نحو: زيد والله لأكرمن عمرًا.


١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


الثاني
أنها جملة إنشائية، والجملة الإنشائية لا تقع خبرًا عند جماعة من النحويين، فلا يقال عندهم: زيد اضربه ولا زيد هل جاءك، وقد رد ابن مالك قول ثعلب المذكور بأن السماع ورد بما منعه، كما في قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ)) [العنكبوت: ٩], وقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا)) [العنكبوت: ٥٨], وقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)) [العنكبوت: ٦٩].

بيان ما وقع لمكي وأبي البقاء في هذه الجملة
ذكر ابن هشام في هذا الموضع أن مكيًّا وأبا البقاء وقع لهما وهم -أي غلط- في جملة الجواب، فأعرباها إعرابًا يقتضي أن لها موضعًا -أي محلًّا- من الإعراب، وبيان ذلك أن مكيًّا قال في قوله تعالى: ((كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ)) [الأنعام: ١٢]: "إن ((ليجمعنكم)) بدل من ((الرحمة)), وهذا يقتضي أن جملة جواب القسم لها محل من الإعراب هو النصب؛ لأنها بدل من منصوب".
وإنما كان ذلك غلطًا منه؛ لأنه صرح بأن اللام في هذه الجملة لام جواب القسم، فهي جواب قسم مقدر أو جواب لكتب؛ لإجرائه مجرى فعل القسم، وعلى هذا لا يكون لها محل من الإعراب، ولا يصح إعرابها بدلًا من الرحمة.

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


أما أبو البقاء, فإنه قال في قوله تعالى: ((لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ)) [آل عمران: ٨١]: "من فتح اللام ففي ما وجهان: أحدهما أنها موصولة مبتدأ، والخبر إما من كتاب، أي: للذي آتيتكموه من الكتاب، أو لتؤمنن به واللام جواب القسم؛ لأن أخذ الميثاق قسم". ووجه الغلط عنده: أنه جوز كون جملة ((لتؤمنن به)) خبرًا عن ما، مع تقديره لها جوابًا للقسم المعبر عنه بأخذ الميثاق، وهذا يقتضي أن لها موضعًا هو الرفع على الخبرية، وأنها لا موضع لها من جهة أنها جواب قسم، والصواب أن يقدر جملة قسم محذوفة تكون جملة ((لتؤمنن به)) جوابًا لها، ويكون مجموع الجملتين خبرًا عن ما، ولا مانع أن يكون مجموع جملتي القسم والجواب له محل من الإعراب.

الجملة الواقعة جوابًا لشرط غير جازم، أو لشرط جازم ولم تقترن بالفاء ولا بإذا الفجائية
المقصود بالشرط غير الجازم أدوات الشرط التي لا تجزم، وأشهرها ست أدوات وهي: لو، ولولا، ولوما، وإذا، ولما، وكيف. وفيما يلي شواهد لجواب هذه الأدوات: شاهد "لو" قول الله عز وجل: ((وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا)) [السجدة: ١٣], وقول الشاعر:
ولو كان حمد يخلد الناس لم تمت
ولكن حمد الناس ليس بمخلد
فالجملتان ((لآتينا)), ولم تمت لا محل لهما من الإعراب؛ لأنهما جواب لشرط غير جازم, وهو لو.

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


شاهد "لولا" قوله تعالى: ((لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)) [سبأ: ٣١], وقول الشاعرة:
فوالله لولا الله تخشى عواقبه
لزعزع من هذا السرير جوانبه
فالجملتان ((لكنا مؤمنين)), ولزعزع جوانبه لا محل لهما من الإعراب؛ لأنهما جواب لشرط غير جازم, وهو لولا.
وشاهد "لوما" قول الشاعر:
لوما الإصاخة للوشاة لكان لي
من بعد سخطك في رضاك رجاء
فجملة لكان لي رجاء لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب لشرط غير جازم, وهو لوما.
شاهد "إذا" قوله تعالى: ((ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)) [الروم: ٢٥], وقول مجنون ليلى:
فيا ليلى كم من حاجة لي مهمة
إذا جئتكم بالليل, لم أدر ما هي
فالجملتان ((إذا أنتم تخرجون)), ولم أدر ما هي، لا محل لهما من الإعراب؛ لأنهما جواب لشرط غير جازم وهو إذا.

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


شاهد "لما" قوله تعالى: ((فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)) [البقرة: ٨٩], وقول كثير:
وكنا عقدنا عُقدة الوصل بيننا
فلما توافقنا, شددتُ وحلتِ
فالجملتان ((كفروا به)), وشددت، لا محل لهما من الإعراب؛ لأنهما جواب شرط غير جازم وهو لما.
وأما "كيف" فيمثل لها النحويون بنحو: كيف تصنع أصنع، وفي هذا المثال يكون جملة أصنع لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب شرط غير جازم, وهو كيف.
وجواب الشرط الجازم الذي لم يقترن بالفاء، أو إذا الفجائية, المقصود به الجملة الواقعة جوابًا لإحدى أدوات الشرط الجازمة، وهي إحدى عشرة أداة، جمعها ابن مالك في قوله:
واجزم بإن ومن وما ومهما
أي متى أيان أين إذما وحيثما أن
فهذه الأدوات إذا كان جوابها جملة لم تقترن بالفاء أو بإذا الفجائية، كانت من الجمل التي لا محل لها من الإعراب؛ لأن الفعل فيها إن كان مضارعًا جزم وظهر عليه الجزم، وإن كان ماضيًا حكم على موضعه بالجزم لكونه مبنيًّا.

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


مثال المضارع: إن تجلس أجلسْ, ومثال الماضي: إن قمت قمت، فجملة أجلس من الفعل وفاعله المستتر لا محل لها من الإعراب، وكذلك جملة قمت الواقعة جوابًا لإن، وقد تقدمت شواهد الجزم بهذه الأدوات في إعراب الفعل.
ويدخل في هذا الموضع الفعل المضارع المجزوم في جواب الطلب نحو: زرني أكرمك, ولا تدن من الأسد تسلم؛ وذلك لظهور الجزم في الفعل، فتكون جملة الفعل وفاعله لا محل لها من الإعراب، وأما الجملة الواقعة جوابًا لشرط جازم، وقد اقترنت بالفاء أو إذا الفجائية، فهي من الجمل التي لها محل من الإعراب، ومحلها الجزم -كما سيأتي تفصيله.

الجملة الواقعة صلة لاسم أو حرف
وهي الجملة التي تكون صلة لاسم موصول أو حرف مصدري، فهذه الجملة لا محل لها من الإعراب؛ لعدم صحة حلول المفرد محلها، والأسماء الموصولة ستة عشر اسمًا وهي: الذي والتي, واللذان واللتان, والذين والأُلى, واللواتي واللائي واللاتي، وأل ومن وما, وذا وذو, وأي وأية، ولهذه الأسماء في الكلام موضع من الإعراب بحسب موقعها الإعرابي, وأما الجمل التي تقع بعدها فهي صلة لها ولا محل لها.

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


وقد ذكر ابن هشام أن بعض المعربين كان يلقن أصحابه أن يقولوا: إن الموصول وصلته في موضع كذا، محتجًّا بأنهما ككلمة واحدة، والصواب أن صاحب الموضع هو الموصول وحده؛ بدليل ظهور الإعراب عليه أحيانًا كما في نحو: ليقم أيهم في الدار، ولألزمن أيَّهم عندك، وامرر بأيِّهم هو أفضل، وفي التنزيل: ((رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا)) [فصلت: ٢٩], وقرئ "ثم لننزعن من كل شيعة أيَّهم أشد" بنصب أيهم. وقال الشاعر:
إذا ما لقيت بني مالك
فسلم على أيِّهم أفضل
وقال الشاعر الطائي:
فإما كرام موسرون لقيتهم
فحسبي من ذي عنده ما كفانيا
فجاءت ذو بالياء لجرها بمن، وذلك في لغة من يعربونها من طيئ.
وقال الشاعر العقيلي:
نحن اللذون صبحوا الصباحا
يوم النخيل غارة ملحاحا
فجاء اللذون مرفوعًا على أنه خبر نحن في لغة من أعرب اللذين، وجملة صبحوا لا محل لها صلة الموصول.

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


ومن شواهد هذا الموضع قوله تعالى: ((أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ)) [الماعون: ١] وقوله: ((وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ)) [يوسف: ٢٣], وقوله: ((رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا)) [فصلت: ٢], وقوله تعالى: ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)) [النساء: ٢٣] وقوله تعالى: ((وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ)) [الطلاق: ٤].
والموصولات الحرفية التي توصل بجملة لا محل لها من الإعراب خمسة أحرف، وهي: أن وما وكي ولو وأنّ المكفوفة بما، وهذه الأحرف يؤول كل واحد منها مع ما بعده بمصدر، يعرب إعراب المفردات بحسب موقعه في الكلام، أما الجملة التي تلي الحرف فلا محل لها من الإعراب لأنها صلته.
مثال "أنْ" قول معن بن أوس:
يحاول رغمي لا يحاول غيره
وكالموت عندي أنْ يحل به الرغم
و"أنْ" والجملة بعدها في تأويل مصدر مرفوع على أنه مبتدأ مؤخر، وتقديره: حلول الرغم به كالموت عندي، وهذه الجملة نفسها وهي قوله: يحل به الرغم، لا محل لها من الإعراب صلة لأن.

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


ومثل هذا قوله تعالى: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)) [الحديد: ١٦] لكن المصدر المؤول في الآية فاعل للفعل ((يأن))، والتقدير: ألم يأن للذين آمنوا خشوع قلوبهم، والجملة ((تخشع قلوبهم)) لا محل لها من الإعراب صلة لأن المصدرية.
ومثال "ما" قوله تعالى: ((عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ)) [التوبة: ١٢٨] فجملة ((عنتم)) لا محل لها من الإعراب صلة "ما"، و"ما" والجملة بعدها في تأويل مصدر مرفوع على أنه مبتدأ مؤخر، والتقدير: عزيز عليه عنتكم.
ومثله قول قريط بن أنيف:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهان
فجملة: قال، لا محل لها من الإعراب صلة "ما" المصدرية، و"ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بعلى أي: على قوله.
وقد تتضمن "ما" المصدرية معنى الزمان, إذا أضيف إليها اسم زمان ثم حذف، كما في قوله تعالى: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) [التغابن: ١٦] والمعنى: زمن استطاعتكم، و"ما" وما دخلت عليه في تأويل مصدر منصوب على الظرفية؛ لقيامه مقام الزمان المحذوف، وجملة ((استطعتم)) لا محل لها لأنها صلة له.

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


ومثال "كي" المصدرية قوله تعالى: ((لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ)) [الحديد: ٢٣], وهي تؤول مع الفعل بعدها بمصدر يعرب بحسب موقعه الإعرابي، وأما الجملة بعدها فلا محل لها من الإعراب لأنها صلة لها.
ومثال "لو" المصدرية قوله تعالى: ((وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)) [القلم: ٩], وقول قُتَيْلة بنت النضر:
ما كان ضرك لو مننت وربما
مَنّ الفتى, وهو المَغِيظ المحنق
فالجملتان ((تدهن)), ومننت لا محل لهما من الإعراب؛ لأنهما صلة "لو" المصدرية.
ومثال "أنّ" المكفوفة بما قوله تعالى: ((يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)) [الكهف: ١١٠], فجملة ((إلهكم إله واحد)) صلة الموصول الحرفي أنّما، وهذه الجملة لا محل لها من الإعراب؛ لأن "أنّ" لم تنسخ المبتدأ والخبر فيها، وأشبهت أنْ في كونها مصدرية فحسب.
وأما "أنّ" التي لم تكف بما، فالمنصوب والمرفوع بعدها لا يكونان جملة، بل يكون المنصوب اسمًا لها والمرفوع خبرًا لها؛ لأنها تنسخ حكم المبتدأ والخبر إذا دخلت عليهما، فلا يكونان جملة كما كانا قبل دخولها، ويكونان معها في تأويل مصدر.
هذا، ويلحق عندي بهذه الجمل كل جملة وقعت بعد حرف يؤول معها بمصدر، ولو كان مضمرًا أو ليس حرفًا مصدريًّا.

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


مثال المضمر جملة ((يظلمهم)) في قوله تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ)) [العنكبوت: ٤٠], فأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود في الآية، وهي تؤول مع الفعل بمصدر مجرور باللام، وجملة الفعل لا محل لها من الإعراب, ومثل ذلك جميع المواضع التي تضمر فيها أن وجوبًا أو جوازًا.
ومثال ما ليس حرفًا مصدريًّا همزة التسوية؛ لأنها حرف استفهام أُشْرِب معنى التسوية، فأصبح معناه الخبر، وهي تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، وجملة الفعل وفاعله بعدها لا محل لها من الإعراب، كجملة ((أنذرتهم)) في قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)) [البقرة: ٦], وتقدير هذه الآية: مستوٍ عليهم إنذارك, وعدم إنذارك.

الجملة التابعة لجملة لا محل لها
المفرد التابع لما قبله إما أن يكون نعتًا, أو توكيدًا، أو معطوفًا عطف بيان، أو معطوفًا عطف نسق, أو بدلًا، فالنعت نحو: زارني رجل كريم، والجملة لا تكون نعتًا لجملة أخرى؛ لأن الجملة لا توصف، والتوكيد نحو: زارني رجل رجل، ونجح الطلاب كلهم، والتوكيد في الجمل لا يكون إلا لفظيًّا؛ ولهذا قيل: إن الجملة التي تأتي تأكيدًا إنما هي تكرار لا صلة له بالإعراب، فلهذا تدخل في الجمل التي لا محل لها من الإعراب.

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


ومن شواهد ذلك قول المأمون:
لك الله على ذاك
لك الله لك الله
وقول إبراهيم بن سفيان:
ألا حبذا حبذا حبذا
حبيب تحملت فيه الأذى
وقول أبي الفرج الساوِي:
هي الدنيا تقول بملء فيها
حذار حذار من بطشي وفتكي
فالجمل المكررة في هذه الشواهد جمل لا محل لها من الإعراب؛ لأنها تكرار لا صلة له بالإعراب، وقياسًا على المفرد المكرر بلفظه فإنه لا محل له من الإعراب، فنحن نقول في إعراب: زارني رجل رجل، رجل الأول: فاعل مرفوع، والثاني: توكيد لفظي له لا محل له من الإعراب.
ويرى أبو حيان وجماعة أن الجملة المؤكِّدة تابعة لما تؤكده، فإن كان المؤكَّد لا محل له كجملة: لك الله، كانت الجملة المؤكِّدة لا محل لها، وإن كانت المؤكَّدة لها محل مثل: حذار، كانت المؤكِّدة محلها مثلها.

١٤.٢ الجملة المجاب بها القسم, والواقعة صلة لاسم أو حرف, وغيرهما


وأما عطف النسق فتأتي فيه الجملة معطوفة على جملة، وإذا كانت الجملة المعطوف عليها لا محل لها من الإعراب، كانت الجملة المعطوفة كذلك، ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ((مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)) [البقرة: ١٠٦] فجملة ((ننسها)) لا محل لها من الإعراب، ومثلها جملة أترك في قول أبي محجن:
كفى حزنًا أن تُطْرَد الخيل بالقنا
وأُتْرَك مشدودًا عليّ وثاقي
والبدل وعطف البيان شبيهان ويتحققان في الجمل عند بعض النحويين، والجمهور لم يثبت مجيء الجملة بدلًا، ويشترط في جملة البدل أن تكون أوفى من المبدل منها في تأدية المعنى المراد، وإذا كانت جملة المبدل منها لا محل لها من الإعراب، كانت جملة البدل مثلها في ذلك.
ومن شواهد ذلك جملة ((يضاعف لها العذاب)) بعد قوله تعالى: ((وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا, يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ)) [الفرقان: ٦٨، ٦٩], وجملة ((أمدكم بأنعام وبنين)) بعد قوله تعالى: ((وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ)) [الشعراء: ١٣٢], ومثل ذلك جملة لا تقيمن في قول الشاعر:
أقول له: ارحل لا تقيمن عندنا
وإلا فكن في الجهر والسر مسلما