"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
معنى الكناية, والحديث عن "كم"
معنى الكناية
كل اسم وضع لعدد مبهم مثل: كم وكذا، ولحديث مبهم مثل: كيت وذيت، فهو كناية، وتسميته كناية لما فيه من الستر والإخفاء، وقد أطلق النحويون هذا الاسم على ثلاثة ألفاظ هي: كم وكأين وكذا؛ وذلك لأنها تذكر ليستدل بها على عدد غير معلوم، ولهذا يجعلون حديثها عقب الحديث عن العدد، وفيما يلي حديثها مفصلًا:
"كم"
"كم" هي اسم لعدد مبهم الجنس والمقدار عند تجردها من التمييز، فإذا جيء بعدها بالتمييز صار إبهامها في المقدار وحده، كما تقول في الاستفهامية: كم كتابًا اشتريت؟ وكما تقول في الخبرية: كم رجال قابلت.
الخلاف حول بساطة "كم", وتركيبها
 |
مذهب البصريين في "كم" أنها بسيطة، وهي اسم مفرد غير مركب وُضع للكناية عن العدد، ودليلهم على ذلك: أن الأصل في الكلمات هو الإفراد، والتركيب فرع عنه، ومن تمسك بالأصل خرج عن عهدة المطالبة بالدليل، ومن عدل عن الأصل افتقر إلى إقامة الدليل،...
|
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
 |
تفتقر كل من كم الاستفهامية والخبرية إلى تمييز يوضح إبهامها، وفيما يلي بيان ذلك:
|
أولًا: "كم" الاستفهامية
 |
يأتي تمييزها مفردًا منصوبًا كتمييز عشرين وأخواتها، فكما تقول: قابلت عشرين رجلًا, تقول مع كم الاستفهامية: كم رجلًا قابلت؟ وقد أشار إلى ذلك ابن مالك في الألفية بقوله:
|
| ميز في الاستفهام كم بمثل ما |
ميزت عشرين ككم شخصًا سما؟ |
|
أي: فكما تقول: عشرون شخصًا, تقول مع كم في الاستفهام: كم شخصًا سما؟ وكم في هذا المثال في محل رفع مبتدأ، وشخصًا: تمييز منصوب, وسما: جملة في محل رفع خبر المبتدأ.
|
 |
واختلف النحويون حول كون تمييز كم الاستفهامية مفردًا، وفي ذلك ثلاثة مذاهب:
|
المذهب الأول
مذهب جمهور البصريين: أن ذلك واجب مطلقًا، وفي ذلك يقول أبو علي في (الإيضاح): وأما "كم" إذا كانت في الاستفهام فهي بمنزلة عدد منون، ولا تبين إلا بالأسماء المفردة في قول البصريين، وذلك نحو: كم رجلًا جاءك؟ ولا يجوز: كم غلمانًا لك؟
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
المذهب الثاني
أن نصبه ليس بلازم، بل يجوز جره مطلقًا حملًا على تمييز كم الخبرية، فهو مجرور دائمًا، وإلى هذا ذهب الفراء والزجاج والفارسي، فيجوز عندهم أن تقول: كم كتابًا اشتريت؟ بنصب التمييز، وكم كتابٍ اشتريت؟ بجر التمييز، ويجوز عندهم: بكم جنيهًا اشتريته؟ بالنصب، وبكم جنيهٍ اشتريته؟ بالجر، وحملوا على ذلك قول الفرزدق:
| كم عمة لك يا جرير, وخالة |
فدعاء, قد حلبت علي عشاري؟ |
فيمن رواه بجر عمة، وعلى أن "كم" فيه استفهامية مقصود بها التهكم.
المذهب الثالث
أن نصبه لازم إن لم يدخل على كم حرف جر، وراجح على الجر إن دخل عليها حرف جر، ففي نحو: كم سورة حفظت؟ يجب نصب التمييز، وفي نحو: بكم جنيهًا اشتريت؟ يكون نصبه راجحًا على الجر، ويجوز الجر فتقول: بكم جنيهٍ اشتريت؟ لكنه مرجوح, والنصب أجود وأكثر.
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
القول الأول
وهو قول الجمهور: أنه مجرور بإضافة كم إليه؛ حملًا لكم على ما هي مشابهة له من العدد، وهذا القول هو الصحيح كما قال الأشموني.
القول الثاني
أنه مجرور بمن مقدرة قبله؛ لأن "من" يكثر دخولها على تمييز كم الخبرية، فجاز إضمارها لدلالة الحال عليه، وهذا القول للفراء، ونقل عن الكوفيين، ونقله بعضهم عن الخليل، والمعلوم أن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير، فقول الجمهور أولى.
 |
ومن شواهد مجيء تمييز "كم" الخبرية جمعًا مجرورًا قول الشاعر:
|
| كم ملوكٍ باد ملكهم |
ونعيم سوقة بادوا |
|
وكم فيه: مبتدأ، خبره جملة "باد ملكهم"، وملوك: مجرور بإضافة كم إليه، وهو تمييز، ونعيم: معطوفة على ملوك بتقدير مضاف؛ أي: وكم ذوي نعيم، وسوقة: بدل منه، وبادوا: جملة معطوفة على جملة "باد ملكهم".
|
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
الأول
أنه لا يجوز في الاختيار، بل هو خاص بالشعر، وهو قول جمهور البصريين، ومن شواهده في الشعر قول أنس بن زنيم:
| كم بجودٍ مقرف نال العلا |
وكريم بخله قد وضع |
وقول الفرزدق:
| كم في بني بكر بن سعد سيد |
ضخم الدسيعة ماجد نفاع |
وقول ذي الرمة:
| كم دون مية مومات يهال لها |
إذا تيممها الخريت ذو الجلد |
الثاني
أنه يجوز في الاختيار، وهو مذهب الكوفيين، فعلى مذهبهم يجوز أن تقول: كم في البيت صلاةٍ صليت، وكم عندك طعامٍ أكلت، بجر التمييز في المثالين، مع الفصل بالجار والمجرور في الأول، وبالظرف في الثاني.
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
الأول
أنه ورد على اللغة المذكورة المحكية عن تميم، وهي التي تنصب مميز كم الخبرية مع الاتصال؛ حملًا لها على كم الاستفهامية، فتكون كم معه خبرية كما كانت في رواية الجر.
الثاني
أن كم في البيت استفهامية، والاستفهام فيه تهكمي، والمعنى: أخبرني بعدد عماتك وخالاتك اللاتي كن يخدمنني فقد نسيته، وعلى هاتين الروايتين تكون كم مبتدأ، وجملة "قد حلبت" خبره، وأفرد فيه الضمير حملًا على لفظ كم، أو التاء في حلبت للجماعة؛ لأن عمة وخالة في معنى عمات وخالات.
 |
كما وردت رواية البيت برفع عمة وخالة المعطوف عليه، وعليها يكون رفع عمة لكونه مبتدأ وإن كان نكرة؛ لأنه وصف بالجار والمجرور لك، وبفدعاء محذوفة مدلول عليها بالمذكورة، كما حذفت لك من صفة خالة مدلولًا عليها بلك الأولى، وخبر المبتدأ "قد حلبت"، ولا بد من تقدير قد حلبت أخرى؛ لأن المخبر عنه حينئذ متعدد لفظًا ومعنى، فهو نظير زينب وهند قامت، وكم في هذه الرواية في محل نصب على المفعولية المطلقة أو على الظرفية الزمانية، وتقديرها: حلبة أو وقتًا، والتمييز محذوف, أي: كم حلبة أو كم وقت.
|
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
|
 |
وأما الصورة التي تحتمل فيها الرفع والنصب فضابطها: ألا تكون كناية عن مصدر ولا ظرف، ويليها فعل متعد أخذ مفعوله، وذلك المفعول ضمير يعود عليها نحو: كم رجل ضربته، فيجوز فيها حينئذ أن تكون في محل رفع على الابتداء، وهو الأرجح، ويجوز أن تكون في محل نصب على الاشتغال، فيكون الناصب لها فعلًا مقدرًا يفسره الفعل المذكور.
|
الأمور التي تفترق فيها "كم" الاستفهامية و"كم" الخبرية
ذكر النحويون أنهما يفترقان في تسعة أمور:
الأمر الأول
أن الاستفهامية لا تدل على تكثير، والخبرية للتكثير، خلافًا لابن طاهر وتلميذه ابن خروف.
الأمر الثاني
أن الخبرية تختص بالزمن الماضي كـ"ربّ" بجامع التكثير فيهما؛ فلهذا لا يجوز فيها: كم غلمان سأملكهم، كما لا يجوز: رب غلمان سأملكهم؛ لأن التكثير والتقليل إنما يكونان فيما عرف، ويجوز في الاستفهامية كم كتابًا ستشتريه؟ لأن الاستفهام لتعيين المجهول.
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
الأمر الثالث
أن الكلام مع الخبرية محتمل للتصديق والتكذيب, بخلافه مع الاستفهامية فإنه لا يحتملهما، وبناء على ذلك يتوجه إلى المتكلم بالخبرية التصديق والتكذيب لأنه مخبر، والإخبار يحتمل الصدق والكذب، بخلاف المتكلم بالاستفهامية لأنه منشئ، والإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب.
الأمر الرابع
أن الكلام مع الخبرية لا يستدعي جوابًا، بخلافه مع الاستفهامية فإنه يستدعي جوابًا، وبناء على ذلك نقول: إن المتكلم بالاستفهامية يستدعي جوابًا من المخاطب؛ لأنه مستخبر، بخلاف المتكلم بالخبرية لأنه مخبر.
والأجود في جواب الاستفهامية أن يكون على حسب موضعها في الإعراب، ولو رفع مطلقًا لجاز، فإذا قيل: كم كتابًا اشتريت؟ فالأجود أن يكون الجواب مثلًا: ثلاثةً بالنصب، بتقدير: اشتريت ثلاثة، ويجوز الرفع فتقول: ثلاثة، وهو خبر لمبتدأ محذوف مفهوم من المقام، والتقدير: المشترى من الكتب ثلاثة، وكذا إذا قيل: بكم جنيه اشتريت الثوب؟ تقول في الجواب: ثلاثة بالجر، وهو الأجود، ويجوز فيه الرفع، فتقول: ثلاثة، بتقدير: المشترى به ثلاثة.
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
الأمر الخامس
أن الخبرية يجوز العطف عليها بلا, فتقول: كم رجل جاءني, لا رجل ولا رجلان، بخلاف الاستفهامية، فإنه لا يجوز فيها ذلك.
الأمر السادس
أن المبدل من كم الخبرية لا يقترن بهمزة الاستفهام لأنه خبر، والخبر لا يتضمن معنى الاستفهام، فتقول: كم رجال في الدار، عشرون، بل ثلاثون، بخلاف المبدل من كم الاستفهامية، فإنه يجب اقترانه بهمزة الاستفهام؛ لتضمنها معنى الاستفهام، ولهذا يقال: كم مالك؟ أعشرون أم ثلاثون؟ فكم: في موضع رفع بالابتداء، ومالك: خبره عند سيبويه، وعند الأخفش بالعكس، وعشرون: بدل من كم، وأم: عاطفة، وفيها معنى الاستفهام وتسمى معادلة الهمزة، وثلاثون معطوف على عشرون.
الأمر السابع
أن تمييز كم الاستفهامية أصله النصب، وتمييز الخبرية أصله الجر.
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
الأمر الثامن
أن تمييز كم الاستفهامية يكون مفردًا، وتمييز الخبرية يكون مفردًا وجمعًا.
الأمر التاسع
أن الفصل بين الاستفهامية وبين مميزها جائز في السعة، نحو: كم عندك كتابًا؟ وكم اليوم كتابًا اشتريت؟ ولا يفصل بين كم الخبرية ومميزها المجرور بالإضافة إلا في الضرورة، وأما المجرور بمن فيجوز فصله، كما في قوله تعالى: ((كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)) [الدخان: ٢٥].
 |
وإلى هنا انتهى الحديث فيما يتعلق بكم من الأحكام، وفيما يلي تطبيق لذلك:
|
|
 |
قال الله عز وجل: ((سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ)) [البقرة: ٢١١] كم في هذه الآية كناية عن العدد الكثير، وهي اسم مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثانٍ للفعل "آتيناهم" مقدم عليه، وهي كم الخبرية، والمفعول الأول هو الضمير هم، والضمير نا فاعل، وآية: تمييز كم الخبرية وهو مجرور بمن، وكثيرًا ما يجر تمييز كم الخبرية بمن.
|
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
|
 |
قال عز وجل: ((كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ)) [البقرة: ٢٤٩] كم هنا خبرية أيضًا، وهي كناية عن العدد الكثير، وهي اسم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وتمييزها هو فئة، وهو مجرور بمن، وجره بمن كثير، وخبر كم هو جملة "غلبت فئة كثيرة"، والمعنى: كثير من الفئة القليلة غلب فئة كثيرة بإذن الله.
|
|
 |
قال الله -عز وجل: ((قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)) [البقرة: ٢٥٩] كم في هذه الآية استفهامية بمعنى: أي عدد من الأزمنة؟ وهي اسم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية، والعامل فيها النصب هو لبثت، وقد حذف هنا تمييز كم الاستفهامية؛ لدلالة الجواب عليه، والتقدير: كم يومًا لبثت؟
|
|
 |
قال الله -عز وجل: ((أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ)) [الأنعام: ٦] كم هنا خبرية كناية عن العدد الكثير، وهي اسم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم للفعل أهلكنا، ولا يجوز أن يعمل فيها الفعل يروا؛ لأن الاستفهام وما جرى مجراه لا يعمل فيه ما قبله، وتمييز كم هو قرن، وقد استعمل مجرورًا بمن.
ولست مع من يجيزون أن تكون كم في الآية استفهامية؛ لأن المراد فيها الكناية عن كثرة عدد من أهلكهم الله من الأقوام الكافرين السابقين، والمعنى: ألم يعلموا أننا أهلكنا أممًا كثيرة قبلهم.
|
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
|
|
وقد أجاز العكبري وغيره أن تكون كم في الآية في محل نصب على أنها مفعول مطلق على تقدير: كم إهلاك أهلكنا، أو على أنها ظرف زمان على تقدير: كم أزمنة أهلكنا فيها، فيكون التمييز محذوفًا لدلالة الكلام عليه.
|
|
 |
قال الله -عز وجل: ((وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا)) [الأعراف: ٤] كم في هذه الآية خبرية للتكثير، والتقدير: وكثير من القرى أهلكناها، وهي اسم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، خبره جملة أهلكناها، ومن قرية: تمييز، والضمير في أهلكناها عائد على معنى كم؛ لأنها بمعنى قرى. ويجوز أن تكون كم في محل نصب على الاشتغال، كما تكون كذلك في نحو: كم رجل صحبته، فتكون منصوبة بفعل مضمر يفسره أهلكناها، ويقدر متأخرًا عنها لأن لها صدر الكلام من جهة مضارعتها لكم الاستفهامية التي لها الصدارة، ومن جهة أنها نقيضة رب التي تجيء للتقليل، وهي من الأدوات المستحقة للتصدير، وذلك من حمل النقيض على النقيض، كما يحمل النظير على النظير.
|
|
 |
قال الله تعالى: ((وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ)) [الإسراء: ١٧] كم في هذه الآية كناية عن العدد الكثير، فهي كم الخبرية، وهي اسم مبني على السكون في محل نصب على أنها مفعول به لأهلكنا مقدم عليه، وهذا الإعراب متعين في كم؛ لأن الفعل بعدها متعد ولم يأخذ مفعوله، ومن القرون: تمييز كم.
|
"١٢.١ معنى الكناية, والحديث عن "كم
|
 |
قال الله تعالى: ((قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ)) [الكهف: ١٩] كم هنا استفهامية، يستفهم بها القائل عن قدر لبثهم، ومعناها: أي عدد من الأيام لبثتم؟ فهي اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية، والعامل فيها لبثتم، والتمييز هنا محذوف لدلالة الجواب عليه، والتقدير: كم يومًا لبثتم؟
|