![]() |
تنقسم الجملة عند أكثر النحويين قسمين: اسمية وفعلية، ثم يعرفون الاسمية بأنها المبدوءة أو المصدرة بالاسم، نحو: محمد جالس, وهيهات العقيق, وناجح أخوك، ويعرفون الفعلية بأنها المبدوءة أو المصدرة بالفعل، نحو: جلس محمد, وضرب اللص, وكان علي مجتهدًا، وظننت عليًّا مهملًا، ويحبك من يعرف قدرك، وقم للمعلم احترامًا. |
![]() |
ومن أمثلة الاسمية أيضًا نحو: إن محمدًا مجتهدٌ، وهل محمدٌ حاضرٌ؟ وما زيدٌ حاضرًا. |
![]() |
ومن أمثلة الفعلية أيضًا نحو: هل حضر علي؟ وزيدًا ضربته؛ لأن التقدير: ضربت زيدًا ضربته، ويا عبد الله؛ لأن التقدير: أدعو عبد الله. |
![]() |
وقد نبه ابن هشام في (المغني) على ما يقصده النحويون بالتصدر بالاسم أو الفعل، فقال: "مرادنا بصدر الجملة: المسند أو المسند إليه، فلا عبرة بما تقدم عليهما من الحروف، فالجملة من نحو: أقائم الزيدان؟ وأزيد أخوك؟ ولعل أباك منطلق، وما زيد قائمًا، اسمية، ومن نحو: أقام زيد, وإن قام زيد، وقد قام زيد, وهلا قمت، فعلية. |
![]() |
والمعتبر أيضًا ما هو صدر في الأصل، فالجملة من نحو: كيف جاء زيد؟ ومن نحو: ((فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ)) [غافر: ٨١] ومن نحو: ((فَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ)) [البقرة: ٨٧], ((خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ)) [القمر: ٧] فعلية؛ لأن هذه الأسماء في نية التأخير، وكذا... |
| ...الجملة في نحو: يا عبد الله، ونحو: ((وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ)) [التوبة: ٦] ((وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ)) [النحل: ٥] ((وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)) [الليل: ١] فعلية؛ لأن صدورها في الأصل أفعال, والتقدير: أدعو زيدًا، وإن استجارك أحد، وخلق الأنعام، وأقسم والليل. |
![]() |
وبعض العلماء يعرف الجملة الاسمية بأنها: ما كانت مؤلفة من المبتدأ والخبر، نحو: الحق منصور، أو مما أصله مبتدأ وخبر نحو: إن الباطل مخذول، وقوله تعالى: ((لَا رَيْبَ فِيهِ)) [البقرة: ٢] وقوله تعالى: ((مَا هَذَا بَشَرًا)) [يوسف: ٣١], وقوله تعالى: ((وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ)) [ص: ٣], ونحو: لا رجل قائمًا، وإن أحد خيرًا من أحد إلا بالعافية. ويعرف الفعلية بأنها: ما تألفت من الفعل والفاعل نحو: سبق السيف العَذَل، أو الفعل ونائب الفاعل نحو: يُنصَر المظلوم، أو الفعل الناقص واسمه وخبره نحو: يكون المجتهد سعيدًا. |
![]() |
وبعض العلماء يعرف الاسمية بأنها: الجملة التي صدرها اسم صريح، أو مؤول، أو اسم فعل, أو حرف غير مكفوف مشبه بالفعل التام أو الناقص، فالاسم الصريح نحو: الحمد لله، والمؤول نحو: أن ترد الماء بماء أكيس، واسم الفعل نحو: شتان ما بين أخويك في الكرم، والحرف غير المكفوف المشبه بالفعل التام نحو قوله تعالى: ((إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)) [الإسراء: ٨١], والمشبه بالفعل الناقص نحو قوله تعالى: ((مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)) [المجادلة: ٢] فإن "ما" فيه مشبهة بـ "ليس". ويعرف الفعلية بأنها: الجملة التي صدرها فعل تام أو ناقص، نحو قوله تعالى: ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)) [القمر: ١], وقوله تعالى: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)) [البقرة: ٢١٣]". |
| وفي (المغني) لابن هشام تقسيم الجملة إلى ثلاثة أقسام؛ الاسمية: وهي التي صدرها اسم، والفعلية: وهي التي صدرها فعل، والظرفية: وهي المصدرة بظرف، أو جارّ ومجرور يليه اسم مرفوع مثل: أعندك زيدٌ؟ أفي الدار زيد؟ إذا قدرت زيدًا فاعلًا بالظرف والجار والمجرور؛ لا بالاستقرار المحذوف, ولا مبتدأ مخبرًا عنه بالظرف أو الجار والمجرور. |
![]() |
والزمخشري يجعل الظرفية من أقسام الجملة، ويمثل لها بنحو: زيد في الدار، فهو يعد هذا القول جملتين؛ الأولى: اسمية تبدأ بزيد، والثانية: ظرفية وهي في الدار، إذ هو يرى أن أصلها: استقر في الدار، ثم حذف الفعل وحده ولم يحذف معه الضمير، بل انتقل إلى الجار والمجرور، وعلى هذا يكون: في الدار، جملة مبدوءة بالجار والمجرور، فتكون داخلة في القسم الثالث وهو الجملة الظرفية. |
![]() |
ويوافق السيوطي في (همع الهوامع) على تقسيم ابن هشام للجملة إلى: اسمية وفعلية وظرفية، ناقلًا نص عبارة ابن هشام من (المغنى). |
![]() |
والزمخشري في كتابه (المفصل) يقسم الجملة إلى أربعة أقسام, فيقول: "والجملة على أربعة أضرب: فعلية واسمية وشرطية وظرفية". وقد جاء ذلك في معرض حديثه عن خبر المبتدأ إذا كان جملة؛ ولهذا مثل بهذه الأمثلة: زيد ذهب أخوه، وعمرو أبوه منطلق، وبكر إن تعطه يشكرك، وخالد في الدار. |
| وفي شرح ابن يعيش لكلام الزمخشري يذكر أنه تبع في هذا التقسيم أبا علي الفارسي، ويرى أن حقيقة الأمر في الجملة أنها قسمان: اسمية وفعلية، فهو يقول: "واعلم أنه -يعني الزمخشري- قسّم الجملة إلى أربعة أقسام: فعلية واسمية وشرطية وظرفية، وهذه قسمة أبي علي، وهي قسمة لفظية، وهي في الحقيقة ضربان: فعلية واسمية؛ لأن الشرطية في التحقيق مركبة من جملتين فعليتين: الشرط فعل وفاعل، والجزاء فعل وفاعل، والظرف في الحقيقة للخبر الذي هو استقر، وهو فعل وفاعل". |
![]() |
وهذا التقسيم ورد حقًّا في كتاب (الإيضاح) لأبي علي الفارسي في باب خبر المبتدأ، فهو يقول في هذا الباب: "وأما الجملة التي تكون خبر المبتدأ, فعلى أربعة أضرب؛ الأول: أن تكون جملة مركبة من فعل وفاعل, والثاني: أن تكون مركبة من مبتدأ وخبر, والثالث: أن تكون شرطًا وجزاء, والرابع: أن تكون ظرفًا". |
![]() |
ثم مثّل أبو علي للضرب الأول بقول القائل: زيد قام وزيد قام أبوه، وللضرب الثاني بنحو قوله: زيد أبوه منطلق، وعمرو غلامه خارج، وللضرب الثالث بنحو قوله: زيد إن تكرمه يكرمك، وبِشر إن تعطه يشكر عمرو، وللضرب الرابع بنحو قوله: البيع في السوق والخروج غدًا. |
![]() |
وأقول: أول من أشار إلى الجملة الظرفية هو أبو الحسن الأخفش، وقد قرر مذهبه في ذلك أبو علي الفارسي في كتاب (الإغفال), من خلال تعقيبه على كلام الزجاج في توجيه قوله تعالى: ((وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ)) [البقرة: ٧٨] حيث قال الزجاج: "ارتفع أميون بالابتداء, ومنهم... |
| ...الخبر. وفي قول الأخفش: يرتفع الأميون بفعلهم، كأن المعنى: واستقر منهم أميون". |
![]() |
وقال أبو علي معقبًا على كلام الزجاج: "ليس يرتفع أميون عند أبي الحسن بفعلهم، إنما يرتفع بالظرف الذي هو منهم، ومذهب سيبويه أنه يرتفع بالابتداء، ففي منهم عنده ضمير لقوله: أميون، وموضع منهم على قوله: رفع لوقوعه موقع خبر الابتداء، فأما على مذهب أبي الحسن فلا ضمير؛ لقوله: أميون في منهم، ولا موضع له عنده، كما أنه لا موضع لذهب في قولك: ذهب زيد". |
![]() |
وفي التعليل لمذهب الأخفش يقول: "وإنما رفع أبو الحسن الاسم بالظرف في نحو هذا؛ لأنه نظر إلى هذه الظروف فوجدها تجري مجرى الفعل في مواضع، وفي أنها تحتمل الضمير كما يحتمل الفعل، وما قام مقامه من أسماء الفاعلين وما شبه به، ويؤكد ما فيها كما يؤكد ما في الفعل وما قام مقامه, في نحو: مررت بقوم لك أجمعون، وينتصب عنها الحال كما ينتصب عن الفعل، وتوصل بها الأسماء الموصولة كما توصل بالفعل والفاعل، فيصير فيها ضمير الموصول كما يصير ضميره في الفعل، وتوصف بها النكرة كما توصف بالفعل والفاعل. |
![]() |
فلما رآها في هذه المواضع تقوم مقام الفعل، أجراها مبتدأ مجرى الفعل، فرفع بها الاسم كما يرفع بالفعل، إذ قامت هذه الظروف مقام الفعل في هذه المواضع, فقال في: عندك زيد, وفي الدار عمرو, ((وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ)) [البقرة: ٧٨] ونحو ذلك: إنه مرتفع بالظرف؛ إذ كان الظرف قد أقيم مقام الفعل في غير هذا الموضع. |
![]() |
ثم ذكر أبو علي أن سيبويه يقول بهذا القول في مثالين، وهما: في الدار أنك قائم، ومررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، وأن الخليل يقول به أيضًا في: غدًا الرحيل، وقول الشاعر: |
| حيث قال: إن التهدد والرحيل مرتفعان بقولك: غدًا وحقًّا". |
![]() |
وقد أخذ الزجاج بهذا المذهب في توجيه بعض الآيات في (معاني القرآن), كقوله في توجيه قوله تعالى: ((وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ)) [البقرة: ٢٥] إعراب أزواج الرفع بـ"ولهم" وإن شئت بالابتداء، كما أخذ به أبو علي في توجيهه لبعض الآيات، ففي قوله تعالى: ((وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ)) [البقرة: ٧] ذهب إلى أن غشاوة مرفوعة إما بالظرف وإما بالابتداء، وكذلك أجاز الوجهين في قوله تعالى: ((بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا)) [هود: ٤١] وقوله تعالى: ((وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)) [هود: ٧١] برفع يعقوب, وقوله تعالى: ((وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ)) [ص: ٥٨]. |
![]() |
وفي كتاب (الإنصاف) مسألة تتناول الخلاف النحوي حول رافع الاسم الواقع بعد الظرف والجار والمجرور، وهي المسألة السادسة، وفيها نسبة القول بأن الظرف يرفع الاسم إذا تقدم عليه إلى الكوفيين, وأبي الحسن الأخفش في أحد قوليه، وأبي العباس محمد بن يزيد المبرد. |
![]() |
ومن خلال بيان صاحب (الإنصاف) لحجة الكوفيين فيما ذهبوا إليه، ذكر أن البصريين يوافقونهم في سبع مسائل، فهو يقول على لسان الكوفيين: "والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه أن سيبويه يساعدنا على أن الظرف يرفع إذا وقع خبرًا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، أو حالًا لذي حال، أو صلة لموصول، أو معتمدا على همزة الاستفهام أو حرف النفي، أو كان الواقع بعده أن التي في تقدير المصدر. فالخبر كقوله تعالى: ((فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ)) [سبأ: ٣٧] فجزاء مرفوع بالظرف, والصفة كقولك: مررت برجل صالح في الدار أبوه، والحال كقولك: مررت بزيد في الدار أبوه، وعلى ذلك قوله تعالى: ((وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ)) [المائدة: ٤٦] فهدى ونور مرفوعان بالظرف؛ لأنه حال من الإنجيل، والصلة كقوله تعالى: ((وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)) [الرعد: ٤٣], والمعتمد على الهمزة كقوله تعالى: ((أَفِي اللَّهِ شَكٌّ)) [إبراهيم: ١٠], وحرف النفي كقولك: ما في الدار أحد، وأنّ كقوله تعالى: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ)) [فصلت: ٣٩] فأنّ وما عملت فيه في موضع رفع بالظرف، وإذا عمل الظرف في هذه المواضع كلها فكذلك فيما وقع الخلاف فيه، وإنما ذكرت هذه التفصيلات؛ لأبين وجه إثبات الجملة الظرفية عند الزمخشري, وغيره ممن أثبتوها". |
![]() |
وأما الجملة الشرطية, فقد تقدم أن أبا علي الفارسي أثبتها جملة مستقلة من أنواع الجمل، وأن الزمخشري تبعه في ذلك، ومع أن ابن يعيش يرجع الجملة الشرطية إلى الجملة الفعلية، إلا أنه يذكر بعد ذلك ما يمكن معه القول بأنه يثبت الجملة الشرطية، فهو يقول عنها: "وأما الجملة الثالثة وهي الشرطية, فنحو قولك: زيد إن يقم أقم معه، فهذه الجملة وإن كانت من أنواع الجمل الفعلية، وكان الأصل... |
| ...في الجملة الفعلية أن يستقل الفعل بفاعله نحو: قام زيد، إلا أنه لما دخل ههنا حرف الشرط، ربط كل جملة من الشرط والجزاء بالأخرى، حتى صارتا كالجملة الواحدة نحو المبتدأ والخبر، فكما أن المبتدأ لا يستقل إلا بذكر الخبر، كذلك الشرط لا يستقل إلا بذكر الجزاء. |
![]() |
ولصيرورة الشرط والجزاء كالجملة الواحدة، جاز أن يعود إلى المبتدأ منها عائد واحد، نحو: زيد إن تكرمه يشكرك عمرو، فالهاء في تكرمه عائدة إلى زيد، ولم يعد من الجزاء ذكر، ولو عاد الضمير منها جاز وليس بلازم نحو: زيد إن يقم أكرمه، ففي يقم ضمير من زيد، وكذلك الهاء في أكرمه تعود إليه أيضًا". |
![]() |
وبعض النحويين كالسيرافي يشبه الشرط والجزاء بالمبتدأ والخبر، وبمعمولي "إنَّ" وأخواتها, وبمفعولي "ظن" وأخواتها، ويقرر أن أداة الشرط تربط جملتيها حتى يصيرا كالجملة الواحدة؛ فلهذا عملت فيهما، والحق مع هؤلاء المثبتين للجملة الشرطية نوعًا مستقلًّا من أنواع الجملة؛ لأن التركيب الشرطي يختلف عن التركيب الإسنادي، وقد تكلف النافون لها فزعموا أنها تكون فعلية إن كان صدرها حرف شرط وفعلًا، أو اسم شرط معمولًا لفعله، وتكون اسمية إذا كان صدرها حرف شرط ومبتدأ، أو اسم شرط غير معمول لفعله، وفي ذلك حكم عليها بجزء منها وهو الشرط، وإهمال للجزء الثاني الذي لا تتحقق الفائدة إلا به، وهو الجزاء. |
![]() |
فالحق: أن الجملة تنقسم إلى: اسمية وفعلية وظرفية وشرطية، وأن الجملة الشرطية هي المصدرة بأداة شرط، حرفًا كانت الأداة أم اسمًا، وسواء في ذلك الشرط الامتناعي وغير الامتناعي، فيدخل في الجملة الشرطية نحو: إن تجتهد تنجح، ومن ينصت إلى الدرس يفهم، وإذا أكرمت اللئيم تمرد، ولولا لطف الله لهلكنا، ولو زارني أخوك لأكرمته. |
![]() |
وبناء على ذلك نرى أن كل كلام يفهم منه تسبب شيء عن شيء، وترتب شيء على شيء، مع كونه مبدوءًا بأداة شرط امتناعي أو غير امتناعي، يكون داخلًا في الجملة الشرطية، ولو كانت أداة الشرط فيه اسمًا في محل رفع على الابتداء نحو: من يجتهد ينجح، أو مفعولًا لفعل الشرط نحو: أيَّ كتاب تقرأ تستفد؛ وذلك لأن التركيب الشرطي فيها يغلب التركيب الإسنادي، لكونه هو الذي يحقق الفائدة التامة التي يحسن السكوت عليها، وإذا ثبتت الجملة الشرطية وجب تعريف الجملة تعريفًا يشملها، فنقول في تعريفها: ما تضمن من الكلام إسنادًا أصليًّا, أو جزاء يترتب على شرط. |
![]() |
ذكر ابن هشام في (المغني) في حديثه عن الجملة أمثلة تحتمل أكثر من وجه، بحسب تقدير المعرِب لما فيها من الحذف، ومن هذه الأمثلة: |
![]() |
قولنا: أفي الدار زيد، وعندك عمرو، فإنه إن قدر فيه الاسم المرفوع مبتدأ كانت الجملة اسمية، إلا أنها تقدم فيها الخبر على المبتدأ، وإن قُدر فاعلًا باستقر المحذوف، كانت الجملة فعلية، وإن قدرناه فاعلًا بالجار والمجرور على مذهب الأخفش ومن وافقه، كانت جملة ظرفية. |
![]() |
قول العرب: ما رأيته مذ يومان، لا خلاف في أن الجملة كلها فعلية؛ لأنها مبدوءة بالفعل رأيته، والخلاف في "يومان" فإنه جزء من جملة، وبعض النحويين يقدر: منذ ابتدأ يومان، وعلى هذا يكون جزءًا من جملة فعلية، وبعضهم يقدر بيني وبين رؤيته يومان، أو مدة انتفاء الرؤية يومان، على هذا تكون الجملة اسمية. |
![]() |
في قولنا: ماذا صنعت؟ إذا كان التقدير: ما الذي صنعت؟ كانت الجملة اسمية، وإذا كان التقدير: أيَّ شيء صنعت؟ كانت الجملة فعلية. |
![]() |
في نحو قوله تعالى: ((أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا)) [التغابن: ٦]؛ إذا قدر "بشر" فاعلًا لفعل محذوف يفسره المذكور -وهو الأرجح- كانت الجملة فعلية، وإذا أعرب مبتدأ على قول بعض النحويين، فالجملة اسمية. |
![]() |
في قولنا: نعم الرجل زيد، إذا أعرب زيد مبتدأ مؤخرًا، وما قبله خبر مقدم، فالجملة اسمية، وإن أعرب زيد خبرًا لمبتدأ محذوف، صارت الجملة جملتين؛ أولاهما: فعلية، والثانية: اسمية. |
![]() |
في جملة البسملة, إذا قدر "بسم الله" خبرًا عن ابتداء، كانت جملتها اسمية، وإذا قدر "بسم الله" متعلقًا بفعل تقديره: أبتدئ؛ كانت جملتها فعلية، وهذا التقدير الثاني تقدير الكوفيين، وهو المشهور في التفاسير والأعاريب. |
![]() |
قبل أن نتعرض لتعريف الجملة الكبرى والجملة الصغرى، نثبت هنا ما مثّل به ابن هشام لهما في كتابه (الإعراب عن قواعد الإعراب) حيث قال: "إذا قيل: زيد أبوه غلامه منطلق، فزيد مبتدأ، وأبوه مبتدأ ثانٍ، وغلامه مبتدأ ثالث، ومنطلق خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، ويسمى المجموع جملة كبرى، وغلامه منطلق جملة صغرى، وأبوه غلامه منطلق جملة كبرى بالنسبة إلى غلامه منطلق، وصغرى بالنسبة إلى زيد". |
![]() |
وقد علل الشيخ زاده، وهو أحد شراح (قواعد الإعراب) تسمية جملة: غلامه منطلق بالجملة الصغرى؛ بكونها قليلة وتابعة للجملة المتقدمة، وسمى جملة "أبوه غلامه منطلق" بأنها جملة ذات وجهين، وبأنها جملة وسطى. |
![]() |
هذا, وقد عرف ابن هشام وتبعه السيوطي الجملة الكبرى بأنها: الجملة الاسمية التي خبرها جملة نحو: محمد نجح أخوه، ومحمد أخوه ناجح، وعرف الجملة الصغرى بأنها: الجملة المبنية على المبتدأ كالجملة المخبر بها في المثالين، وهما: نجح أخوه وأخوه ناجح. |
![]() |
ثم ذكر أن الجملة قد تكون صغرى وكبرى باعتبارين نحو: محمد أبوه رزقه واسع، فمجموع هذا الكلام جملة كبرى, وقولنا: رزقه واسع جملة صغرى لقلتها وتبعيتها للجملة المتقدمة، وجملة: أبوه رزقه واسع، جملة كبرى باعتبار شمولها للجملة الصغرى وهي رزقه واسع، وهي صغرى باعتبار جملة الكلام، وقد يطلق عليها الوسطى أو ذات الوجهين. |
![]() |
وقد ينطبق ذلك على قول الله تعالى: ((لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي)) [الكهف: ٣٨]؛ لأن الأصل فيه: لكن أنا هو الله ربي، ففي الجملة ثلاث مبتدآت، فتكون الآية كلها جملة كبرى، وتكون "الله ربي" جملة صغرى، وتكون الجملة المبتدأة بضمير الشأن "هو الله ربي" كبرى باعتبار، وصغرى باعتبار، أو تسمى الجملة الوسطى أو ذات الوجهين. |
![]() |
وعلى هذا, فالجملة البسيطة التي لا تشتمل على جملة أخرى، ولا تدخل في تكوين جملة أكبر منها، لا توصف بأنها صغرى ولا كبرى كما في نحو: نجح الطالب، الطالب ناجح، محمد في الدار، علي عندك، كان محمد مُجدًّا، إن محمدًا كريم، لعل محمدًا حاضر. |
![]() |
والجملة التي تكون جزءًا متممًا لجملة أكبر منها، تسمى الجملة الصغرى، وهذه قد تقع خبرًا للمبتدأ -كما سبق من الأمثلة- وقد تقع فاعلًا أي: في موقع الفاعل، وتكون في محل رفع، كما في قوله تعالى: ((ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)) [يوسف: ٣٥ ] فجملة ((ليسجننه)) في موقع رفع؛ لأنها فاعل بدا، وقد تكون في محل رفع خبر لإنّ أو إحدى أخواتها، نحو قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ)) [البقرة: ٢٢٢], وقد تكون في محل نصب خبرًا لكان أو إحدى أخواتها، نحو: كان زيد يجتهد في عمله، أو لأنها مفعول نحو: ظننت أخاك يحب العسل. |
![]() |
والجملة المكونة من جملتين أو أكثر تسمى الجملة الكبرى، وذلك نحو جميع الأمثلة التي تقدمت، والتي اشتملت على جملة صغرى داخلة في جملة أكبر منها، فمثلًا في قولنا: ظننت أخاك يحب العسل، هذه الجملة كلها كبرى، وتندرج فيها جملة صغرى وهو يحب العسل، وكذلك قولنا: كان زيد يجتهد في عمله، هو جملة كبرى يدخل فيها جملة صغرى هي جملة: يجتهد في عمله. |
![]() |
ذكر ابن هشام في (المغني) أمثلة لذلك منها: |
![]() |
إذا قلت: محمد ناجح أخوه، فهذا القول يحتمل أن يكون جملة كبرى، تشتمل على جملة صغرى، وذلك إذا أُعرب ناجح خبرًا مقدمًا لأخوه، وجملة المبتدأ وخبره خبر عن محمد، ويحتمل ألا يكون جملة كبرى، وذلك إذا أعرب أخوه فاعلًا لناجح، فيكون خبر محمد مفردًا في تلك الحالة. |
![]() |
إذا قلت: محمد في الدار، فهذا القول يحتمل أن يكون جملة كبرى تشتمل على جملة صغرى، وذلك إذا قدر متعلق الجار والمجرور فعلًا وهو استقر، فتكون الجملة عبارة عن مبتدأ خبره جملة فعلية، ويحتمل ألا يكون جملة كبرى إذا قدر المتعلق اسمًا وهو مستقر، فيكون خبر المبتدأ مفردًا. |
![]() |
في قول العرب: إنما أنت سَيْرًا، إذا قدر الناصب لـ"سيرًا" فعل، كان هذا القول جملة كبرى، مكونة من مبتدأ أُخبر عنه بجملة فعلية، والتقدير حينئذ: إنما أنت تسير سيرًا، وإذا قدر الناصب له اسم فاعل لم يكن جملة كبرى، بل يكون جملة مكونة من مبتدأ أُخبر عنه بمفرد، والتقدير حينئذ: إنما أنت سائر سيرًا. |
![]() |
إذا قلت: أنا آتيك به، احتمل قولك هذا أن يكون جملة كبرى، مكونة من مبتدأ أُخبر عنه بجملة فعلية، وهي الفعل المضارع آتى وفاعله ومفعوله، وأصله: أَأْتي، ويحتمل ألا يكون كذلك إذا جعل آتي اسم فاعل من أتى، وقد أضيف إلى كاف المخاطب، فتكون الجملة مكونة من مبتدأ أخبر عنه بمفرد. |
![]() |
الجملة الكبرى تكون ذات وجهين إذا كانت اسمية الصدر فعلية العجز، أو فعلية الصدر اسمية العجز؛ مثال الأولى: محمد يسافر أخوه، فهذه الجملة اسمية الصدر لتصدرها بالاسم، وهي فعلية العجز؛ لأن الجملة الصغرى فيها فعلية. ومثال الثانية: ظننت عليًّا أبوه عالم، فهذه الجملة فعلية الصدر لتصدرها بالفعل، وهي اسمية العجز؛ لأن الجملة الصغرى فيها اسمية، وهي أبوه عالم. |
![]() |
وتكون الجملة الكبرى ذات وجه واحد إذا صُدِّرت بالاسم، وخُتِمت بجملة اسمية، أو صدرت بفعل وختمت بجملة فعلية. مثال الأولى: زيد أخوه ناجح، فهذه الجملة مصدرة باسم وهو زيد، ومختومة بجملة اسمية وهي: أخوه ناجح، فهي كبرى ذات وجه واحد. ومثال الثانية: ظننت زيدًا يسافر أخوه، فهذه الجملة مصدرة بفعل وهو ظننت، ومختومة بجملة فعلية وهي يسافر أخوه، فهي كبرى ذات وجه واحد. |
![]() |
تنقسم الجمل هنا إلى: جمل لا محل لها من الإعراب، وجمل لها محل من الإعراب. |
![]() |
معنى قول النحويين (لا محل لها من الإعراب) |
![]() |
الأصل في الإعراب أن يكون للمفرد، سواء أكان اسمًا أم فعلًا مضارعًا؛ لأنه كلمة واحدة يمكن أن يظهر الإعراب على آخرها، أو يقدر عند التعذر أو الثقل، وأما الجملة فالأصل فيها هو ألا يكون لها موضع من الإعراب؛ لأنها بعيدة من الإعراب بسبب تركبها من كلمتين أو أكثر، ويستحيل أن يظهر عليها بمجموعها الإعراب أو يقدر، وإنما تعرب مفرداتها، وأما مجموع المفردات فلا إعراب له لا في اللفظ, ولا في التقدير. |
![]() |
وبعض الجمل يثبت لها الإعراب المحلي إذا حلت محل مفرد، وجاز تقديرها بذلك المفرد، وبعضها لا يثبت لها إعراب محلي؛ لأنها لم تحل محل المفرد، ولن تؤدي ما يؤديه المفرد، ولا يمكن تقديرها بالمفرد؛ ولهذا توصف بأنها لا محل لها من الإعراب. |
![]() |
وإذا أردت معرفة الفرق بين جملة لها محل من الإعراب وجملة لا محل لها، فانظر إلى جملة "يجتهد" في قولنا: كان محمد يجتهد في دروسه، تجد أنها في هذا القول حلت محل مفرد وهو الخبر؛ لأن الأصل في الخبر الإفراد، وأن هذه الجملة تقدر بمفرد وهو مجتهدًا، وكأننا نقول: كان محمد مجتهدًا. ثم انظر إلى قولنا: يجتهد محمد في دروسه، فإنك تلحظ أن جملة "يجتهد محمد" لم تحل محل مفرد، ولسنا في حاجة إلى تقديرها بالمفرد؛ لأنها جملة مبتدأ بها. |
![]() |
فجملة يجتهد في المثال الأول لها محل من الإعراب وهو النصب؛ لأنها حلت محل مفرد يستحق أن ينصب، وهي في المثال الثاني لا محل لها من الإعراب؛ لأنها لم تحل محل مفرد، ولا تقدر بمفرد حتى يثبت لها إعرابه. |
![]() |
والجمل التي لا محل لها من الإعراب شبيهة بالحروف، من جهة أنها لا تقع في موقع من المواقع المستحقة للمفرد المعرب، كموقع الخبر والفاعل والمفعول والمضاف إليه؛ ولهذا لم يكن لها محل من الإعراب، ولأنها لا تقدر بمفرد ولا تحل محل المفرد. |
![]() |
الجمل التي لا محل لها من الإعراب إجمالًا |
![]() |
يتفق كثير من النحويين على أن الجمل التي لا محل لها من الإعراب سبع جمل؛ وهي: الابتدائية، والمعترضة، والتفسيرية، والمجاب بها القسم، والواقعة جوابًا لشرط غير جازم، والواقعة صلة لاسم أو حرف، والتابعة لما لا محل له. وزاد أبو حيان على هذه السبع أربعًا وهي: الجملة الواقعة بعد أداة ابتداء، والواقعة بعد أداة تحضيض، والواقعة بعد حرف شرط غير عامل، والجملة الشرطية إذا حذف جوابها وتقدمها ما يدل عليه. |
![]() |
وبعض المعاصرين عدها تسعًا, وهي السبع المتقدمة مع إضافة الاستئنافية والتعليلية، وبعضهم عدها عشرًا، وأضاف إلى السبع المتقدمة: الاستئنافية، وجملة الشرط غير الظرفي، وجواب الشرط الجازم غير المقترن بالفاء أو إذا، وسيكون تناولنا للسبع المتفق عليها. |