![]() |
يقال في اللغة: ابتدأ الشيء, وابتدأ به بمعنى: بدأه، والمصدر: الابتداء، والنسبة إليه: ابتدائيّ، ومؤنث ابتدائي: ابتدائية، وعلى هذا فالجملة الابتدائية هي المنسوبة إلى الابتداء أو البدء، وهي التي تقع في بدء الكلام ويبدأ بها الكلام، سواء أكانت اسمية أم فعلية، فالاسمية كقولك: الله ربنا وقولك: محمد نبينا، والفعلية نحو: حضر محمد وسافر بكر، فهذه الجملة لا محل لها من الإعراب؛ لأنها مبدوء بها الكلام، والابتداء وهو العامل المعنوي لا عمل له في غير الأسماء، فلا يعمل في الجملة المركبة من أكثر من كلمة. ثم إن الجملة الابتدائية لا تحل محل مفرد ولا تقدر بمفرد؛ ولهذا لم يكن لها محل من الإعراب. |
![]() |
وابن هشام يطلق على الجملة الابتدائية اسم الجملة المستأنفة، ويرى أن إطلاق هذا الاسم عليها أوضح من الابتدائية؛ لأن الجملة الابتدائية تطلق أيضًا على الجملة المصدرة بالمبتدأ، وهذه قد يكون لها محل من الإعراب، كما في جملة: أبوه حاضر من قولنا: محمد أبوه حاضر. |
![]() |
ومن شواهد الجملة الابتدائية المستأنفة قوله تعالى: ((اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)) [النور: ٣٥], وقوله تعالى: ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)) [الكوثر: ١], والاستئناف في اللغة معناه: الابتداء، وعلى هذا يتساوى في اللغة قولنا: ابتدائية وقولنا: استئنافية؛ ولهذا جعل ابن هشام الابتدائية والاستئنافية جملة واحدة، أطلق عليها الجملة المستأنفة، ثم ذكر أن الجمل المستأنفة نوعان: |
![]() |
هذا، ويرى بعض العلماء المحْدثين, ومنهم صاحب كتاب (جامع الدروس العربية) والدكتور فخر الدين قباوة، جعل كل من الجملة الابتدائية أو المبتدأ، والجملة الاستئنافية أو المستأنفة قسمًا برأسه من أقسام الجمل التي لا محل لها من الإعراب, ويخص القسم الأول بالجمل التي تكون في مفتتح الكلام، ويخص القسم الثاني بالجمل التي تقع في أثناء الكلام منقطعة عما قبلها؛ لاستئناف كلام جديد. وقال الدكتور فخر الدين قباوة: "لا بد أن يكون قبلها -يعني الجملة الاستئنافية- كلام تام، وقد تدخل عليها أحرف الاستئناف كالواو والفاء، وثم وحتى الابتدائية, وأم المنقطعة، وبل التي هي للإضراب الانتقالي، وأو التي هي بمعنى بل، ولكن مجردة من الواو العاطفة، وقد تكون جوابًا للنداء أو الاستفهام". |
![]() |
وهذا توجه لا بأس به، من جهة أن الاستئناف تطور معناه في اللغة المعاصرة، وصار يدل على ابتداء شيء بعد شيء، كما يقال: استأنف الحكم في القضية، أي: طلب بدء الحكم فيها مرة ثانية بعد انتهاء الحكم فيها مرة سابقة، وفيما يلي شواهد للجملة الاستئنافية بهذا المعنى: |
![]() |
قال تعالى:((خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ))[النحل: ٣] وههنا جملة ابتدائية أو مبتدأة، وهي خلق السموات والأرض، وقد أعقبتها جملة استئنافية أو مستأنفة، فيها تنزيه لله -عز وجل- وهي قوله: ((تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [النحل: ٣]. |
![]() |
وقال امرؤ القيس: |
| والبيت الثاني يشتمل على جملتين استئنافيتين؛ إحداهما دخلت عليها الواو، والثانية دخلت عليها الفاء. |
![]() |
ومن أقوال العرب: أعجبني ما صنعتَ اليوم، ثم ما صنعتَ أمس أعجب، فههنا جملة استئنافية دخلت عليها ثم، وإنما كانت استئنافية لتعذر معنى الترتيب في ثم. |
![]() |
وقال جرير: |
![]() |
فالجملة هنا بعد حتى استئنافية لا محل لها من الإعراب، وقد دخلت عليها حتى، وحتى هنا حرف من حروف الابتداء يستأنف بعده الكلام, ويقطع عما قبله، ومثل ذلك الجملة بعد حتى في قول الفرزدق: |
![]() |
وقال تعالى: ((هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ)) [الرعد: ١٦] فما بعد أم جملة مستأنفة، دخلت عليها أم المنقطعة التي لا يفارقها معنى الإضراب، وهي هنا بمعنى بل، والجملة بعد أم المنقطعة تكون منقطعة عما قبلها، فلا يكون لها محل من الإعراب. |
| وقال تعالى: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى, وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى, بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)) [الأعلى: ١٤-١٦] فههنا شاهد للجملة المستأنفة التي دخلت عليها بل، فجملة: ((تؤثرون)) لا محل لها من الإعراب؛ لكونها منقطعة عما قبلها صناعيًّا. |
![]() |
وبناء على ما تقدم, يمكن تقسيم الجملة الاستئنافية التي تقع في أثناء الكلام منقطعة عما قبلها, إلى قسمين: |
![]() |
القسم الأول الجمل المبدوءة بحرف عطف خرج عن أصل استعماله، واستعمل للاستئناف, وهي ثمانية أحرف: الواو، والفاء، وأم، وبل، وأو بمعنى بل، وثم، وحتى، ولكن, كما في قول العربي: دعني ولا أعود، وخرجت فإذا الأسد، هل لنا قِبلك حق أم أنت رجل ظالم، ومرض زيد حتى لا يرجونه. |
![]() |
القسم الثاني الجمل التي تأتي تالية لكلام متقدم، وهي منقطعة عما قبلها، ولم يقترن بها حرف من الأحرف المتقدمة، وإدراك كون هذه... |
| ...الجمل استئنافية يحتاج إلى فهم المعنى، وقوة الإدراك، وقد نبه عليه ابن هشام وقال: "من الاستئناف ما قد يخفى وله أمثلة كثيرة", ثم ذكر له خمسة أمثلة نذكر منها: |
![]() |
تقدم أن الاستئناف النحوي هو أن تكون الجملة منقطعة عما قبلها، وليست متعلقة به بإتباع أو إخبار أو وصفية أو نحو ذلك، ويطلقه بعض النحويين أيضًا على كون الجملة في افتتاح الكلام. قال ابن هشام: ويخص البيانيون الاستئناف بما كان جوابًا لسؤال مقدر، نحو قوله تعالى: ((إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ)) [الذاريات: ٢٥], كأن جملة القول الثانية جواب لسؤال مقدر تقديره: فماذا قال لهم؟ ولهذا فُصلت عن الأولى فلم تعطف عليها، ثم قال: ومن الاستئناف البياني أيضًا قوله: |
![]() |
فإن قوله: صدقوا، جواب لسؤال مقدر تقديره: أصدقوا أم كذبوا؟ والاستئناف النحوي لا يشترط كون الجملة المستأنفة واقعة جوابًا لسؤال مقدر، بل يشمل التي وقعت جوابًا والتي لم تقع جوابًا، فهو أعم من الاستئناف البياني، وعلى هذا يمكن أن يقال: كل استئناف بياني هو استئناف نحوي، وليس كل استئناف نحوي هو استئناف بياني". |
![]() |
هذا، وقد ذكر بعض المحْدثين من جملة الجمل التي لا محل لها من الإعراب، ما سماه بالجملة التعليلية، وعرفها بأنها التي تقع في أثناء الكلام تعليلًا لما قبلها، واستشهد لها بقوله تعالى: ((وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)) [التوبة: ١٠٣], فجملة ((إن صلاتك سكن لهم)) تعليل للأمر بالصلاة عليهم، وأرى أن هذه الجملة داخلة في الاستئناف البياني؛ لأنها واقعة جوابًا لسؤال عن العلة؛ فلهذا أدخلها السابقون في الجملة الاستئنافية. |
![]() |
يقال في اللغة: اعترض الشيء؛ أي: صار عارضًا كالخشبة المعترضة في النهر، ويقال: اعترض الشيء دون الشيء، أي: حال دونه، ففي الاعتراض معنى الفصل بين شيئين، وهذا المعنى اللغوي قد رُوعي في تسمية الجملة الاعتراضية باسمها هذا، فهي عبارة عن الجملة التي تعترض وتفصل بين شيئين متلازمين أو متكاملين؛ لإفادة الكلام تقوية وتسديدًا أو تحسينًا، وتكون ذات علاقة معنوية بالكلام الذي اعترضت بين جزأيه، وليست معمولة لشيء منه. ومثال الاعتراض لتقوية الكلام وتسديده قول عمرو بن شأْس: |
| فههنا اعتراض بجملة القسم بين الفعل يُرد ومفعوله عرارًا؛ لتوكيد الكلام وتقويته. |
![]() |
ومثال الاعتراض؛ لتحسين الكلام وتزيينه قول زهير: |
| ففيه اعتراض بين الشرط وجوابه بجملة: لا أبا لك؛ لتحسين الكلام. |
![]() |
ومثله قول الآخر: |
| فقد اعترض بجملة الدعاء: وبلغتها، بين اسم إن وخبرها؛ لتحسين الكلام وتزيينه. |
![]() |
وقد اهتم العلماء بإحصاء مواضع الاعتراض، وذكر بعضهم أنها ستة, وجعلها بعضهم ثمانية، وعدها ابن هشام في (المغني) سبعة عشر موضعًا وهي أكثر من ذلك، وفيما يلي بيانها والاستشهاد لها: |
![]() |
الموضع الأول |
![]() |
بين الفعل ومرفوعه، وقد استشهد له ابن هشام بقول الشاعر: |
| والاعتراض هنا بجملة: أظن. |
![]() |
وقول الآخر: |
| والاعتراض هنا بقوله: والأنباء تنمي، على أن الباء زائدة في الفاعل. |
![]() |
الموضع الثاني |
![]() |
بين الفعل ومنصوبه أو مفعوله، كقول الشاعر: |
| والاعتراض بقوله: والدهر ذو تبدل. |
![]() |
وقول الآخر: |
| والاعتراض هنا بقوله: فعلم المرء ينفعه. |
![]() |
الموضع الثالث |
![]() |
بين المفعول والفاعل, كقول امرئ القيس: |
| والاعتراض هنا بقوله: ولم أطلب. |
![]() |
الموضع الرابع |
![]() |
بين الفعل وشبه الجملة المتعلقة به، كما في قوله تعالى: ((كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ)),/ [الأعراف: ٢], والاعتراض هنا بقوله: ((فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ)). |
![]() |
الموضع الخامس |
![]() |
بين حرف التنفيس والفعل، كقول الشاعر وهو زهير: |
| قال ابن هشام: "وهذا الاعتراض في أثناء اعتراض آخر، فإن سوف وما بعدها اعتراض بين أدري وجملة الاستفهام". |
![]() |
الموضع السادس |
![]() |
بين قد والفعل، كقول الشاعر: |
| والاعتراض هنا بالقسم, والله. |
![]() |
الموضع السابع |
![]() |
بين المبتدأ وخبره، كما في قول جميل: |
| والاعتراض هنا بقوله: يا بثينة. |
![]() |
ومثله ما إذا كان الخبر متقدمًا والمبتدأ متأخرًا، كما في قول معن بن أوس: |
| والاعتراض بقوله: والأيام يعثرن بالفتى. |
![]() |
ومن هذا الموضع الاعتراض بالفعل الملغى في نحو: زيد –أظن- قائم، والاعتراض بجملة الاختصاص في نحو قول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((نحن -معاشر الأنبياء- لا نورث)), وقول الشاعر: |
![]() |
الموضع الثامن |
![]() |
بين ما أصله المبتدأ والخبر، كقول أبي المنهال: |
| والاعتراض هنا بقوله: وبلغتها. |
![]() |
وقول الآخر: |
| والاعتراض بقوله: والله يكلؤها. |
![]() |
الموضع التاسع |
![]() |
بين الشرط وجوابه -أي: بين فعل الشرط والجواب- ومن شواهده قوله تعالى: ((وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)) [النحل: ١٠١], وقوله تعالى: ((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ)) [البقرة: ٢٤]. |
![]() |
الموضع العاشر |
![]() |
بين القسم وجوابه، كما في قوله تعالى: ((قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ, لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)) [ص: ٨٤، ٨٥], وقوله تعالى: ((فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ, وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ, إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ)) [الواقعة: ٧٥-٧٧]. |
![]() |
الموضع الحادي عشر |
![]() |
بين الموصوف وصفته، كما في قوله تعالى: ((وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)) [الواقعة: ٧٦]. |
![]() |
الموضع الثاني عشر |
![]() |
بين الموصول وصلته، كما في قول الفرزدق: |
![]() |
الموضع الثالث عشر |
![]() |
بين المتضايفين، كقول العرب: هذا غلامُ -والله- زيدٍ. |
![]() |
الموضع الرابع عشر |
![]() |
بين الجارّ والمجرور، كقول بعضهم: اشتريته بِأَرى ألف درهم. |
![]() |
الموضع الخامس عشر |
![]() |
بين المتعاطفين، كما في قوله تعالى: ((ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا)) [آل عمران: ١٣٥]. |
![]() |
الموضع السادس عشر |
![]() |
بين الحرف وتوكيده، كقول الراجز: |
![]() |
وكقول مجنون ليلى: |
![]() |
الموضع السابع عشر |
![]() |
بين حرف النفي ومنفيه، كقول الشاعر: |
![]() |
الموضع الثامن عشر |
![]() |
بين الحال وصاحبها، ذكره صاحب (جامع الدروس العربية), ومثل له بنحو: سعيتُ -ورب الكعبة- مجتهدًا. |
![]() |
الموضع التاسع عشر |
![]() |
بين جملتين مستقلتين، بينهما علاقة سبب أو تفسير أو بيان، كما في قوله تعالى: ((فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ, نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)) [البقرة: ٢٢٢، ٢٢٣]. |
![]() |
قال ابن هشام: "((نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)) تفسير لقوله تعالى: ((مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ)) [البقرة: ٢٢٢], أي: إن المأتي الذي أمركم الله به هو مكان الحرث، ودلالة على أن الغرض الأصلي في الإتيان طلب النسل لا محض الشهوة، وقد تضمنت هذه الآية الاعتراض بأكثر من جملة. قال: ومثلها في ذلك قوله تعالى: ((وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ... |
| ...وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)) [لقمان: ١٤] وقوله تعالى: ((رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ)) [آل عمران: ٣٦], فيمن قرأ بسكون تاء وضعت؛ إذ الجملتان المصدرتان بإني من قولها -عليها السلام- وما بينهما اعتراض". |
![]() |
الأمر الأول |
![]() |
أن الجملة الحالية واقعة موقع المفرد، ونائبة عنه في إعرابه، أما الاعتراضية فلا يمكن أن يحل محلها المفرد، فإذا أمكن إحلال مفرد محل جملة فهي حالية وليست اعتراضية. |
![]() |
الأمر الثاني |
![]() |
أن الجملة الحالية لا تكون إلا خبرية، والجملة المعترضة كثيرًا ما تكون طلبية، كالدعائية في قول الشاعر: |
![]() |
وكالقسمية في قول الراجز: |
| لقائل يا نصر نصر نصرا |
![]() |
وكجملة النداء في قول جميل: |
![]() |
الأمر الثالث |
![]() |
أن الجملة الاعتراضية يجوز أن تتصدر بدليل استقبال, مثل: السين وسوف ولن، كما في قول زهير: |
![]() |
وكقوله تعالى: ((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ)) [البقرة: ٢٤], والجملة الحالية يمتنع فيها ذلك؛ لأنها يراد بها الحال. |
![]() |
وذكر ابن هشام من جملة دليل الاستقبال اقتران الجملة الاعتراضية بحرف الشرط, ومثّل له بست آيات؛ وهي قوله تعالى: ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ)) [محمد: ٢٢], وقوله تعالى: ((قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا)) [البقرة: ٢٤٦], وقوله تعالى: ((وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ)) [النساء: ١٠٢], وقوله تعالى: ((إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) [الأنعام: ١٥], وقوله تعالى: ((فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا)) [المزمل: 17] وقوله تعالى: ((فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ, تَرْجِعُونَهَا)) [الواقعة: ٨٦، ٨٧]. |
![]() |
الأمر الرابع |
![]() |
أحرف الاعتراض، وهي في الأصل أحرف استئناف أو عطف، وإنما تكون للاعتراض فتقترن بها الجملة الاعتراضية إذا وقعت بين شيئين متطالبين أو متلازمين، ومن هذه الأحرف الفاء، كما في قول الشاعر وهو علقمة الفحل: |
![]() |
ومنها الواو كما في قول متمم بن نويرة: |
![]() |
ومنها "إذ" التعليلية, كالتي في قوله تعالى: ((وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ)) [الزخرف: ٣٩]. |
![]() |
وتحمل على ذلك أيضًا "حتى" الابتدائية, في مثل قول الشاعر: |
![]() |
أما الجملة الحالية فلا يجوز أن تقترن بواحد من هذه الأحرف، فإذا اقترنت بالواو وجب أن تكون الواو معها بمعنى الظرف "إذ"، وألا يليها فعل مضارع مثبت؛ فلهذا كانت الواو اعتراضية في قول المتنبي: |
![]() |
الأمر الخامس |
![]() |
اللام الموطئة للقسم، وهي اللام الداخلة على أداة شرط؛ للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها ظاهر أو مقدر، لا على الشرط، فهذه اللام تلحق بأحرف الاعتراض؛ لأنها تتصدر الجملة الشرطية فتجعلها اعتراضية لا محل لها من الإعراب، أما الجملة الحالية فلا يجوز أن تدخل عليها هذه اللام. |
![]() |
ومن شواهد ذلك قول الشاعر: |
![]() |
فقوله: إنكم لصديق، جواب القسم الظاهر لعمري، والجملة المبدوءة باللام الموطئة للقسم اعتراض بين القسم وجوابه. |
![]() |
وهي منسوبة إلى التفسير، بمعنى: كشف المراد عن اللفظ المشكل، ويقال: فسر الشيء؛ أبانه، ومثله: فسَره يفسره ويفسره فسْرًا، فمعنى التفسيرية التي تنحو نحو الإبانة والإيضاح، وقد عرفها ابن هشام بقوله: "هي: الفضلة الكاشفة لحقيقة ما تليه". ثم ذكر لها جملة أمثلة منها قوله تعالى: ((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) [آل عمران: ٥٩], فإن قوله تعالى: ((خَلَقَهُ)) وما بعده تفسير لقوله: ((كَمَثَلِ آدَمَ)) باعتبار المعنى, فهو من قبيل الجملة التفسيرية. |
![]() |
وتنقسم الجملة التفسيرية ثلاثة أقسام, هي: المجردة من حرف التفسير، والمقرونة بأيْ، والمقرونة بأنْ، وفيما يلي تفصيل ذلك: |
![]() |
وهي التي لا يتقدمها حرف تفسير، وغالبًا ما يكون لها في الإعراب وجه آخر، إلا إذا كانت مفسرة لجملة محذوفة أو محذوف فعلها، فالأول نحو: محمدًا أكرمته، فإن جملة أكرمته مفسرة لجملة محذوفة؛ لأن التقدير: أكرمت محمدًا أكرمته, ومن ذلك قول الربيع: |
![]() |
ووالثاني نحو: إن أحد جاء فأكرمه، فإن جملة جاء مفسرة لجملة حذف فعلها؛ لأن التقدير: إن جاء أحد، وأحد فاعل لجاء المحذوف، ومن ذلك قول قُرَيط بن أُنَيف: |
![]() |
ففي بيت الربيع جملة أخشاه جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، وهي مفسرة لجملة محذوفة لأن التقدير: وأخشى الذئب، فحذفت جملة وأخشى وهي فعل وفاعل؛ لمجيء الجملة المفسرة. وفي بيت قريط جملة لان مفسرة لا محل لها من الإعراب، وهي تفسر فعلًا محذوفًا هو الرافع لذو، والتقدير: إن لان ذو لوثة. |
![]() |
ومثل بيت الربيع ما ورد في باب الاشتغال من نحو قوله تعالى: ((إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)) [القمر: ٤٩], ومثل بيت قريط ما ورد في ذلك الباب من نحو قوله تعالى: ((إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ)) [النساء: ١٧٦]. |
![]() |
ومن الجمل التفسيرية التي لها في الإعراب وجه آخر, جملة ((خَلَقَهُ)) في قوله تعالى: ((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)) [آل عمران: ٥٩] فإنها تحتمل أن تعرب حالًا من آدم. ومن هذه الجمل جملة الاستفهام في قوله تعالى: ((وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)) [الأنبياء: ٣], فهذه الجملة لا محل لها من الإعراب مفسرة للنجوى، وتحتمل أن تكون في محل نصب بقول محذوف والتقدير: قائلين: هل هذا إلا بشر مثلكم؟ |
![]() |
ومنها قوله تعالى: ((تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [النور: ٢] بعد قوله: ((هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)) [الصف: ١٠], فهذه الجملة ((تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) لا محل لها من الإعراب تفسير للتجارة، وتحتمل أن تكون مستأنفة معناها الطلب، أي: آمنوا بالله. |
![]() |
وأي: حرف تفسير يدخل على الأسماء وأشباه الجمل، فيكون ما بعده عطف بيان كقولك: هذا حسام؛ أي: سيف، وقطعت بالمدية؛ أي: بالسكين، ويدخل على الجمل فتكون الجملة بعده لا محل لها من الإعراب مفسرة، وشرطه في تلك الحالة أن يكون ما قبله جملة... |
| ...تامة مستغنية بنفسها، وأن يكون ما بعده جملة أخرى تامة مفسرة للأولى، وذلك نحو قولك: ركب بسيفه؛ أي: وسيفه معه، وخرج بثيابه؛ أي: وثيابه عليه، فما بعد أي في المثالين جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، ومن شواهد ذلك قول الشاعر: |
![]() |
فجملة: أنت مذنب، لا محل لها من الإعراب؛ لأنها تفسير لمعنى ترمينني بالطرف؛ لأن الرمي بالطرف نظر الغاضب الذي يعتقد في المنظور إليه أنه مذنب. |
![]() |
وقد تدخل أي على جملة يراد بها الحكاية، فتكون هذه الجملة خبرًا عما قبل أي، كما تقول: واستكتمته الحديث؛ أي: سألته كتمانه، فالجملة الأولى محكية في محل رفع مبتدأ، وأي حرف تفسير, والجملة بعدها في محل رفع خبر. |
![]() |
تقدم حديث "أنْ" المفسرة في باب إعراب الفعل وهي بمعنى "أي"، ولا تدخل إلا على الجمل، ويشترط أن تتقدمها جملة تامة فيها معنى القول دون حروفه، ومثالها: ناديته أن قم, وأمرته أن اقعد, وكتبت إليه أن ارجع، فما بعد أن في ذلك كله جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، وأن بمعنى أي، وقد تقدمها جملة تامة فيها معنى القول وليس فيها لفظ القول. |
![]() |
ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ((فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا)) [المؤمنون: ٢٧], وقوله تعالى: ((وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)) [الأعراف: ٤٣], قوله تعالى: ((وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ)) [ص: ٦]؛ لأن المراد بالانطلاق هنا انطلاق ألسنتهم بالكلام. |
![]() |
ويجوز أن يكون قبل "أنْ" المفسرة جملة فيها لفظ القول إذا قصد به معنى آخر, كما في قوله تعالى: ((مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ)) [المائدة: ١١٧], وذلك بتأويل قلت بأمرت، فتكون الجملة بعد أن مفسرة لمعمول قلت بمعنى أمرت؛ لأن التقدير: ما أمرتهم بشيء إلا بما أمرتني به, أي: اعبدوا الله. |
![]() |
وينبغي هنا التنبيه على أن ما بعد أن المفسرة ليس تفسيرًا لنفس ما قبلها، بل يكون مضمونه تفسيرًا لمعمول ما قبلها، وفي ذلك يقول الرضي: "أن لا تفسر إلا مفعولًا مقدرًا للفظ دال على معنى القول مؤدّ معناه". كقوله تعالى: ((وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ)) [الصافات: ١٠٤], فقوله: ((يَا إِبْرَاهِيمُ)) تفسير لمفعول ناديناه المقدر، أي: ناديناه بشيء وبلفظ هو قولنا: يا إبراهيم. |
![]() |
وكذلك قولك: كتبت إليه أن قم, أي: كتبت إليه بشيء هو قم، فأن حرف دال على أن قم تفسير للمفعول المقدر لكتبت، وقد يفسر به الظاهر كقوله تعالى: ((إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى, أَنِ اقْذِفِيهِ)) [طه: ٣٨، ٣٩]. |
![]() |
هل تأتي الجملة المفسرة إنشائية؟ |
![]() |
قال ابن هشام: "لا يمتنع كون الجملة الإنشائية مفسرة بنفسها، ويقع ذلك في موضعين: |
![]() |
ما تقدم تقريره من أن الجملة المفسرة لا محل لها من الإعراب، هو ما سار عليه جمهور النحويين، وقد خالفهم في ذلك أبو علي الشلوبين، ووافقه جماعة منهم السيوطي، ويرى الشلوبين ومن وافقه أن الجملة المفسرة تابعة في الإعراب لما هي تفسير له، فإن... |
| ...كان للمفسر محل من الإعراب فكذلك هي وإلا فلا، فجملة: ((لهم مغفرة وأجر عظيم)) في الآية: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ)) [المائدة: ٩] في محل نصب؛ لأنها تفسير للموعود به الذي لو صرح به لكان منصوبًا. |
![]() |
وجملة ((خلقناه)) من قوله تعالى: ((إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)) [القمر: ٤٩] في محل رفع؛ لأن مفسرها خبر لإن. قال السيوطي: "وهذا الذي قاله الشلوبين هو المختار عندي، وعليه تكون الجملة عطف بيان أو بدلًا". |
![]() |
وللشلوبين ومن وافقه حجة فيما ذهبوا إليه، وهي جزم الفعل المفسِّر بما يعنيه ذلك من أنه تابع لمفسَّر مجزوم، وهو بدل منه أو عطف بيان له، وذلك فيما ورد من قول هشام المُريّ: |
![]() |
وقول عدي بن زيد: |
![]() |
وقول كعب بن جُعيل: |
![]() |
ويترتب على ما ذكر هؤلاء جواز حذف المبدل منه والمعطوف عليه عطف بيان، وذلك لم يثبت، على أنه يمكن أن يقال: إن المجزوم في هذه الشواهد هو فعل الشرط، والاسم المرفوع قبله فاعله تقدم للضرورة، وكذلك الضمير نحن أبرز للضرورة، وهو واجب الاستتار، والأصل: فمن نؤمنه، ومتى يزرهم واغل، وأينما تميلها الريح. |