![]() |
نصب المضارع بعد حتى يكون واجبًا ويكون جائزًا، وفي كلتا الحالتين يشترط فيه أن يكون مستقبلًا؛ ولهذا قال ابن مالك: "وانصب المستقبلا"، فإن كان استقبال المضارع بعد حتى حقيقيًّا، أي: بالنسبة إلى زمن التكلم فنصبه واجب، كما إذا قلت: لأسيرن حتى تطلع الشمس. ومن شواهد ذلك قول الله -عز وجل: ((قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى)) [طه: ٩١]، فطلوع الشمس ورجوع سيدنا موسى، كل منهما مستقبل بالنسبة إلى زمن التكلم. |
![]() |
وإن كان استقبال المضارع بعدها غير حقيقي، وهو الذي لا يكون بالنسبة إلى زمن التكلم، وإنما يكون بالنسبة لما قبل حتى خاصة، كان نصبه جائزًا، ويجوز رفعه. وشاهد ذلك قوله تعالى: ((وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ )) [البقرة: ٢١٤] فقول الرسول والمؤمنين الذين معه: متى نصر الله؟ مستقبل بالنسبة لما قبل حتى وهو زلزلوا؛ لأنه يحدث بعده، لكنه ليس مستقبلًا بالنسبة لزمن تكلم جبريل -عليه السلام- بالآية عند نزوله بها؛ لأن الآية تتحدث عن شيء مضى، فالاستقبال في الفعل بعد حتى في الآية غير حقيقي؛ فلهذا يجوز في الفعل النصب والرفع، وقد قرئت الآية بهذين الوجهين، فقرأها نافع المدني برفع يقول، وقرأها باقي السبعة بنصب يقول. |
| وهذا النصب جائز على تنزيل الاستقبال غير الحقيقي منزلة الاستقبال الحقيقي، فيتأول قول الرسول والمؤمنين على أنه مستقبل لا ماضٍ، والرفع جائز على تنزيل الاستقبال غير الحقيقي منزلة الحال، فيتأول قول الرسول والمؤمنين على أنه حال لا ماضٍ، فالقول مترقب حصوله في حالة النصب، ومتصور وقوعه في الحال في حالة الرفع؛ لاستحضار صورته. وضابط ما يجوز فيه النصب والرفع بعد حتى أن يصلح المضارع بعدها لوقوع الماضي كما في الآية، إذ يصح أن يكون: وزلزلوا حتى قال الرسول، ومثله قول القائل بعد دخوله المدينة: سرت حتى أدخلَ المدينة أو حتى أدخلُ المدينة، بنصب أدخل ورفعه؛ لأن تقديره: سرت حتى دخلت المدينة. |
![]() |
الشرط الأول: أن يكون المعطوف بها مفردًا لا جملة. |
![]() |
الشرط الثاني: أن يكون المعطوف بها صريحًا لا مؤولًا. |
![]() |
الشرط الثالث: أن يكون المعطوف بها غاية لما قبلها في زيادة أو نقص، فالأول نحو: مات الناس حتى الأنبياء، والثاني نحو: تجرأ الناس على الفتوى حتى الجاهلون. |
![]() |
الشرط الرابع: أن يكون المعطوف بها إما بعضًا من جمع، أو جزءًا من كل، فالأول نحو: قدم الحجاج حتى المشاة، والثاني نحو: أكلتُ السمكة حتى رأسها، وهذا المثال تصلح فيه حتى لأن تكون جارة لاسم صريح، فينطق بخفض رأسها، وتصلح لأن تكون ابتدائية فيرفع رأسها على الابتداء، ويقدر لها خبر، وتصلح أن تكون عاطفة كما مثلنا. |
![]() |
وسميت هذه الفاء فاء السببية؛ لأنه يقصد بها الدلالة على أن ما بعدها مسبب عما قبلها، وتسمى هذه الفاء أيضًا فاء الجواب؛ لأن ما قبلها المسبوق بالنفي المحض، أو الطلب المحض يشبه الشرط من جهتين: |
![]() |
أولاهما: أن مضمونه غير ثابت، كما أن الشرط غير متحقق الوقوع فمضمونه غير ثابت. |
![]() |
والثانية: أنه يتسبب عنه ما بعده، كما أن الشرط يتسبب عنه الجواب، ويترتب عليه مضمونه. |
![]() |
والعلة في نصب المضارع بعدها بأن مضمرة وجوبًا، هو أن يتم ربط ما بعدها بما قبلها برباط لفظي، كما ربطت بينهما برباط معنوي، فكما أن الفاء جعلت ما بعدها مسببًا عما قبلها وهو رباط معنوي، عطفت مصدرًا منسبكًا من أن المضمرة، والفعل المنصوب على مصدر متصيد مما قبلها، وذلك رباط لفظي. فالتقدير في المثال الأول المسبوق بالنفي: لا يكون من المنافق حب لك فدفاع عنك منه، والتقدير في المثال الثاني المسبوق بالطلب: ليكن منك الاجتهاد في عملك فكونك من الفائزين، وهذه الفاء عند جمهور النحويين هي فاء العطف، لكنها هنا لا تعطف الفعل الذي بعدها على ما قبلها، وإنما تعطف المصدر المسبوك على المصدر المتصيد، وهذا العدول عن الأصل قصد به الدلالة على قصد السببية فيها، والنصب بأن هو الذي يحقق المصدر المسبوك، وإضمارها وجوبًا يحقق تناسب المتعاطفين صورة، ولم يكن النصب بالفاء نفسها لعدم اختصاصها بالأفعال. |
![]() |
والرضي يخالف الجمهور في هذه الفاء، ويرى أن الأغلب فيها كونها للاستئناف، وما بعدها وهو المصدر المؤول مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا، وإنما وجب حذفه؛ لأن الفعل بعد الفاء لما التزم معه حذف أن التي بها تهيأ أن يصلح للابتدائية، لم يظهر فيه معنى الابتداء... |
| ...حق الظهور، فلو أبرز الخبر لكان كأنه أخبر عن الفعل. وأرى أن ما ذهب إليه الرضي أقل تكلفًا مما مشى عليه الجمهور. |
![]() |
يتبين مما قدمت أن نصب المضارع بعد الفاء المسبوقة بالنفي، له شرطان: |
![]() |
أولهما: أن تكون الفاء للسببية، أي: مقصودًا بها التنصيص على سببية ما قبلها لما بعدها. |
![]() |
الثاني: أن يكون النفي محضًا، أي: خالصًا من معنى الإثبات. ومن أمثلة ذلك قولهم: ما تأتينا فتحدثنا، وما تزورنا فنكرمك. |
![]() |
النفي المحض -كما تقدم- هو الخالص من معنى الإثبات، وذلك يحصل بتقدم حرف النفي على الفعل كما سبق، وقد يتحقق بتقدم فعل يفيد النفي، نحو: ليس أخوك بمهمل فتلومه، وقد يتحقق بتقدم اسم يفيد النفي وهو غير، نحو: غير لاهٍ عدوك فتلهو، أي: ما لاهٍ عدوك. |
![]() |
وهناك أمور ألحقها النحويون بالنفي الصريح؛ منها: التشبيه الواقع موقع النفي، كقول العرب: كأنك والٍ علينا فتشتمنا، وقولهم: كأنك مسئول عنا فتحاسبنا، والمعنى: ما أنت وال علينا، وما أنت مسئول عنا. |
![]() |
ومنها أيضًا النفي بقد، ومثاله ما حكي عن بعض الفصحاء: قد كنت في خير فتعرفه، وأراد بذلك: ما كنت في خير، ومنها التقليل المراد به النفي، نحو: قلما تأتينا فتحدثنا، كما ألحقوا بالنفي قليلًا الحصر بإنما في الاختيار، وخَرّجوا على ذلك قول الله -عز وجل: ((وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ)) [البقرة: ١١٧] في قراءة من نصب يكون، ولا يجوز ذلك مع إلا في غير الضرورة. |
![]() |
وإذا كان النفي غير محض، ولم يخلص من معنى الإثبات؛ لم ينتصب المضارع في جوابه بعد الفاء، وذلك يتحقق في ثلاث صور: |
![]() |
يتبين مما تقدم أن نصب المضارع بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء مشروط بأمرين؛ أولهما: أن تكون الفاء للسببية، والثاني: أن يكون الطلب محضًا، وأنواع الطلب سبعة جمعها بعضهم مع النفي في قوله: |
| ويشترط في الطلب إذا كان أمرًا أو نهيًا أو دعاء، أن يكون بصريح الفعل، ولا يشترط هذا الشرط في بقية أنواع الطلب. |
![]() |
ومن شواهد النصب بعد الفاء المسبوقة بالطلب، بأنواعه: النصب بعد الأمر، كما في قول أبي النجم: |
![]() |
وبعد النهي، كما في قوله تعالى: ((لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ)) [طه: ٦١]. |
![]() |
وبعد الدعاء، كقوله تعالى: ((رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا)) [يونس: ٨٨]. |
![]() |
وبعد الرجاء كقوله تعالى: ((لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ)) [غافر: ٣٦، ٣٧]. والنصب بعد الفاء الواقعة بعد الرجاء أثبته الكوفيون والفراء، ووافقهم ابن مالك حيث قال في (الألفية): |
![]() |
وإذا تخلف الشرط الثاني وهو كون الطلب محضًا، وذلك خاص بالأمر والنهي والدعاء؛ يمتنع نصب ما بعد الفاء عند الجمهور، وذلك يكون بثلاث صور: |
![]() |
الأولى: أن يكون الطلب باسم الفعل، نحو: صهْ فأكرمك، ونَزَالِ فأحدثك. |
![]() |
الثانية: أن يكون الطلب بالمصدر النائب عن فعل الأمر، نحو: سكوتًا فينام الناس. |
![]() |
الثالثة: أن يكون الطلب بلفظ الخبر، نحو: حسبك الحديثُ فيستريح الناس، ورزقني الله مالًا فأنفقه في الخير. |
![]() |
وخالف الكسائي الجمهور، فأجاز نصب الفعل بعد الفاء المجاب بها اسم فعل أمر مطلقًا، أي: سواء أكان مشتقًّا من لفظ فعله، نحو: نزال، أو غير مشتق، نحو: صه، كما أجاز نصب الفعل بعد الفاء المجاب بها ما لفظه الخبر، ومعناه الأمر أو الدعاء، فالأول مثل: حسبك الحديث فينام الناس، والثاني مثل: غفر الله لزيد فيدخله الجنة. |
![]() |
ووافق ابن عصفور الكسائي في جواب اسم الفعل المشتق من لفظ فعله، نحو: ضرَاب عمرًا فيستقيمَ، كما ذهب ابن هشام إلى أن المصدر الصريح إذا كان للطلب ينصب جوابه، كما ينصب جواب الأمر، نحو: سكوتًا فينام الناس. |
![]() |
يتبين مما ذكرتُ أن هذا الإضمار مع نصب الفعل، له شرطان: |
![]() |
الأول: أن يتقدم على الواو نفي محض، أو طلب محض. |
![]() |
الثاني: أن تكون الواو مفيدةً للمعية أو المصاحبة، وليست لمجرد العطف أو الاستئناف. |
![]() |
وفيما يلي شواهد لنصب المضارع بأنْ مضمرة وجوبًا بعد الواو المفيدة للمعية، مع تقدم النفي أو الطلب: |
![]() |
من شواهد تقدم النفي قوله تعالى: ((أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)) [آل عمران: ١٤٢] والخطاب فيه لقوم جاهدوا ولم يصبروا وطمعوا مع ذلك في دخول الجنة، مع أن الطمع إنما ينبغي إذا اجتمع مع الجهاد الصبر، ومعنى الآية: بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة، ولم يكن لله علم بجهاد منكم مصحوب بصبر، أي: ولم يجتمع علمه بجهادكم وعلمه بصبركم؛ لعدم وقوع صبركم؛ لأن علم غير الواقع واقعًا جهل. |
![]() |
ومن شواهد تقدم الأمر قولُ الأعشَى، أو غيرِه: |
| ومعناه: قلت لتلك المرأة: ينبغي أن يجتمع دعائي ودعاؤك؛ حتى يرتفع صوتنا سويًّا. |
![]() |
ومن شواهد تقدم الاستفهام قول الشاعر: |
| والمعنى: أيصح الجمع بين مبيتك ناعمًا هانئًا بلذيذ المنام، ومبيت مؤرق كالملسوع. |
![]() |
هذا، ولم يُسمع نصب المضارع بعد "واو المعية" بأنْ مضمرة وجوبًا إلا مع تقدم واحد من هذه الخمسة، وهي: النفي والأمر والنهي والاستفهام والتمني. قال أبو حيان: ولا أحفظُ النصبَ جاء بعد الواو في الدعاء، ولا العرض، ولا التحضيض، ولا الرجاء، ولا ينبغي أن يقدم على ذلك إلا بسماع. |
![]() |
ويرى بعض النحويين أنه يجوز النصب مع هذه الأربعة التي ذكرها أبو حيان؛ قياسًا على مجيء ذلك في الفاء، وذلك إذا لم يرد بالواو الإشراكُ بين الفعل والفعل، وأريد عطف المصدر المؤول بعدها على مصدر الفعل الذي قبلها، وكانت الواو بمعنى المصاحبة. وعلى هذا يجوز أن يقال مع الدعاء: اللهم اغفر لي وأفوزَ برضوانك، ومع العرض: ألا تنزل ضيفًا عندنا وتسعدَنا؟ ومع التحضيض: هلَّا تجتهد في عملك وتخلصَ؟ ومع الرجاء: لعل المريضَ يشفَى وتتحسنَ صحته. |
![]() |
والفرق بين العرض والتحضيض هو: أن العرض تنبيه على الفعل مع لين ورفق، والتحضيض تنبيه عليه مع زيادة توكيد وحَثّ. |