![]() |
جماعة الشيء, وجمعها: جمل. يقول ابن منظور في (لسان العرب): "الجملة: واحدة الجمل، والجملة: جماعة الشيء، وأجمل الشيء: جمعه عن تفرقة، وأجمل له الحساب كذلك، والجملة: جماعة كل شيء بكماله من الحساب وغيره، يقال: أجملت له الحساب والكلام. قال الله تعالى: ((لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)) [الفرقان: ٣٢], وقد أجملت الحساب؛ إذا رددته إلى الجملة، وفي حديث القدر: ((كتاب فيه أسماء أهل الجنة والنار، أجمل على آخرهم, فلا يزاد فيهم ولا ينقص)), وأجملت الحساب: إذا جمعت آحاده وكملت أفراده، أي: أحصوا وجمعوا, فلا يزاد فيه ولا ينقص" انتهى. |
![]() |
والجملة: اسم على وزن فُعْلة، مِن قول العرب: جَمَل الشيء يَجْمُله من باب نصر، بمعنى: جمعه، وشبيه بها إطلاق الجمل -بضم الجيم, والميم- على الجماعة من الناس، ومادة الجيم والميم واللام تدور حول ثلاثة معانٍ؛ هي: التجمع وعظم الخَلق والحُسن. |
![]() |
ومن المعنى الأول قوله تعالى: ((لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)) [الفرقان: ٣٢] أي: مجموعًا غير مفرق. ومن الثاني قولهم: الجُمَّل, وهو حبل غليظ. ومن الثالث قولهم: رجل جميل وجُمال, إذا كان منظره حسنًا. |
![]() |
عبارة عن مركب من كلمتين، أسندت إحداهما إلى الأخرى، سواء أفاد كقولك: زيد قائم، أو لم يفد كقولك: إن يكرمني، فإنه جملة لا تفيد إلا بعد مجيء جواب الشرط، فتكون الجملة أعم من الكلام مطلقًا. |
![]() |
وهذا تعريف الإمام علي بن محمد الجرجاني في (التعريفات), وهو يعبر عن مذهب جمهور النحويين في تعريف الجملة، حيث يفرقون بينها وبين الكلام، بأن شرطه أن يفيد فائدة يحسن السكوت عليها، والجملة لا يشترط فيها ذلك، وإنما يكفي فيها حصول الإسناد. |
![]() |
وفي مقابل هذا لم يفرق بعض العلماء بين الجملة والكلام، بل ذهب إلى أنهما مترادفان، ومن هؤلاء الزمخشري، فإنه عرف الكلام ومثّل له ثم قال: "ويسمى الجملة", حيث قال في (المفصل): "الكلمة: هي اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع، وهي جنس تحته ثلاثة أنواع: الاسم والفعل والحرف، والكلام: هو المركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى، وذاك لا يتأتى إلا في اسمين كقولك: زيد أخوك وبشر صاحبك، أو في فعل واسم نحو قولك: ضُرب زيد وانطلق بكر، ويسمى الجملة". |
![]() |
وفي (لسان العرب) نقلًا عن ابن سيده, حكاية للقول بالترادف بينهما، فهو يقول: "وقيل: الكلام: ما كان مكتفيًا بنفسه وهو الجملة، والقول: ما لم يكن مكتفيًا بنفسه وهو الجزء من الجملة، ثم يقول: ومما يدل على أن الكلام هو الجمل المتركبة في الحقيقة قول كثير: |
![]() |
فمعلوم أن الكلمة الواحدة لا تُشجي ولا تُحزن، ولا تتملك قلب السامع، وإنما ذلك فيما طال من الكلام وأمتع سامعيه؛ لعذوبة مستمعه ورقة حواشيه. وممن صرحوا بأن الجملة هي الكلام ابن الخشاب في كتابه (المرتجل)". |
![]() |
وقد عبر ابن هشام عن مذهب الجمهور في ذلك، وردّ قول من ذهبوا إلى أن الجملة مرادفة للكلام، فقال في (المغني): "الكلام: هو القول المفيد بالقصد، والمراد بالمفيد ما دل على معنى يحسن السكوت عليه، والجملة: عبارة عن الفعل وفاعله كقام زيد، والمبتدأ وخبره كزيد قائم، وما كان بمنزلة أحدهما نحو: ضُرب اللص، وأقائم الزيدان، وكان زيد قائمًا، وظننته قائمًا". |
![]() |
وبهذا يظهر لك أنهما ليسا بمترادفين كما يتوهمه كثير من الناس، وهو ظاهر قول صاحب (المُفَصَّل), فإنه بعد أن فرغ من حد الكلام قال: "ويسمى جملة، والصواب: أنها أعم منه إذ شرطه الإفادة بخلافها؛ ولهذا تسمعهم يقولون: جملة الشرط، جملة الجواب، جملة الصلة، وكل ذلك ليس مفيدًا فليس بكلام". |
![]() |
وقال في (الإعراب عن قواعد الإعراب): "اعلم أن اللفظ المفيد يسمى كلامًا وجملة، ونعني بالمفيد: ما يحسن السكوت عليه، وأن الجملة أعم من الكلام، فكل كلام جملة ولا ينعكس، ألا ترى أن نحو: قام زيد من قولنا: إن قام زيد قام عمرو، يسمى جملة ولا يسمى كلامًا؛ لأنه لا يحسن السكوت عليه". |
![]() |
وقد فرَّق بعض النحويين بين حسن السكوت وصحة السكوت، وجعل الكلام ما يحسن السكوت عليه، وجعل الجملة ما يصح السكوت عليه؛ وذلك لأن صحة السكوت لا تتطلب سوى إسناد اسم إلى اسم، أو اسم إلى فعل، أما حسن السكوت فيتطلب إسنادًا أصليًّا مقصودًا لذاته كامل الفائدة، لا يحتاج إلى لفظ آخر تتم به الفائدة. |
![]() |
وقد بنوا على ذلك أن الجملة الواقعة خبرًا أو وصفًا أو حالًا, أو شرطًا أو صلة ونحو ذلك جملة, وليست بكلام؛ لأن إسنادها لم يكن مقصودًا لذاته، ولا تكمن الفائدة بها إلا بالمخبر عنه والموصوف وذي الحال وجواب الشرط والموصول، والجملة عمومًا هي: ما تضمن الإسناد الأصلي، سواء أكان مقصودًا لذاته أو لا. |
![]() |
كما بنوا على ذلك أن المصدر واسم الفاعل, واسم المفعول والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، ليس كلامًا ولا جملة؛ لأن الإسناد فيها ليس بأصلي لشبهها بالاسم الخالي من الضمير، من جهة أنها تكون بلفظ واحد للمتكلم والمخاطب والغائب. فمثلًا تقول: أنا ضارب أو مضروب أو حسن أو أفضل منك، كما تقول: أنا رجل, وتقول: أنت ضارب أو مضروب أو حسن أو أفضل مني، كما تقول: أنت رجل, وتقول: هو ضارب أو مضروب أو حسن أو أفضل منك، كما تقول: هو رجل؛ فلذلك كان الإسناد في هذه الأشياء عارضًا لا أصليًّا، فخرجت لذلك من باب الجملة والكلام؛ لأن شرطهما الإسناد. |
![]() |
تناول أحد الباحثين المعاصرين وهو الدكتور فتحي عبد الفتاح هذه القضية بالبحث، وخلاصة ما ذكره في ذلك: أن سيبويه ومن سبقه من النحاة لم يطلقوا هذا المصطلح، وأن سيبويه لم يشر في كتابه إلى تعريف مستقل للكلام، وكان إذا أراد أن يتحدث عن الجملة عبر عنها بلفظ الكلام، وجاء بعده المبرد فذكر مصطلح الجملة صراحة في مواضع محددة من كتاب (المقتضب). |
![]() |
يقول الباحث المذكور: "ويبدو لي أن المبرد البصري هو أول من استخدم هذا المصطلح من النحاة، وجاء هذا التعريف عرضًا في أثناء حديثه عن الفاعل، ولم يتعرض لها تفصيلًا, إنما تحدث عنها اصطلاحًا. يقول المبرد في هذا الشأن: هذا باب الفاعل وهو رفعٌ, وذلك قولك: قام عبد وجلس زيد، وإنما كان الفاعل رفعًا لأنه هو والفعل جملة يحسن عليها السكوت، ويجب بها الفائدة للمخاطب، فالفاعل والفعل بمنزلة الابتداء والخبر, إذا قلت: قام زيد فهو بمنزلة قولك: القائم زيد، ويبدو من قول المبرد أنه عرف الجملة اصطلاحًا، وتحدث عن تركيبها كالفعل والفاعل والمبتدأ والخبر, وأقسامها" انتهى. |
![]() |
ثم يذكر هذا الباحث أن مصطلح الجملة انتقل إلى نحاة بغداد عن طريق المبرد، الذي انتقل إلى بغداد واتخذها مقرًّا ينشر فيه مذهبه البصري، أما نحاة الكوفة فلم يأخذوا بهذا المصطلح، فنحاة بغداد هم أول من توسع واستخدم مصطلح الجملة في النحو العربي، وظهرت لأول مرة عندهم كتب تحمل اسم الجمل، وأول كتاب ظهر يحمل هذا الاسم هو كتاب (الجمل) للزجاجي، وجاء بعده كتاب... |
| ...(الجمل) لابن خالويه، وكتاب (الجمل) للشيخ عبد القاهر الجرجاني. |
![]() |
أقول: وقد ظهر في عام ألف وتسعمائة وخمسة وثمانين كتاب محقق، يحمل عنوان (الجمل في النحو) تصنيف الخليل بن أحمد الفراهيدي، حققه الدكتور فخر الدين قباوَة، وذكر في مقدمته أن الكتاب مشكوك في نسبته إلى الخليل، وأنه ينسب أيضًا إلى أبي بكر بن شُقَير، المتوفى سنة ثلاثمائة وسبع عشرة من الهجرة، وإذا ثبت ذلك كان كتاب ابن شقير هو أول كتاب ظهر يحمل اسم الجمل؛ لأن الزجاجي توفي سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة من الهجرة. |