١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
"كَأَيِّنْ"
 |
"كأين" حقيقتها هي اسم يدل على تكثير عدد مبهم الجنس والمقدار، فهي تدل على عدد كثير لكنها لا تحدده، بل تستره وتخفيه؛ فلهذا جُعلت من كنايات العدد، ومن أمثلتها قوله تعالى: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ)) [يونس: ١٠٥], أي: كثير من الآيات في السماء والأرض يعرض عنها الكفار، وهم يمرون عليها، وليس في الآية تحديد لتلك الآيات، أهي بسيطة أم مركبة؟
|
 |
وجمهور النحويين يسير على أن "كأين" مركبة، وقال بعض المغاربة: يحتمل أن تكون بسيطة، وذهب أبو حيان في (البحر المحيط) إلى أنها بسيطة, وأنها مبنية على السكون، والنون من أصل الكلمة وليست بدلًا عن تنوين، وقد حملت في البناء على نظيرتها "كم" الخبرية التي بمعنى كثير، والقول بتركيبها له وجهان:
|
الوجه الأول
أنها مركبة من "كاف" التشبيه, و"أي" المنونة وهي الاستفهامية, لكن حدث لها بالتركيب معنى آخر فصارت تستعمل في الخبر، ومثلها مثل "يزيد" مسمى به في كونه يحكى, ويحكم على موضوعه بالإعراب.
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
الوجه الثاني
أجازه ابن خروف: أن تكون مركبة من "كاف" التشبيه و"أيٍّ": اسم على وزن فيعٍ، وهذا الاسم لم يستعمل مفردًا بل مركبًا مع الكاف، وهو مبني على السكون من حيث استعمل في معنى كم، وهذا الوجه فيه تكلف، والأول هو الأرجح، ودليل رجحانه أن "كأين" يوقف عليها بإثبات النون وبحذفها، فمن وقف عليها بإثبات النون فلأن التنوين لما دخل في التركيب أشبه النون الأصلية؛ ولهذا السبب نفسه رسمت في المصحف بنون في آخرها، ومن وقف بحذف النون اعتبر حكم التنوين في الأصل، وهو أنه يحذف في الوقف.
 |
يقول المرادي: اختلف في الوقف على "كأين" في اللغة المشهورة؛ فذهب الفارسي والسيرافي وجماعة من البصريين إلى أنه بحذف النون، وذهب ابن كيسان وابن خروف إلى أنه بإقرار النون، والوجهان منقولان عن أبي عمرو والكسائي.
|
 |
قلت: وقف أكثر القراء بالنون؛ اتباعًا للرسم, ووقف أبو عمرو بالياء.
|
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
اللغات الواردة في "كأين"
ذكر العلماء أن في "كأين" خمس لغات:
اللغة الأولى
وهي أفصح اللغات: كأين -بكاف وهمزة مفتوحتين، فياء مشددة مكسورة، فنون ساكنة- وبها قرأ السبعة ما جاء منها في القرآن إلا ابن كثير، فإنه قرأ باللغة الثانية التالية.
اللغة الثانية
كائن -بكاف مفتوحة بعدها ألف ساكنة، فهمزة مكسورة فنون ساكنة- وهذه اللغة تلي الأولى في الفصاحة، وبها قرأ ابن كثير ما جاء في القرآن منها، وهي أكثر في الشعر من الأولى وإن كانت الأولى هي الأصل، ومن ورودها في الشعر قول الشاعر:
| وكائن لنا فضلًا عليكم, ومنة |
قديمًا, ولا تدرون ما من منعم |
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
وقول الآخر:
| وكائن بالأباطح من صديق |
يراني لو أصبت هو المصاب |
قال المرادي: واختلف أيضًا في الوقف على كائن، وهي التي قرأ بها ابن كثير، فوقف المبرد وابن كيسان بالنون، ووقف جماعة بحذفها، وقد أغرب من جعلها اسم فاعل من كان، ومن جعلها من كاء يكيء كيئًا؛ إذا رجع وارتدع.
ومعنى كلام المرادي: أن "كائن" لغة في "كأين"، وليست من اشتقاق آخر، وقد بين أبو علي الفارسي في كتاب (الحجة) أنه لما كثر استعمال كأين وصارت كالكلمة الواحدة حصل فيها قلب، كما حصل في قولهم: لعمري حيث قالوا: رعملي، فلما حصل فيها القلب المكاني صارت: كيأن, فحذفت منها الياء الثانية، وقلبت الياء الأولى ألفًا كما حصل في طائي، فصارت كائن.
اللغة الثالثة
كأين -بهمزة ساكنة وياء خفيفة مكسورة- وبها قرأ الأعمش وابن محيصن.
اللغة الرابعة
كيئن -بياء ساكنة، فهمزة مكسورة- ولعلها مقلوبة من اللغة الثالثة.
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
اللغة الخامسة
كأن -بكاف وهمزة مفتوحتين، يليهما نون ساكنة- وهي لغة حكاها المبرد، قال الأشموني: وسبب تلعبهم بهذه الكلمة كثرة الاستعمال.
حكم تمييز "كأين"
 |
لما كانت كأين كناية عن عدد مبهم الجنس والمقدار، كانت في حاجة إلى التمييز مثل كم، والأكثر جر التمييز بعدها بمن، فتقول: كأين من رجل لقيت، ويجوز نصبه، فتقول: كأين رجلًا رأيت.
|
 |
ومن شواهد الجر بمن قوله تعالى: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)) [آل عمران: ١٤٦]، ومن شواهد النصب قول الشاعر:
|
| اطرد اليأس بالرجا فكأين |
آلمًا حم يسره بعد عسر |
|
وآلمًا: تمييز كأين وهو منصوب، وهو اسم فاعل من ألم يألم، وحم بمعنى قدر.
|
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
ما توافق فيه "كأين" "كم" الخبرية و ما تخالفها فيه
 |
ذكر النحويون أن كأين توافق كم الخبرية في خمسة أمور، وهي: الإبهام، والبناء، ولزوم التصدير، وإفادة التكثير، والافتقار إلى التمييز.
|
 |
ذكر النحويون أنها تخالف كم في ستة أمور، هي:
|
الأمر الأول
أنها مركبة من كاف التشبيه وأي المنونة، وكم بسيطة على الأصح.
الأمر الثاني
أنها لا تقع استفهامية عند الجمهور, خلافًا لابن قتيبة وابن عصفور وابن مالك؛ فإنهم ذهبوا إلى أنها قد تفيد الاستفهام، واستدلوا على ذلك بقول أبي بن كعب لعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهما: "كأين تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كأين تعد سورة الأحزاب؟" فقال عبد الله: ثلاثًا وسبعين. فقال أبي: ما كانت كذا قط.
قلت: والذي استدل به هؤلاء نادر، والنادر لا يقاس عليه ولا يثبت به حكم.
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
الأمر الثالث
أنها لا تقع مجرورة, خلافًا لابن قتيبة وابن عصفور؛ فإنهما أجازا "بكأين تبيع هذا الثوب" ولعلها في مثالهما استفهامية، وقد قاساها في ذلك على كم، وليس لما ذكراه شاهد مسموع.
الأمر الرابع
أن مميزها مجرور بمن غالبًا, حتى زعم ابن عصفور لزوم ذلك، ويردّه ما تقدم من شواهد نصبه، ومميز كم يكون منصوبًا أو مجرورًا.
الأمر الخامس
أن مميزها لا يقع إلا مفردًا، ومميز كم يقع مفردًا وجمعًا.
الأمر السادس
أن خبرها لا يقع اسمًا مفردًا، قال أبو حيان في (الارتشاف): وقد استقرأت جملة مما وقعت فيه كأين مبتدأة، فوجدت خبرها لا يكون إلا جملة فعلية مصدرة بماض أو بمضارع, أو جارًّا ومجرورًا، ولم أقف على كون خبرها يكون اسمًا مفردًا، ولا جملة اسمية, ولا فعلية مصدرة...
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
...بمستقبل، فينبغي ألا نقدم على شيء من ذلك إلا بسماع من العرب.
وما ذكره أبو حيان من أن خبر كأين لا يكون جملة اسمية مردود، بأنه جاء كذلك في قوله تعالى: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ)) [العنكبوت: ٦٠], وفي كتاب (التبيان) لأبي البقاء العكبري أجاز أن تكون كأين في هذه الآية في موضع رفع بالابتداء، وجملة "الله يرزقها" خبر كأين، وأنّث الضمير فيها على المعنى.
إعراب آيات مشتملة على "كأين"
 |
قال تعالى: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)) [آل عمران: ١٤٦] كأين: اسم من كنايات العدد مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ومن: حرف جر, ونبي: مجرور بمن وهو تمييز كأين, وقاتل: فعل ماضٍ, ومع: ظرف منصوب مضاف إلى الهاء، وهذا الظرف متعلق بقاتل, وربيون: فاعل قاتل، وكثير: نعت له، وجملة "قاتل معه ربيون كثير" في محل رفع خبر المبتدأ كأين، والمعنى: كثيرون من الأنبياء قاتل معهم ربيون كثيرون، والربيون قيل: العلماء، وقيل: الأتباع، وقيل: العابدون.
|
 |
قال الله عز وجل: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ)) [يوسف: ١٠٥] كأين: اسم من كنايات العدد يفيد التكثير، وهو مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ومن آية: جار ومجرور تمييز لكأين، وفي السماوات والأرض: جار...
|
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
|
...ومجرور ومعطوف على المجرور، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لآية, ويمرون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، وواو الجماعة فاعله، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ كأين, وعليها: جار ومجرور متعلقان بيمرون, وهم عنها معرضون: الواو واو الحال، وهم: ضمير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وعنها: جار ومجرور متعلقان بمعرضون، ومعرضون: خبر عن هم، والجملة في محل نصب حال.
ويجوز أن يكون خبر كأين هو الجار والمجرور "في السماوات والأرض", أي: كثير من الآيات كائن في السموات والأرض، وتكون جملة "يمرون عليها" صفة لآية. والمعنى على الإعراب الأول: كثير من الآيات يمر عليه المشركون، فلا يأبهون به ويعرضون عنه.
|
 |
قال الله تعالى: ((فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وهي ظَالِمَةٌ)) [الحج: ٤٥] الفاء للاستئناف، والجملة بعدها مستأنفة، وكأين: كناية عن عدد يراد به التكثير، والمعنى: كثير من القرى أهلك أهلها وهم ظالمون, وهو اسم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ, ومن قرية: جار ومجرور تمييز لكأين, وأهلكناها: جملة من فعل وفاعل ومفعول، وهي في محل رفع خبر لكأين, وجملة "وهي ظالمة": الواو فيها واو الحال، وهي جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحالية، وصاحب الحال الضمير المنصوب في أهلكناها.
وهذا الإعراب هو الجيد السهل، وأجاز المعربون أيضًا أن تكون كأين اسمًا مبنيًّا في محل نصب على الاشتغال، وناصبها فعل مقدر يفسره أهلكناها، وعلى هذا تكون جملة "أهلكناها" لا محل لها من الإعراب مفسرة.
|
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
 |
قال الله تعالى: ((وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ)) [العنكبوت: ٦٠] الواو هنا للاستئناف، وكأين: كناية عن العدد بمعنى كثير، وهو اسم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ, ومن دابة: جار ومجرور تمييز لكأين, وجملة "لا تحمل رزقها" في محل جر صفة لدابة, وجملة "الله يرزقها وإياكم" في محل رفع خبر لكأين.
|
"كذا"
حقيقتها
 |
حقيقة "كذا" أنها كناية عن عدد مبهم الجنس والمقدار، لكنها لا تدل على التكثير، بل تدل على عدد مبهم قليل أو كثير، فيمكن أن يكنى بها عن واحد وعن اثنين وعن ثلاثة، وعن أكثر من ذلك, ومثالها أن تقول: رأيت كذا رجلًا، واشتريت كذا كتابًا.
|
 |
وبعض النحويين يجلي حقيقة كذا بمقارنتها بكأين كما فعل المصرح، وبعضهم يجلي حقيقتها بمقارنتها بكم كما فعل الأشموني؛ وقد ذكر المصرح أن كذا توافق كأين في أربعة أمور، وهي: الإبهام، والبناء، والافتقار إلى التمييز بمفرد، والتركيب فإنها مركبة من كاف التشبيه وذا الإشارية، وتخالف كأين في ثلاثة أمور:
|
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
الأول
أنها ليس لها الصدر؛ فلذلك تقول: قبضت كذا وكذا درهمًا، بتقديم العامل في كذا وهو قبضت، وهذا يدل على عدم الصدارة.
الثاني
أنها لا تستعمل غالبًا إلا معطوفًا عليها مثلها، كما في قول الشاعر:
| عد النفس نعمى بعد بؤساك ذاكرا |
كذا, وكذا لطفًا به نسي الجهد |
الثالثا
أنها يجب في تمييزها النصب، فلا يجوز جره بمن اتفاقًا ولا بالإضافة؛ لأن عجزها اسم لم يكن له قبل التركيب نصيب في الإضافة، وهو ذا الإشارية، فأبقي على ما كان عليه قبل التركيب.
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
 |
وخالف في ذلك الكوفيون، فأجازوا في غير تكرار ولا عطف: كذا ثوبٍ، وكذا أثوابٍ، بالجر قياسًا على العدد الصريح, وفي (شرح الجمل) لابن عصفور: وأهل الكوفة يقولون في الثلاثة إلى العشرة: له كذا دراهمَ، وفي المائة والألف: له كذا درهمٍ، وذلك فاسد عندنا -يعني البصريين- لأن اسم الإشارة لا يضاف أصلًا.
|
 |
وأجاز الزجاجي جر تمييز كذا على ضرب من الحكاية، وقال الحوفي في توجيه جره: على البدل من ذا، وقد قال المرادي في (شرح الألفية): خطأ الفارسي والزجاج وابن أبي الربيع وابن عصفور من جر التمييز بعد كذا في نحو: كذا درهم، وأجازه بعضهم على الإضافة، وبعضهم على البدل، والصحيح: أنه لا يجوز ولم يسمع.
|
 |
وفي بيانه لحقيقة كذا وأحكامها, يذكر الأشموني أنها توافق كم في أربعة أمور، وتخالفها في أربعة، فتوافقها في: الإبهام، والبناء، وإفادة التكثير، والافتقار إلى التمييز، وتخالفها في أنها: مركبة من كاف التشبيه وذا الإشارية؛ لأن كم بسيطة على الصحيح، وتخالفها في أنها لا تلزم التصدير فتقول: قبضت كذا وكذا درهمًا، وأما كم فهي واجبة التصدير؛ إما لأنها استفهامية، وإما لأنها تجري مجرى الاستفهامية, وتخالفها من جهة أن كم تستعمل مفردة ولا يعطف عليها مثلها، وأما كذا فلا تستعمل غالبًا إلا معطوفًا عليها مثلها كما في البيت المتقدم. قال ابن مالك في (التسهيل): وقل ورود كذا مفردًا ومكررًا بلا واو؛ أي: إنه يجوز على قلة أن يقال: عندي كذا درهمًا بإفراد كذا، أو عندي كذا كذا كتابًا، بتكرارها بلا واو, وذهب ابن خروف إلى منع استعمال كذا بغير التكرار والعطف، فلا يجوز عنده: كذا درهمًا، ولا: كذا كذا درهمًا.
|
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
 |
وتخالفها من جهة أن كم يأتي تمييزها مجرورًا بمن أو بإضافة كم إليه، وكذا يجب نصب تمييزها، ولا يجوز جره بمن اتفاقًا ولا بالإضافة خلافًا للكوفيين، فإنهم أجازوا في غير تكرار ولا عطف أن يقال: كذا ثوبٍ، وكذا أثوابٍ قياسًا على العدد الصريح؛ ولهذا قال فقهاؤهم: إن قال: له عندي كذا درهم، يلزمه بقوله ذلك مائة؛ لأنها أول مرتبة من مراتب العدد الصريح تضاف إلى مفرد مجرور، ومن قال: له عندي كذا دراهم يلزمه بقوله ذلك ثلاثة؛ لأنها أول مرتبة من مراتب العدد الصريح تضاف إلى جمع، وإذا قال: له عندي كذا كذا درهمًا لزمه أحد عشر؛ لأنها أول مرتبة من مراتب العدد الصريح المركب، وإذا قال: له عندي كذا درهمًا لزمه عشرون؛ لأنها أول مرتبة من مراتب العدد الصريح غير المركب، يأتي تمييزها مفردًا منصوبًا، وإذا قال: له عندي كذا وكذا درهمًا لزمه أحد وعشرون؛ لأنها أول مرتبة من مراتب العدد المعطوف, فهم يحملون معنى كذا على المحقق من نظيرها في العدد الصريح.
|
 |
وقد عبر ابن مالك عن مذهبهم في (التسهيل) بقوله: وكنى بعضهم بالمفرد المميز بجمع عن ثلاثة وبابه، وبالمفرد المميز بمفرد عن مائة وبابه، وبالمكرر دون عطف عن أحد عشر وبابه، وبالمكرر مع عطف عن أحد وعشرين وبابه.
|
 |
وقال المرادي: مذهب البصريين: أن تمييز كذا لا يكون إلا مفردًا ومنصوبًا، سواء كانت مفردة أو مكررة، وذهب الكوفيون إلى أنها تعامل معاملة ما يكنى بها عنه، فكذا أعبد كناية عن ثلاثة إلى عشرة، وكذا عبد عن مائة فصاعدًا، وكذا كذا عبدًا عن أحد عشر إلى تسعة عشر، وكذا عبدًا عن عشرين إلى تسعين، وكذا وكذا عبدًا عن واحد وعشرين إلى تسعة وتسعين.
|
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
 |
كان مستقيمًا؟ إلا أن حرف التنبيه هنا متقدم على الكاف كما أريته، وإنما القاعدة فيه مع سائر حروف الجر أن يتأخر عنها، كقولك: بهذا، ولهذا، إلا في هذا الموضع خاصة، قال أبو الطيب:
|
| ذي المعالي, فليعلون من تعالى |
هكذا هكذا, وإلا فلا لا |
حكم "كذا" من حيث التركيب
ذكر ابن هشام وغيره أن كذا التي يكنى بها عن عدد مجهول الجنس والمقدار فيها مذهبان:
المذهب الأول
وهو مذهب الجمهور: أنها مركبة من الكاف الحرفية المفيدة للتشبيه وذا التي للإشارة, على حد تركيب الكاف مع أن في نحو: كأنّ زيدًا أسد، وعلى حد تركيب ذا مع حب في حبذا، ومع ما في نحو: ماذا صنعت، في أحد التقادير، ولا يحكم على ذا فيها بأنها في موضع جر، ولا على الكاف بأنها متعلقة بشيء، ولا بأن فيها معنى التشبيه، وإن كان باقيًا بعد التركيب في كأن إلا أنه لا معنى له هنا، فلا وجه لتكلف ادعائه؛ لأن التركيب كثيرًا يزيل معنى المفردين، ويحدث مجموعهما معنى لم يكن، ويحكم على مجموع الكلمتين بأنه في موضع رفع أو نصب أو جر بحسب العوامل الداخلة عليهما، ويدل على أن الأمر كذلك جملة أمور:
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
الأمر الأول
أن ذا لا تؤنث لتأنيث تمييزها, تقول: له عندي كذا وكذا أمة، ولا تقول: كذي، ولا كذه.
الأمر الثاني
أن ذا لا تتبع بتابع، فلا يقولون: صحبت كذا نفسه رجلًا.
الأمر الثالث
أنهم يقولون: إن كذا وكذا مالُك، برفع المال، فدل على أن كذا بمجموع جزأيها في موضع نصب.
الأمر الرابع
أنهم يقولون: حسبي بكذا كفيلًا، فأدخلوا الجار على كذا وجعلوها في محل جر، ولو كانت الكاف باقية على كونها حرف جر، ما دخل عليها حرف الجر؛ لأن الجر لا يدخل على مثله.
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
الأمر الخامس
أنهم يقولون: كذا كذا درهمًا، مع أنهم لا يركبون ثلاثة أشياء, فما ظنك بأربعة؟! فلولا أن كذا قد صارت بمنزلة الشيء الواحد؛ لم يَسُغ ذلك.
المذهب الثاني
وهو مذهب جماعة من النحويين: أن الكاف وذا في كذا التي يكنى بها عن العدد باقية على أصلها من غير تركيب، أي: كل من الكاف وذا كلمة باقية على أصلها، ولهم في ذلك خمسة أقوال:
القول الأول
أن الكاف حرف تشبيه، وأن معنى التشبيه باقٍ، قال ابن هشام: وهذا ظاهر قول سيبويه، وصريح قول الصفار.
القول الثاني
أن الكاف اسم بمنزلة مثل وأن, نحو: له عندي كذا درهمًا, أصله أن يقال حيث يكون هناك مشار إليه يساويه ما عندك في العدد، فالأصل: له عندي مثل ذا من العدد، ثم جيء بدرهم تفسيرًا لمثل، وهذا قول ابن أبي الربيع.
والراجح في هذا كله مذهب الجمهور، وقد تقدمت أدلتهم على أن كذا المستعملة في الكناية عن العدد, صارت بعد التركيب بمنزلة الشيء الواحد، فلا مجال للقول باستقلال أحد جزأيها أو بقائه على استعماله الأصلي قبل التركيب.
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
القول الثالث
أن الكاف اسم، لكنها خالية من معنى التشبيه، وهذا الاسم في موضع رفع بالابتداء، وهذا قول أبي طالب العبدي، وهو قول غريب.
القول الرابع
أن الكاف محتملة للحرفية والاسمية، فإذا قال القائل: عندي كذا درهمًا، فإما أن تكون الكاف اسمًا مبتدأ بمنزلة مثل، وإما أن تكون
حرف تشبيه جارّ لذا، والجار والمجرور في موضع الصفة لمبتدأ محذوف، والتقدير: عندي شيء كهذا العدد، وهذا قول أبي البقاء
العكبري في (شرح الإيضاح) قال: فإذا جعلت الكاف حرفًا لم تحتج إلى أن تتعلق بشيء؛ لأن التركيب غير حكمها كما في كأن،
فإنها قبل أن تتقدم كانت متعلقة بمحذوف، وهي الآن غير متعلقة بشيء.
القول الخامس
أن الكاف حرف جر زائد وزيادتها لازمة، وذا مجرورة بها، وهذا قول ابن عصفور، وحجته أنه لا معنى للتشبيه في نحو: عندي كذا درهمًا، قال: وإذا ثبت أنها زائدة, لم تكن متعلقة بشيء.
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث
١٢.٢ "كَأَيِّنْ", و"كذا", وفائدة في الكناية عن الحديث