١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد
يقول ابن مالك في بيان ذلك:
وَصُغ مِن اثنَينِ فَما إلَى فَوق
عَشرَةٍ كفَاعِلٍ مِن فَعُلا
وَاختِمهُ فِي التَّأنِيثِ بِالتَّا وَمَتَى
ذَكَّرتَ فَاذكُر فَاعِلًا بِغَيرِ تَا
ومعنى قوله هذا: أن العرب يصوغون ويشتقون من ألفاظ العدد من اثنين وما فوقه وهو الثلاثة والأربعة والخمسة إلى العشرة اسمًا على وزن فاعل، كما يصوغون مثل ذلك ويشتقونه من الفعل الثلاثي نحو: ضارب من ضرَبَ، فيقولون: ثانٍ وثالث، ورابع وخامس، وسادس وسابع، وثامن وتاسع وعاشر، ويختمون هذه الأسماء المشتقة بتاء التأنيث إذا قُصِدَ بها مؤنث، فيقولون: ثانية وثالثة، ورابعة وخامسة، وسادسة وسابعة، وثامنة وتاسعة وعاشرة، ويتركون التاءَ إذا وُصف بها المذكر كما هو الشأن في نحو: ضارب وضاربة.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


وهذا الاشتقاق له وجهان:
الوجه الأول
سماعي: إذا جعل من أسماء العدد؛ لأنه حينئذٍ من قبيل الاشتقاق من أسماء الأجناس نحو: تربت يداك، من التراب، واستحجر الطين من الحجر، وأرض مأسدة من الأسد، وهي الأرض التي يكثر فيها الأسود, وهكذا.

الوجه الثاني
قياسي: وذلك إذا أُريد بها معنى فاعل مصوغًا من المصدر، وهو الثني والثلث والربع، والخمس والسدس والسبع، والثمن والتسع والعشر، قال في (شرح التسهيل): وقولهم: مصوغ من العدد تقريبٌ على المتعلم، وفي الحقيقة أنه مصوغ من الثلث إلى العشر، وهي مصادر: ثلثت الاثنين إلى عشرت التسعة.

وفي (حاشية الصبان) أن "ثانٍ" قد يكون مصوغًا من الثني, مصدر: ثنيت الرجل، وأفعال هذه المصادر يكسر عين مضارعها إلا ربعة وسبعة وتسعة، فإنه يكون مفتوح العين؛ وذلك لوجود حرف الحلق في هذه الثلاثة، فتقول: ربعت القوم أربعهم فأنا رابعهم، وسبعت القوم أسبعهم فأنا سابعهم، وتسعت القوم أتسعهم فأنا تاسعهم. وفي (الصحاح): عشرت القومَ أعشرهم عشرًا: إذا صرت عاشرَهم.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


وأما الواحد والواحدة ففيهما قولان:
القول الأول: أن كلًّا منهما ليس بوصف, بل اسم وضع على ذلك من أول الأمر.
القول الثاني: أن الواحد مشتق من وحد يحد وحدًا, أي: انفرد، فمعناه المنفرد، أي: العدد المنفرد، ومؤنثه: الواحدة.

الأوجه التي يُستعمل فيها اسم الفاعل من العدد
ذكر ابن هشام -ومعه المصرح- أنه يجوز للمتكلم أن يستعمل اسم الفاعل المذكور وهو ثان وعاشر وما بينهما بحسب المعنى الذي يريده, على سبعة أوجه:

الوجه الأول
أن يستعمل مفردًا عن الإضافة؛ ليفيد الاتصاف بمعناه مجردًا عن الاتصال بالعشرة، فتقول: ثانٍ وثالث، ورابع وخامس... إلى عاشر. ومعناه حينئذٍ واحد موصوف بهذه الصفة، وهي كونه ثانيًا أو ثالثًا أو رابعًا ونحو ذلك. ومن شواهد هذا الوجه قولُ النابغة الذبياني:
توهمت آيات لها فعرفتها
لست أعوام, وذا العام سابع

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


والشاهد فيه قوله: "سابع", فإنه اسم فاعل من العدد مفرد عن الإضافة، مأخوذ من لفظ سبعة، ومعناه: اتصاف الموصوف بهذا الوصف فحسب، والمعنى: وقع في وهمي -أي: في ذهني- علاماتٌ لتلك الديار التي كان فيها الأحبة، فعرفتها بعد ستة أعوام على مفارقتها، وهذا العام الذي أنا فيه هو السابعُ.

الوجه الثاني
أن يُستعمل اسم الفاعل مع أصله الذي صِيغ منه؛ ليفيد أن الموصوف به بعض تلك العدة المعينة لا غير، فتقول: خامس خمسة أي: بعض جماعة منحصرة في خمسة، أي: واحد من خمسة لا زائدَ عليها، ويجب حينئذٍ إضافتُه إلى أصله، كما يجب إضافة البعض إلى كله نحو: يد زيد.
ومن شواهد ذلك قولُه تعالى: ((إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ)) [التوبة: ٤٠] فثاني مضاف إلى اثنين، ويفيد أن الموصوف به واحد من اثنين.
ومنها قوله تعالى: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ)) [المائدة: ٧٣] فثالث مضاف إلى ثلاثة، ويفيد أن الموصوف به واحد من ثلاثة، وهكذا تقول في الأمثلة: ثانية اثنتين، وثالثة ثلاث، وتقول في المذكر: رابع أربعة، وخامس خمسة، وسادس ستة، وسابع...

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


...سبعة، وثامن ثمانية، وتاسع تسعة، وعاشر عشرة، وتقول في المؤنث: رابعة أربع، وخامسة خمس، وسادسة ست، وسابعة سبع، وثامنة ثمانٍ، وتاسعة تسع، وعاشرة عشر.
قال النحويون: وإنما لم يعمل فاعل من العدد في هذا الوجه حيث يراد به بعض ما بني منه؛ لأنه ليس في معنى ما يعمل نحو: مصير وجاعل، ولا مشتقًّا من فعل حتى يمكن عمله، بل هو مأخوذ من لفظ العدد، فالمراد به: واحد من اثنين أو واحدة من اثنتين، وواحد من ثلاثة أو واحدة من ثلاث، وواحد من أربعة أو واحدة من أربع... وهكذا, وذلك يتطلب إضافته كما تقول: بعض هذه العدة. وهذا الذي تقرر هو مذهب الجمهور في هذا الوجه.
وزعم الأخفش وقطرب من البصريين، والكسائي وثعلب من الكوفيين، أنه يجوز في هذا الوجه إضافة الأول -وهو الفرع- إلى الثاني -وهو الأصل- كما أوجبه الجمهور، ويجوز أن ينصب الأول الثاني إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، كما تقول: ضارب زيد، بالإضافة في معنى المضي، وضارب زيدًا في معنى الحال أو الاستقبال، فيجوز عندهم أن تقول: ثالث ثلاثة بالإضافة وجر ثلاثة، ويجوز: ثالثٍ ثلاثةً بتنوين ثالث ونصب ثلاثة على أنه مفعول به لثالث، وكذا تقول: ثاني اثنين، ورابع أربعة، وخامس خمسة، وثالثة ثلاثًا، ورابعة أربعًا، وخامسة خمسًا, وهكذا.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


وفي هذا الوجه قول ثالث ذهب إليه ابن مالك، وهو أن النصب إنما يجوز في ثانٍ فقط دون غيره، وعلل ذلك في (شرح التسهيل) بأن العرب تقول: ثنيت الرجلين، إذا كنت الثاني منهما، ولا تقول: ثلثت الرجال إذا كنت الثالثَ منهم، فَمَن قال: ثاني اثنين، بهذا المعنى عُذِرَ؛ لأن له فعلًا، ومَن قال: ثالث ثلاثة لم يعذر؛ لأنه لا فعلَ له.
وصرح بمنع النصب مع غير ثان أيضًا في (شرح الكافية), حيث قال: وثعلب أجاز نحو: رابع أربعة وما له متابع، وقال في شرحه: ولا يجوز تنوينه -يعني: نحو رابع- والنصب به، وأجاز ذلك ثعلب وحدَهُ، ولا حجة له في ذلك.
وهذا الوجه أشار إليه ابن مالك في (الألفية) بقوله:
وَإن تُرِد بَعضَ الَّذِى مِنهُ بُنِي
تُضِف إليهِ مِثلَ بَعضٍ بَيِّنِ
والمعنى: إن ترد بفاعل المصوغ من اثنين فما فوق, الدلالة على أنه بعض مما بني منه -أي: واحد مما اشتق منه- فأضف إليه مثل بعض, أي: كما تضيف بعضًا لو قلتَ: بعض ثلاثة، وبعض أربعة؛ لأن معناه مثل معناه، أو كما تضيف بعضًا إلى كل مثل: يد زيد.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


الوجه الثالث
أن يستعمل اسم الفاعل من العدد مع ما دون أصله الذي صيغ منه بمرتبة واحدة؛ ليفيد معنى التصيير والتحويل، فتقول: هذا رابعٍ ثلاثةً، بتنوين رابع ونصب ثلاثة، أي: جاعل الثلاثة بنفسه أربعة، قال الله تعالى: ((مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ)) [المجادلة: ٧] أي: إلا هو مصيرهم أربعةً, ومصيرهم ستةً.
ويقول ابن مالك عن هذا الوجه:
وَإن تُرِد جَعلَ الأقَلِّ مِثلَ مَا
فَوقَ, فحُكمَ جَاعِلٍ لهُ احكَما
قال الأشموني: أي: إذا أردت بالوصف المصوغ من العدد أن يجعل ما هو تحت ما اشتق منه مساويًا له, "فحكم جاعل له احكما" فإن كان بمعنى المضي وجبت إضافته، وإن كان بمعنى الحال أو الاستقبال جازت إضافته، وجاز تنوينه وإعماله، فتقول: هذا رابعُ ثلاثةٍ، ورابعٌ ثلاثةً، أي: هذا مصير الثلاثة أربعةً، وتؤنث الوصف مع المؤنث كما سبق. انتهى. يعني: أنك تقول في المؤنث: هذه رابعةٍ ثلاثًا في الإعمال، ورابعةُ ثلاثٍ في الإضافة, وهكذا.
ثم قال: فالوصف المذكور حينئذٍ اسم فاعل حقيقة؛ لأنك تقول: ثلثت الرجلين إذا انضممت إليهما فصرتم ثلاثة، وكذلك: ربعت الثلاثة إلى عشرت التسعة، ففاعل هنا بمعنى جاعل وجارٍ مجراه؛ لمساواته له في المعنى والتفرع على فعل, بخلاف فاعل الذي يراد به معنى...

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


...أحد ما يضاف إليه، فإن الذي هو في معناه لا عمل له ولا تفرع له على فعل، فالتُزمت إضافته.
والخلاصة: أن هذا الوصف إذا كان بمعنى جاعل أو مصير, جازت إضافته إلى ما دونه في المعنى من ألفاظ العدد، وجاز إعماله فيه فينصبه، كما تجوز الإضافة والإعمال في جاعل ومصير ونحوهما، لكن يشترط في الإعمال أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال، وأن يَعتمد على نفي، أو استفهام، أو ذي خبر، أو حال، أو موصوف، وذلك نحو: ما رابع ثلاثة زيد، وأرابع ثلاثة زيد؟ وهذا رابع ثلاثة، ورأيت زيدًا رابعًا ثلاثة، وهذا رجل رابعٌ ثلاثة.
تنبيهات
التنبيه الأول: نبه الأشموني في هذا الوجه على أن الوصف فيه ليس مصوغًا من ألفاظ العدد، بل هو مصوغ من الثلث والربع والعشر على وزن الضرب، وهي مصادر: ثلث وربع وعشر على وزن ضرب، والمضارع منها بوزن يضرب، إلا فيما كان لامه عينًا وهو ربع وسبع وتسع، فإنه على وزن: شفع يشفع.
التنبيه الثاني: الجمهور على أن هذا الوجه لا يدخل فيه ثانٍ, فلا يقال: ثاني واحدٍ، ولا ثانٍ واحدًا، وقد نص على ذلك سيبويه حيث قال: ألا ترى أنك لا تسمع أحدًا يقول: ثنيت الواحدَ ولا ثاني واحد. وقد أجاز الكسائي أن يستعمل ثان هذا...

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


...الاستعمال، وحَكَى عن بعض العرب أنه يقول: ثاني واحدٍ، وحكى الجوهري أيضًا أنه يقال: ثانٍ واحدًا، أي: هذا ثَنَى واحدًا، وأيده الدماميني بأنه لا مانعَ أن يقال: زيد ثانٍ واحدًا, أي: مصير واحدًا اثنين بنفسه.
التنبيه الثالث: ذكر الأشموني أنه يجوز صوغ الوصف المذكور من العدد المعطوف عليه عقد للمعنيين السابقين، وهما كونه بمعنى بعض، وكونه بمعنى جاعل، فيقال: هذا ثالث ثلاثة وعشرين بالإضافة، وهذا ثالث ثلاثة وعشرين بالإعمال، وكذا يجوز: هذا رابع ثلاثة وعشرين بالإضافة، وهذا رابع ثلاثة وعشرين بالإعمال, وهكذا.
التنبيه الرابع: يُفهم من كلام المصرح أن الأفعال: ثلث وربع ونحوها, تأتي بمعنى التصيير إلى العقد المماثل لها، فهو يقول: يقال: كانوا تسعة وعشرين فثلثتهم أي: فصيرتهم ثلاثين، أثلثهم فأنا ثالثهم, وهكذا. إذا كانوا تسعة وثمانين فتسعتهم أي: فصيرتهم تسعين أتسعهم، فأنا تاسعهم, فإذا تجاوزت ذلك قلت: كانوا تسعة وتسعين فأمأيتهم على وزن أفعلتهم، وكذا: كانوا تسعمائة وتسعًا وتسعين فآلفتهم، فأنا ممئن، ومؤلف.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


الوجه الرابع
أن يستعمل اسم الفاعل من العدد مع العشرة؛ ليفيد الاتصاف بمعناه مقيدًا بمصاحبته العشرة، وهو أن الموصوف واحد موصوف بذلك، فتقول: حادي عشر، بتذكيرهما على القياس، وحادية عشرة بتأنيثهما، وكذا تصنع في البواقي تذكِّر اللفظين مع المذكر وتؤنثهما مع المؤنث، فتقول: الجزء الخامس عشر بتذكيرهما، والمقامة السادسة عشرة بتأنيثهما.
ويتعين في هذا الاستعمال بقاء الجزأين على البناء، ويكونان في محل رفع أو نصب أو جر بحسب موقعهما الإعرابي، فإذا قلتَ: هذا هو الجزء الثاني عشر، كان لفظ الثاني عشر نعتًا للجزء مبنيًّا على فتح الجزأين في محل رفع، وإذا قلت: أخذت الجزء الثالث عشر، كان لفظ الثالث عشر نعتًا للجزء مبنيًّا على فتح الجزأين في محل نصب، وإذا قلت: قرأتُ في الجزء الرابع عشر, كان لفظ الرابع عشر نعتًا للجزء مبنيًّا على فتح الجزأين في محل جر.
وههنا ملحظ مهم, وهو أن العرب إذا استعملت الواحد أو الواحدة مع العشرة أو ما فوقها كالعشرين، فإنهم يقلبون فاءَهما -وهو الواو- إلى موطن اللام -وهو الدال- قلبًا مكانيًّا، فتصير متطرفة إثر كسرة فتقلب ياءً، فتصير الكلمة حادية, والأصل: حادِوى، ثم يُعل "حادي" إعلال قاض، فتحذف ياؤه؛ لالتقاء الساكنين فيصير "حادٍ" في الرفع والجر، وتثبت ياؤه في النصب، وإذا اقترنت به "ال" رجع إليه الياء فيقولون: حادي عشر، والحادي عشر، ويقولون: حادية عشرة والحادية عشرة.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


وهذا القلب في الحادي والحادية لم يلتزم به كل العرب، فقد حكى الكسائي عن بعض العرب أنهم يقولون: واحد عشر، قال أبو حيان في (الارتشاف): وحكى الكسائي أنه سمع من الأزد أو بعض عبد القيس: واحد عشر، وهذا هو القياس إذ فِعله: وحد يحدُ، وأما حادي فمقلوب من واحد؛ جعلت فاؤه مكان لامه فانقلبت ياءً؛ لكسر ما قبلها, وجُعلت عينه مكان فائه.
وقال الأشموني: وأما ما حكاه الكسائي من قول بعضهم: واحد عشر، فشاذ، نُبِّه به على الأصل المرفوض، ومعنى كلامه: أنه شاذ استعمالًا لا قياسًا. ثم نقل عن (شرح الكافية) قولَ ابن مالك: ولا يستعمل هذا القلب إلا في تنييف, أي: مع عشرة أو مع عشرين وأخواته، أي: في نحو حادي عشر، وحاد وعشرون، وحاد وثلاثون، ونحو ذلك.

الوجه الخامس
أن تستعمل اسم الفاعل من العدد مع العشرة؛ ليفيد معنى ثاني اثنين، وهو انحصار العدة فيما ذكر مع كون الموصوف بعضَ تلك العدة، وقد بدأ ابن مالك حديثه بقوله:
وَإن أردَتَ مِثلَ ثَانِي اثنَينِ
مُرَكَّبًا فَجِئ بِتركِيبَينِ

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


وقال الأشموني في شرح هذا البيت: أي: إذا أردت صوغَ الوصف المذكور من العدد المركب بمعنى بعض أصله كثاني اثنين, "فجِئ بتركيبين" صدر أولهما فاعل في التذكير وفاعلة في التأنيث، وصدر ثانيهما الاسم المشتق منه، وعجزهما عشر في التذكير، وعشرة في التأنيث، فتقول في التذكير: ثاني عشر اثني عشر... إلى تاسع عشر تسعة عشر، وفي التأنيث: ثانية عشرة اثنتي عشرة... إلى تاسعة عشرة تسع عشرة، بأربع كلمات مبنية, وأول التركيبين مضاف إلى ثانيهما إضافة ثانٍ إلى اثنين، وهذا الاستعمال هو الأصل، ووراءه استعمالان آخران.
وأفاد الصبان أن قوله: "بأربع كلمات مبنية" فيه تغليب بأن اثني واثنتي ليسَا مبنيين، كما أفاد أن قوله في وصف ذلك الاستعمال بأنه الأصل, أراد به ما حق التركيب أن يكون عليه، ولم يرِد به أنه الأكثر والأرجح.
فهذا الوجه يأتي في الاستعمال على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول
المجيء بأربع كلمات مبنية على الوجه الذي تقدم، وهي عبارة عن تركيبين أضيف أحدهما إلى الآخر، وهذا ما حق التركيب أن يكون عليه.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


الوجه الثاني
أن تحذف عشرة من التركيب الأول؛ استغناءً بوجودها في التركيب الثاني، فتقول: هذا ثالث ثلاثة عشر، وهذا خامس خمسة عشر، وهذه ثالثة ثلاث عشرة، وهذه خامسة خمس عشرة، فأول التركيبين بقي وأعرب لزوال التركيب، لكنه لا ينون؛ لإضافته إلى التركيب الثاني، والتركيب الثاني بقي على حكم البناء، وهذا الاستعمالُ أشار إليه ابن مالك بقوله:
أو فَاعِلًا بحالتَيهِ أضِفِ
إلَى مُرَكبٍ بِما تَنوِي يَفِي
وقوله: "بحالتيه" يعني: من التذكير مع المذكر والتأنيث مع المؤنث، وقوله: "بما تنوي يفي" أي: إن هذا الاستعمال يفي بالمعنى المراد من الاستعمال الأول المركب من أربعة ألفاظ مبنية، فإذا قلت: ثاني اثني عشر، كان بمعنى: ثاني عشر اثني عشر، وهو كون الموصوف أحد اثني عشر، ولا فرقَ بينهما إلا في حذف العشرة من الأول للاختصار.
وأمثلة هذا الاستعمال أن تقول في التذكير: ثاني اثني عشر، وثالث ثلاثة عشر، ورابع أربعة عشر... إلى تاسع تسعة عشر، وأن تقول في التأنيث: ثانية اثنتي عشرة، وثالثة ثلاث عشرة، ورابعة أربع عشرة... إلى تاسعة تسع عشرة.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


وقد نقل المصرح عن أبي حيان أنه قال: وهذا الوجه أكثر استعمالًا وجائز اتفاقًا، وإعراب اسم الفاعل فيه لعدم التركيب، وقياس مَن أجاز الإعمال في ثاني اثنين أن يجيزَه هنا.
ونص كلام أبي حيان في (الارتشاف): أو تحذف عقد اسم الفاعل ويُضاف إلى المركب فيقال: حادي أحد عشر، وحادية إحدى عشرة... إلى تاسع تسعة عشر وتاسعة تسع عشرة، فيعرب اسم الفاعل لزوال التركيب ويبقى المركب على بنائه، وهذا أكثر استعمالًا من الذي قبله. ويعني بالذي قبله: ما تألف من أربع كلمات مبنية.
الوجه الثالث
أن تحذف العشرة من التركيب الأول، والنيفَ من التركيب الثاني، ويعبر عن هذا الوجه بالاقتصار على صورة التركيب الأول. وقد أشار إليه ابن مالك بقوله:
وَشَاعَ الاستِغنا بحادِي عَشَرَا
وَنَحوِهِ, وقَبلَ عشرِينَ اذكُرَا
قال الأشموني: أي: ثاني عشر إلى تاسع عشر، وفي التأنيث: حادية عشرة إلى تاسعة عشرة، فتذكِّر اللفظين مع المذكر وتؤنثهما مع المؤنث، وهذا الاستعمال فيه وجهان من الإعراب:

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


الوجه الأول
أن يُعرب الجزآن؛ لزوال مقتضى البناء وهو التركيب، فيعرب الأول بمقتضى العوامل رفعًا أو نصبًا أو جرًّا، والثاني يجر بإضافة الأول إليه بحسب أصل التركيب؛ لأن أصله مركب مضاف إلى مركب، وعلى هذا تقول: جاءني ثالثُ عشرٍ، ورأيت ثالثَ عشرٍ، ومررت بثالثِ عشرٍ، بجر عشر في الأحوال الثلاثة، وإعراب ثالث بحسب العومل.
وقد جَزم بهذا الوجه ابن عصفور, حيث قال في (شرح الجمل): يجوز أن تقول: حادي عشر، فتحذف عشرًا من الأول وتحذف أحدًا من الثاني وتعربهما؛ لأن الذي أوجب بناءهما قد زال.
وعارضه أبو حيان فقال في (الارتشاف): ينبغي ألا يقدم على هذا إلا بسماع؛ لِمَا فيه من الإجحاف.
الوجه الثاني
أن تعرِب الجزء الأول وهو الوصف, وتبني الجزء الثاني وهو العقد على الفتح، وهذا الإعراب حكاه الكسائي ويعقوب بن السكيت وابن كيسان، ووجهه: أن الأول أُعرب لزوال التركيب، وأن الثاني قُدِّر ما حُذف منه ونُوي, فبقي البناء بحاله لنية المقدر.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


وقد عارض أبو حيان هذا الوجه أيضًا قائلًا: هذا الوجه حكاه الكسائي من قولهم: السواء ثالثُ عشرَ, بإعراب ثالث وبناء عشر، وأصحابنا عدوا هذا من الشذوذ والقلة بحيث لا يقاس عليه، والسواء: ليلة ثلاث عشرة وفيها يستوي القمر.
وقد أجاز ابن السيد في هذا الاستعمال المكون من جزأين من التركيبين, أن يكون الجزآن مبنيين؛ لحلول كل واحد منهما محل المحذوف من صاحبه، فتقول على هذا: جاءني ثالثَ عشرَ، ورأيت ثالثَ عشرَ، ومررت بثالثَ عشرَ، ببناء الجزأين على الفتح في الأحوال الثلاثة.
ورد ذلك ابن عصفور, فقال: زعَم بعضهم أنه يجوز بناء كل واحد من الاسمين؛ لحلوله محل المحذوف من صاحبه، وهذا باطل؛ لأنه يحتمل أن يكون ما ورد من قولهم: ثالث عشر مفردًا، فمَن أين نعلم أنه قد حذف منه؟ وأما إذا أعرب ففيه دليل على أنه لو كان غير محذوف، لم يجز فيه الإعراب.
كما رده ابن هشام والمصرح بقولهما: هذا مردود؛ لأنه لا دليلَ حينئذٍ، أي: حينئذٍ بني الجزآن على أن هذين الاسمين منتزعان من تركيبين, بخلاف ما إذا أعرب الجزء الأول؛ فإنه يدل على أن هذين الاسمين منتزعان من تركيبين.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


وقد تلخص مما تقدم أنه إذا أريد من المركب بناء مثل ثاني اثنين, كان ذلك على خمسة أوجه:

الوجه الأول
الإتيان بأربعة ألفاظ مبنية، فتقول: ثالثَ عشرَ ثلاثةَ عشرَ، قال المصرح: وهو قليل في الاستعمال حتى إن بعضهم منعه، والذي منعه وأنكره هو ثعلب كما في إصلاح الخلل.

الوجه الثاني
حذف العشرة من التركيب الأول نحو: ثالث ثلاثة عشر، وهو بإعراب ما بقي من الأول وبناء التركيب الثاني، وهو أكثر استعمالًا من الأول.

الوجه الثالث
حذف العشرة من الأول والنيف من الثاني, مع إعراب الجزأين نحو: ثالث عشر.


١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


الوجه الرابع
حذف العشرة من الأول والنيف من الثاني, مع إعراب الأول وبناء الثاني، نحو: ثالث عشرةَ.

الوجه الخامس
حذف العشرة من الأول والنيف من الثاني, مع بناء الجزأين، نحو: ثالث عشرة، وهذا مردود؛ لِمَا فيه من اللبس.

الوجه السادس
من أوجه استعمال اسم الفاعل من العدد: أن تستعمله مع العشرة لإفادة معنى نحو: رابع ثلاثة, فيكون بمعنى جاعل وليس بمسموع، وفي تلك الحالة تأتي أيضًا بأربعة ألفاظ كما فعلتَ في الوجه الخامس، إلا أنه في هذا الوجه يكون اللفظ الثالث دون ما اشتق منه الوصف، فتقول: رابع عشر ثلاثة عشر. وقد أجاز ذلك سيبويه وجماعة من المتقدمين؛ قياسًا على الوجه الخامس، ومنعه الكوفيون وأكثر البصريين؛ وقوفًا مع السماع.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


وعلى مذهب المجيزين يجوز حذف العشرة من التركيب الأول، فتقول: رابع ثلاثة عشر، بإعراب اسم الفاعل لزوال موجب بنائه وبناء التركيب الثاني على فتح الجزأين، ولا يجوز حذف العشرة من الأول والنيف من الثاني بأن تقول: رابعَ عشرَ بفتحهما؛ للإلباس بما ليس أصله تركيبين، ولا بأن تقول: رابع عشر أو رابع عشر؛ للإلباس, حيث لا يدرَى ذلك أهو من باب ثاني اثنين, أم من باب رابع ثلاثة؟
وعلى مذهب المجيزين يتعين بالإجماع أن يكون التركيب الثاني في نحو: رابع عشر ثلاثة عشر، في موضع خفض بإضافة التركيب الأول إليه، ويمتنع النصب وإن كان الوصف فيه بمعنى جاعل؛ لأن عمل الوصف إنما يتأتَّى مع كونه منونًا أو مقترنًا بـ"أل" وبالتركيب ينتفي ذلك.
أما في نحو: رابع ثلاثة عشر، فقد أجاز بعض النحويين أن ينون الوصف وينصب ما بعده؛ لعدم تركيب الوصف مع العشرة، فتقول على مذهبهم: هذا ثانٍ أحدَ عشرَ، وثالثٌ اثني عشر، ورابعٌ ثلاثة عشر, وهكذا. ويعرب نحو: أحد عشر وثلاثة عشر مفعولًا به مبنيًّا على فتح الجزأين في محل نصب.
والخلاصة: أن صَوْغ اسم الفاعل من العدد المركب لإفادة معنى جاعل ممتنع عند الجمهور؛ لعدم السماع، وأجازه سيبويه وجماعة من المتقدمين، ولا يجوز عندهم فيه إلا وجهان:

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


الوجه الأول
المجيء بتركيبين مبنيين؛ أحدهما مضاف إلى الثاني، فيقال: رابعَ عشرَ ثلاثةَ عشرَ، ببناء الكلمات الأربع، والتركيب الثاني في موضع خفض لا غيره.

الوجه الثاني
حذف العشرة من التركيب الأول, فيقال: رابع ثلاثة عشر، فيكون ما بقي من التركيب الأول معربًا مضافًا، ويكون التركيب الثاني مبنيًّا في محل جر كما كان كذلك في الوجه الأول، وأجاز بعض النحويين أن ينون الأول ويعمل في التركيب الثاني، فيكون هذا التركيب في محل نصب على المفعولية.

الوجه السابع
أن يستعمل اسم الفاعل من العدد مع العشرين وأخواتها إلى التسعين؛ ليفيد الاتصاف به مقيدًا بمصاحبة العقد، فيقدم في اللفظ ويعطف عليه العقد بالواو خاصةً، فتقول: حادٍ وعشرون، وحاديةٌ وعشرون، وكذا الباقي فيقال: ثانٍ وعشرون، وثانيةٌ وعشرون، وثالثٌ وعشرون، وثالثةٌ وعشرون إلى تاسعٍ وتسعين، وتاسعةٍ وتسعين.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


وقد ذكر ذلك ابن مالك في قوله:
وقبل عشرين اذكرا, وبابه الفاعل
من لفظ العدد بحالتيه, قبل واو يعتمد
والمعنى: اذكر قبل عشرين وبابه صيغة فاعل مأخوذةً من أحد الأعداد المحصورة من واحد إلى تسعة، ويكون فاعلًا بحالتيه من التذكير والتأنيث على حسب مدلوله، فيكون مذكرًا إن دل على مذكر، ومؤنثًا إن دل على مؤنث، بشرط أن يكون متقدمًا على واو العطف ويليها العقد المعطوف.
قال الأشموني في شرحه لكلام ابن مالك: يعني: أن العشرين وبابه إلى التسعين يُعطف على اسم الفاعل بحالتيه، فتقول: الحادي والعشرون إلى التاسع والتسعين، والحادية والعشرون إلى التاسعة والتسعين.
قال النحويون: ولا يجوز حذف الواو في هذا الوجه وتركيب وزان فاعل مع عشرين وأخواته، فلا يجوز أن يقال: حادي عشرين كما يقال: حادي عشر؛ وذلك لأنه يجوز أن تركب أصل اسم الفاعل مع العشرة، ولا يجوز أن تركبه مع العشرين وأخواتها، فأنت تقول: ثلاثة عشر، ولا تقول: ثلاثة عشرين، واسم الفاعل فرع عن هذا الأصل، ولا يجوز في الفرع ما لم يجز في الأصل.
ولهذا قال ابن هشام في قول الشهور "حادي عشرين شهر جمادَى" مثلًا: إن فيه ثلاثَ لحنات، حذف الواو، وإثبات النون، وذكر لفظ الشهر، وهو لا يذكر إلا مع رمضان والربيعين، فالصواب إذن أن يقال: حادي وعشري جمادَى.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


وأكثر النحويين يجيزون حادي وعشري شهر جمادَى؛ لأن المنقول عن سيبويه جواز إضافة شهر إلى كل الشهور.
وقال في (التصريح): للعشرين وأخواتها مع النيف ثلاثة أحكام: وجوب تأخيرها عنه؛ لأن الأقل سابق للأكثر طبعًا، ووجوب عطفها عليه؛ ليرتبط، ووجوب كون العاطف الواو؛ لأنه عدد واحد والواو للجمع. وبهذا يتبين أن عطفَ العشرين وأخواتها على ما يتقدمها, ليس خاصًّا باسم الفاعل من العدد.

تنبيهان
التنبيه الأول
قال الأشموني بمناسبة اشتقاق اسم الفاعل من الواحد إلى العشرة: لم يذكروا في العشرين وبابه اسمًا مشتقًّا، وقال بعض أهل اللغة: عشرنا وثلثنا إذا صار له عشرون أو ثلاثون، وكذلك إلى التسعين، واسم الفاعل من هذا: معشر ومثلث.
وهذا معناه أن أهل اللغة حكوا: ربعنا وخمسنا وسدسنا، وسبعنا وثمننا وتسعنا، بمعنى صار له: أربعون وخمسون وستون، وسبعون وثمانون وتسعون، وأنه يُشتق من ذلك اسم فاعل على: مربع ومخمس ومسدس، ومسبع ومثمن ومتسع، والمعنى: صائر من أصحاب الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين إلى التسعين، وهذا الذي ذكره أهل اللغة يحتاج إليه الناس في استعمالاتهم، فهو مقبول سواء أكانوا أجازوه سماعًا, أم قياسًا.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


التنبيه الثاني
شبيه بهذا ما ذكره المصرح ووصفه بالغرابة، حيث قال: ومن الغريب ما وقع في شرح موجز ابن السراج لأبي الحسن ابن الأهوازي: كان القوم عشرة فحدعشتهم إلى تسعشتهم وهم محدعشون وأنا محدعش ومتسعش، قال: وكذا العقود يقال: معشر ومثلث، ومِن المائة والألف: ممئن ومؤلف؛ لأن فعلهما: أمأ وآلَف، ومعنى ذلك أنه يجوز أن يقال: ثنعشتهم، ثلعشتهم، وربعشتهم، وكذلك: هم مثنعشون، وأنا مثنعش... وهكذا.

خاتمة في كيفية التأريخ أو التوريخ
حاصل ما ذكره النحويون في ذلك: أنه إذا أريد التأريخ أو التوريخ, وهو تحديد التاريخ لشيء حدث؛ وجب البدء بالليالي؛ لأنها تسبق الأيام باعتبار أن شهور العرب قمرية، والقمر إنما يطلع ليلًا؛ ولأن أول الشهر ليلة وآخره يوم؛ ولأن الليل أسبق من النهار خَلْقًا مع مراعاة ذلك في العدد، فحق المؤرخ أن يقول في أول الشهر: كتب لأول ليلة منه، أي: في أول ليلة منه، أو عند أول ليلة منه، أو يقول: كتب لغرته أي: في أول ليلة منه، أو يقول: كتب مهله أو مستهله أي: في وقت إهلال الهلال أو استهلاله.
ثم إذا تركنا أول الشهر يقول المؤرخ: كتب لليلة خلت، واللام فيه بمعنى بعد, أي: بعد ليلة خلت، ثم يقول: لليلتين خلتَا، ثم لثلاث خلون... إلى عشر، والمعنى: بعد ليلة مضت، أو بعد ليلتين مضتَا، أو بعد ثلاث ليالٍ مضين. وهكذا.

١١.٣ كيفية صياغة اسم فاعل من ألفاظ العدد, والأوجه التي يُستعمل فيها


ثم يقول: لإحدى عشرة خلت, أي: مضت، أي: بعدها. ثم يقول: إلى النصف من كذا، أو منتصفه، أو انتصافه، و"إلى" بمعنى: في أو عند، وهذا أجود من أن يقال: لخمس عشرة خلت أو بقيت.
فإذا تركنا نصف الشهر يقول المؤرخ: كتب لأربع عشرة بقيت إلى تسع عشرة، والمعنى: في استقبال أربع عشرة ليلة، أو عند استقبال أربع عشرة. ثم يقول: لعشر بقين أو ثمانٍِ بقين، إلى ليلة بقيت، وذلك في ليلة التاسع والعشرين، ثم لآخر ليلة منه وهي ليلة ثلاثين، أو يقال: لسراره أو سرره، وهو بمعنى: لآخر ليلة منه, فإن مضت ليلة الثلاثين قيل: لآخر يوم منه.
وقول المؤرخ: سلخ الشهر أو انسلاخه يقال في ليلة الثلاثين ويومه؛ لسلخهما ليالي الشهر وأيامه، وانسلاخهما في ذاتهما، وانتصابهما على الظرفية بتقدير مضاف، والأصل: وقت سلخ شهر كذا، أو وقت انسلاخ شهر كذا، فَحُذف الظرف المضاف وأقيم المصدر المضاف إليه مقامَه، وقول المؤرخ: مهل كذا أو مستهل كذا، منصوب على الظرفية دون تقدير مضاف.