١١.١ الأعداد المركبة, وحكمها من حيث الإعراب والبناء


الأعداد المركبة
إذا تجاوز العرب العشرة في العدد جاءوا بكلمتين تسمى الأولى منهما النَّيِّف -أو النَّيْف- مثل: هَيِّن ومخففه هَيْن، وهو من واحد إلى تسعة بإدخال المبدأ والغاية، ويطلق على كل ما زاد عن العقد حتى يبلغ العقد الثاني، والعقد: هو ما كان من مرتبة العشرات أو المئات أو الألوف، نحو: عشرة وعشرين، ومائة ومائتين، وألف وألفين، والكلمة الثانية هي العشرة، وبذلك تكون الأعداد المركبة تسعةَ أعداد؛ من أحد عشر إلى تسعة عشر، أو من إحدى عشرة إلى تسع عشرة.
وحكم الكلمة الأولى -وهي النيف- في التذكير والتأنيث، هو ما ثبت لها قبل التركيب، فتجري الثلاثة والتسعة وما بينهما على خلاف القياس، فتذكر مع المعدود المؤنث وتؤنث مع المعدود المذكر، وحكم الكلمة الثانية وهي العشرة في التذكير والتأنيث، أنها مع التركيب ترجع إلى القياس، فتذكر مع المذكر وتؤنث مع المؤنث.
وكذلك يجري الواحد والاثنان في التذكير والتأنيث على القياس، وتكون العشرة المركبة معهما جارية على القياس؛ فلهذا تقول: جاءني أحد عشر رجلًا، وإحدى عشرة امرأةً، وتقول: في المسجد اثنا عشر رجلًا، واثنتا عشرة امرأةً.
أما الثلاثة والتسعة وما بينهما, فتقول في المركب منها مع عشرة: عندي ثلاثة عشر كتابًا، وفي الصحيفة ثلاث عشرة مقالةً، وهكذا.

١١.١ الأعداد المركبة, وحكمها من حيث الإعراب والبناء


وتقول في المعدود المذكر: أربعة عشر، وخمسة عشر، وستة عشر، وسبعة عشر، وثمانية عشر، وتسعة عشر، وتقول في المعدود المؤنث: أربع عشرة، وخمس عشرة، وست عشرة، وسبع عشرة، وثماني عشرة، وتسع عشرة.
ويُلحظ في هذه الأعداد المركبة جملة ملاحظ:

الملحظ الأول
أننا نقول: أحد عشر وإحدى عشرة، بإبدال الواو همزةً في: أحد وإحدى، والأصل فيهما: وحد ووحدى، وهذا الإبدال شاذّ لازم في أحد، مطرد على الأصح في إحدى، فهو بمنزلة إبدال الواو همزةً في: إشاح وإكاف، والأصل فيهما: وشاح ووكاف، فأبدلت الواو المكسورة المصدرة همزة؛ قياسًا عند المازني ومَن وافقه، وقد ورد في الاستعمال: وحد عشر، إلا أنه قليل.

الملحظ الثاني
أن العرب في الإفراد يستعملون الواحد والواحدةَ، ويستبدلونهما في التركيب بأحد وإحدى، وقد فعلوا ذلك للتفرقة بين الوصف وغيره, وقالوا: واحدة عشرة.

١١.١ الأعداد المركبة, وحكمها من حيث الإعراب والبناء


الملحظ الثالث
أن لفظ ثماني يجوز فيه فتح الياء كما أنها مفتوحة في ثمانية، ويجوز فيه إسكان الياء كما هي مسكنة في: معديكرب؛ لأن كليهما مركب مزجي، ويجوز على قلة أن تحذف ياؤه وتبقى نونه مكسورة؛ لتدل الكسرة على الياء المحذوفة، وكذا يجوز على قلة حذفها مع فتح النون على أنها فتحة بناء.
فالأوجه الجائزة فيه في التركيب أربعة؛ تقول: في المسجد ثمانيَ عشرة امرأة، بإثبات الياء وفتحها، وثمانيْ عشرة امرأة، بإثباتها مع سكونها، وثمانِ عشرة امرأة، بحذفها مع كسر النون، وثمانَ عشرة امرأة، بحذفها مع فتح النون، والوجهان الأولان هما الأكثران.

الملحظ الرابع
أن الشين في "عشرة" المختومة بالتاء تكون ساكنةً في لغة الحجازيين، فيقولون مثلًا: ثلاثة عشْرة، وخمس عشْرة، وينطقون بالشين ساكنةً؛ كراهةَ توالي أربعة متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وهذه المتحركات الأربع تبدأ من الحرف الأخير في النيف.
أمّا بنو تميم فأكثرهم يكسر هذه الشين, فيقولون: ثلاث عشِرة، وخمس عشِرة، وبعضهم يفتحها على الأصل فيقول: ثلاث عشَرة، وخمس عشَرة.

١١.١ الأعداد المركبة, وحكمها من حيث الإعراب والبناء


الملحظ الخامس
أن بعض العرب يسكن عينَ عشر في المذكر، فيقول: أحد عْشر، وثلاثة عْشر، وخمسة عْشر، وتسعة عْشر؛ للتخفيف من توالي الحركات، ولإفادة المبالغة في الامتزاج بين جزأي المركب، وبهذا التسكين قرأ أبو جعفر: ((أحد عْشر كوكبًا)) [يوسف: ٤], وقرأ هُبيرة صاحب حفص: ((اثنا عْشر شهرًا)) [التوبة: ٣٦] وفي هذه القراءة جمع بين ساكنين.

حكمُ العدد المركب من حيث الإعراب والبناء
ذكر النحويون أن العدد المركب من النيف والعقد نحو: أحد عشر وتسعة عشر، يُبنَى جزآه على الفتح؛ لأنه يثقل بالتركيب فيبنى على الفتح؛ لكونه يعادل ثقل التركيب، وعلة بناء جزئه الأول هي أنه ينزل من الثاني منزلة صدر الكلمة من عجزها، وصدر الكلمة لا يعرب، وعلة بناء جزئه الثاني هي أنه متضمن معنى حرف العطف وهو الواو، فأصل التركيب في نحو: أعطيتك خمسة عشر، أن يقال: أعطيتك خمسة وعشرة، فحذفت الواو وركب العددان اختصارًا, ودفعًا لما يتبادر من العطف من أن الإعطاء دفعتان.
ولو ظهر هذا العاطف؛ لامتنع التركيب والبناء كما في قول الشاعر:
كأن بها البدر ابن عشر وأربع
....................................

١١.١ الأعداد المركبة, وحكمها من حيث الإعراب والبناء


ويستثنَى من بناء الكلمة الأولى: اثنان واثنتان، فإنهما يعربان في حال التركيب كالمثنى، فيرفعان بالألف وينصبان ويجران بالياء، فتقول: جاءني اثنا عشر رجلًا واثنتا عشرة امرأة، وقابلت اثني عشر رجلًا واثنتي عشرة امرأة، وسلمت على اثني عشر رجلًا واثنتي عشرة امرأة.
وإنما أُعربا إعراب المثنى؛ لوقوع ما بعدهما وهو العجز موقعَ النون، وما قبل النون محل إعراب لا محل بناء، والدليل على أن العجز معهما واقع موقع النون، أن العدد المركب منهما لا يضاف، فلا يقال: اثنا عشرة، بخلاف غيره من الأعداد المركبة حيث يجوز أن يقال: أحد عشرة وثلاثة عشرة وخمسة عشرة، وهذا مذهب الجمهور في "اثنان" و"اثنتان" إذا رُكبا.
وخالف الجمهور في ذلك ابن كيسان وابن درستويه، فذهبا إلى أن اثنين واثنتين مبنيان مركبان مع العقد كسائر أخواتهما، ورُدّ قولهما بأنه يختلف آخرهما باختلاف العوامل، وذلك دليل إعرابهما، ولو كانَا مبنيين للزما الياء؛ لأنها نظير الفتحة في الواحد، فكنا نقول: جاءني اثني عشر رجلًا، ورأيت اثني عشر رجلًا، ومررت باثني عشر رجلًا، وكنا نقول: جاءني اثنتي عشرة امرأة، ورأيت اثنتي عشرة امرأة، ومررت باثنتي عشر امرأة، والكلمة الثانية -وهي العشرة في حال التركيب- مبنية دائمًا على الفتح عند الجمهور، وهي تبنى مع اثنين واثنتين؛ لأنها واقعة موقع النون المحذوفة بشبه الإضافة، والاسم إذا وقع موقع الحرف بُني، وتبنى مع غيرهما؛ لأنها واقعة موقع التنوين، وهو حرف مبني على السكون، وخالفت في البناء حكم ما وقعت موقعه؛ تنبيهًا على الفرعية، واختير لها الفتح طلبًا للتخفيف, وهاتان العلتان تُضافان إلى العلة القادمة, وهي تضمن العشرة معنى حرف العطف.

١١.١ الأعداد المركبة, وحكمها من حيث الإعراب والبناء


وإنما بني الجزء الأول من نحو: أحد عشر وخمسة عشر على الحركة, لأن له حالة إعراب قبل التركيب، وإنما كانت الحركة فتحة؛ لأن هذا الاسم طال بالتركيب، فأُوثر بأخف الحركات.
وقد لخص ابن مالك هذه الأحكامَ في قوله في (الألفية):
وأحد اذكر وصِلنه بعشر
مركبًا قاصدَ معدود ذكر
وقل لدى التأنيث إحدى عشره
والشين فيها عن تميم كسرَه
ومعنى البيتين: إذا رُكِّبت عشر مع أحد ذُكِّرت، وإذا رُكِّبت مع إحدى أُنِّثت، وتسكن شينها عند التأنيث في اللغة المشهورة، وتميم تجيز الكسرةَ أيضًا.
ثم يقول:
ومع غير أحدٍ وإحدَى
ما معهما فعَلَت فافَعل قصدَا
ومعناه: افعل قصدًا مع غير أحد وإحدى من العدد المركب, وهو العشرة, ما فعلته مع أحد وإحدى من المطابقة في التذكير والتأنيث.

١١.١ الأعداد المركبة, وحكمها من حيث الإعراب والبناء


ثم يقول:
ولثلاثة وتسعة, وما
بينهما, إن ركبِّا ما قدِّما
ومعناه: أنه إذا ركب مع العشرة الثلاثة والتسعة وما بينهما؛ فإن حكم هذه الأعداد في حال التركيب هو ما ثبت لها قبل التركيب, من المخالفة للمعدود تذكيرًا وتأنيثًا.
ثم يقول:
وأول عشرة اثنتي وعشَرا
اثني, إذا أنثى تَشَا أو ذكرَا
واليا لغير الرفع, وارفع بالألف
والفتحُ في جزأي سواهما ألِفَ
ومعنى البيتين: أنه يقال في العدد المركب: اثنتا عشرة في المعدود المؤنث، واثنا عشر في المعدود المذكر، وأن اثنتين واثنين يعربان إعراب المثنى، أما العجز فيبنَى على الفتح. وأما غير اثني عشر واثنتي عشرة من الأعداد المركبة، فيبنى على فتح الجزأين في القول المألوف الشائع.

١١.١ الأعداد المركبة, وحكمها من حيث الإعراب والبناء


تنبيهات
التنبيه الأول
إحدى في قولنا: "إحدى عشرة امرأة" مبني على فتح مقدر على آخره, منع من ظهوره تعذر تحريك الألف بالفتحة.
التنبيه الثاني
قول ابن مالك: "وصلنه بعشر" يفهم منه أنه لا يجوز تركيب النيف مع العشرين وبابه, بل يتعين العطف، فتقول: خمسة وعشرون ولا تقول: خمسة عشرين؛ لأن ذلك قد يفهم منه خلاف المراد، وأن المراد منه إثبات خمسة لعشرين.
التنبيه الثالث
جمهور النحويين على أنه لا يجوز إضافة صدر العدد المركب إلى عجزه؛ لأنه عندهم إما مبني على فتح الجزأين كأحد عشر وتسعة عشر، وإما معرب الصدر مبني العجز كاثني عشر واثنتي عشرة، وأجاز ذلك الكوفيون فيعرب الصدر عندهم على حسب العامل، ويكون العجز مجرورًا بالإضافة لا غير, نحو: هذه خمسةُ عشرٍ، وأخذت خمسةَ عشرٍ، وسلمت على خمسةِ عشرٍ، ويكون ذلك مستحسنًا إذا أضيف العجز إلى كاف المخاطب نحو: هذه خمسةُ عشرِكَ، وخذ خمسة عشرك، ومررت بخمسة عشرك.

١١.١ الأعداد المركبة, وحكمها من حيث الإعراب والبناء


ومما ورد على مذهبهم قولُ الشاعر:
كلف من عَنائه وشقوته
بنت ثمان عشرةٍ من حجته
فقد أُضيف صدر العدد المركب فيه وهو ثمان إلى العجز، وجر العجز بإضافة الصدر إليه، و"ثمان" على مذهبهم مجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوفة؛ لأن أصله "ثماني"، وهو مضاف إليه.
التنبيه الرابع
"أحدٌ" المستعمل في الإثبات, له ثلاثة أوجه في الاستعمال:

الوجه الأول
في العدد المركب نحو: أحد عشر، ومثله في ذلك إحدى نحو: إحدى عشرة، وفي الواحد المعطوف عليه العقد نحو: أحد وعشرون، ومثله: إحدى وعشرون.
الوجه الثاني
أن يكون مضافًا أو مضافًا إليه بمعنى الأول، كقوله تعالى: ((أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا)) [يوسف: ٤١] أي: أما أولكما, ونحو: يوم الأحد، اليوم الأول من الأسبوع.

١١.١ الأعداد المركبة, وحكمها من حيث الإعراب والبناء


الوجه الثالث
أن يستعمل وصفًا وليس ذلك إلا وصفًا لله تعالى، نحو: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص: ١].

التنبيه الخامس
قال العلامة الفيومي في (المصباح المنير): الواحد مفتتح العدد يقال: واحد اثنان ثلاثة، ويكون بمعنى جزء من الشيء، فالرجل واحد من القوم أي: فرد من أفرادهم، والجمع وُحدان -بالضم- وأحد أصله: وحد، فأبدلت الواو همزة، ويقع على الذكر والأنثى، وفي التنزيل: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ)) [الأحزاب: ٣٢]. ويكون أحد مرادفًا لواحد في موضعين سماعًا:
وصف اسم الباري تعالى, فيقال: هو الواحد وهو الأحد؛ لاختصاصه بالأحدية فلا يشركه فيها غيره؛ ولهذا لا ينعت به غير الله تعالى، فلا يقال: رجل أحد، ولا درهم أحد، ونحو ذلك.
أسماء العدد للغلبة وكثرة الاستعمال, فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون.

١١.١ الأعداد المركبة, وحكمها من حيث الإعراب والبناء


وفي غير هذين يقع الفرق بينهما في الاستعمال بأن الأحد لنفي ما يذكر معه، فلا يستعمل إلا في الجحد؛ لِمَا فيه من العموم نحو: ما قام أحد، أو مضافًا نحو: ما قام أحد الثلاثة, والواحد اسم لمفتتح العدد, ويستعمل في الإثبات مضافًا وغير مضاف؛ فيقال: جاءني واحد القوم، وواحد من القوم.
وأما تأنيث أحد فلا يكون إلا بالألف، لكن لا يقال: إحدى إلا مع غيرها نحو: إحدى عشرة، وإحدى وعشرون، وتأنيث الواحد واحدة بالهاء.