"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


إضمار "أنْ" وجوبًا بعد "حتى"
هذا الموضع فيه تفصيل، لخصه ابن مالك في الألفية بقوله:
وبعد حتى هكذا إضمار أن
حتم كـ: جُدْ حتى تسر ذا حَزَن
وتلو حتى حالا أو مؤولا
بالحال، فارفع وانصب المستقبلا
وحتى التي ينصب الفعل بعدها بأن مضمرة وجوبًا هي حتى الجارة، وهي تجر اسمًا صريحًا كما في قوله تعالى: ((سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)) [القدر:٥]، أو تجر مصدرًا مؤولًا من أن المصدرية المضمرة والفعل المنصوب بها، كما في المثال الذي ذكره ابن مالك، فإن الفعل تسر منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى الجارة، وأن وهذا الفعل في تأويل مصدر مجرور بحتى، وهي في المثال بمنزلة كي أو لام التعليل، والتقدير: جد بمالك لسرور الحزين، أي: لأجل سروره.

معاني حتى التي ينصب بعدها المضارع
تأتي حتى التي ينصب المضارع بعدها لواحد من معانٍ ثلاثة:

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


المعنى الأول
تكون فيه للغاية، أي: مرادفة لإلى، وضابط ذلك أن يكون ما بعدها غاية لما قبلها -أي: نهاية له- وعلامتها في هذا المعنى أن يصلح في موضعها إلى، وهذا المعنى هو الغالب فيها، ومثالها في هذا المعنى قولنا: يظل الجو حارًّا في الصيف حتى تغيب الشمس، سأجتهد حتى أظفر بالمطلوب، أي: إلى أن تغيب الشمس، وإلى أن أظفر بالمطلوب.

المعنى الثاني
تكون فيه للتعليل، أي: مرادفة لكي، وضابط ذلك أن يكون ما بعدها مسببًا عما قبلها، وعلامتها في هذا المعنى أن يصلح في موضعها كي، ومثالها: أَكثِر من القراءة حتى تزداد علمًا، وأَسلم أيها الكافر حتى تدخل الجنة، والمعنى: كي تزداد علمًا، وكي تدخل الجنة.

المعنى الثالث
تكون فيه للاستثناء، أي: مرادفة لإلا، وضابط ذلك أن يكون ما بعدها مستثنى مما قبلها، وعلامتها في هذه المعنى أن يصلح في موضعها إلا، وهذا المعنى أثبته ابن هشام الخضراوي، وجعل منه الحديث: ((كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه))؛ لأن زمن الميلاد لا يتطاول، فتكون حتى فيه للغاية، ولا كونه يولد على الفطرة علته اليهودية والنصرانية فتكون فيه للتعليل. كما أثبته ابن مالك.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


الخلاف حول ناصب المضارع بعد "حتى"
اختلف النحويون حول ناصب المضارع بعد حتى إلى مذهبين:

المذهب الأول
وهو مذهب البصريين: أن ناصبه بعدها هو أن المضمرة وجوبًا، وهذا المذهب هو الصحيح.

المذهب الثاني
وهو مذهب الكوفيين: أن ناصبه هو حتى نفسها، ويجوز أن تظهر بعدها أن توكيدًا، كما يجوز أن تظهر بعد لام الجحود.
وقد رد مذهبهم هذا بأنه قد ثبت أن "حتى" تجر الأسماء، كما في قوله تعالى: ((فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ)) [المؤمنون: ٥٤]، والقاعدة: أن ما يعمل في الأسماء لا يعمل في الأفعال، وما يعمل في الأفعال لا يعمل في الأسماء. فإن قيل: إن كي تستعمل جارة للاسم وناصبة للفعل، أجيب بأن الجر والنصب بها لا يقع من جهة واحدة بل من جهتين؛ لأنها في الجر حرف تعليل، وفي النصب حرف مصدري.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


حكم نصب المضارع بعد "حتى"
نصب المضارع بعد حتى يكون واجبًا ويكون جائزًا، وفي كلتا الحالتين يشترط فيه أن يكون مستقبلًا؛ ولهذا قال ابن مالك: "وانصب المستقبلا"، فإن كان استقبال المضارع بعد حتى حقيقيًّا، أي: بالنسبة إلى زمن التكلم فنصبه واجب، كما إذا قلت: لأسيرن حتى تطلع الشمس.
ومن شواهد ذلك قول الله -عز وجل: ((قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى)) [طه: ٩١]، فطلوع الشمس ورجوع سيدنا موسى، كل منهما مستقبل بالنسبة إلى زمن التكلم.
وإن كان استقبال المضارع بعدها غير حقيقي، وهو الذي لا يكون بالنسبة إلى زمن التكلم، وإنما يكون بالنسبة لما قبل حتى خاصة، كان نصبه جائزًا، ويجوز رفعه.
وشاهد ذلك قوله تعالى: ((وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ )) [البقرة: ٢١٤] فقول الرسول والمؤمنين الذين معه: متى نصر الله؟ مستقبل بالنسبة لما قبل حتى وهو زلزلوا؛ لأنه يحدث بعده، لكنه ليس مستقبلًا بالنسبة لزمن تكلم جبريل -عليه السلام- بالآية عند نزوله بها؛ لأن الآية تتحدث عن شيء مضى، فالاستقبال في الفعل بعد حتى في الآية غير حقيقي؛ فلهذا يجوز في الفعل النصب والرفع، وقد قرئت الآية بهذين الوجهين، فقرأها نافع المدني برفع يقول، وقرأها باقي السبعة بنصب يقول.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


وهذا النصب جائز على تنزيل الاستقبال غير الحقيقي منزلة الاستقبال الحقيقي، فيتأول قول الرسول والمؤمنين على أنه مستقبل لا ماضٍ، والرفع جائز على تنزيل الاستقبال غير الحقيقي منزلة الحال، فيتأول قول الرسول والمؤمنين على أنه حال لا ماضٍ، فالقول مترقب حصوله في حالة النصب، ومتصور وقوعه في الحال في حالة الرفع؛ لاستحضار صورته.
وضابط ما يجوز فيه النصب والرفع بعد حتى أن يصلح المضارع بعدها لوقوع الماضي كما في الآية، إذ يصح أن يكون: وزلزلوا حتى قال الرسول، ومثله قول القائل بعد دخوله المدينة: سرت حتى أدخلَ المدينة أو حتى أدخلُ المدينة، بنصب أدخل ورفعه؛ لأن تقديره: سرت حتى دخلت المدينة.

شروط رفع المضارع بعد "حتى"
ذكر النحويون أن المضارع لا يرفع بعد حتى، إلا عند توفر ثلاثة شروط:

الشرط الأول
أن يكون حالًا أو مؤولًا بالحال، فمثال الحال قولهم: سألت عنك حتى لا أحتاج إلى سؤال، ورفع الفعل واجب هنا لعدم صحة تقدير أن قبله؛ لأنها تخلص الفعل للاستقبال والفعل هنا معناه الحال، فبينهما تنافٍ.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


ومثال المؤول بالحال قوله تعالى: ((وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ)) في قراءة نافع برفع يقول، وإنما كان الفعل هنا مؤولًا بالحال؛ لأن حاليته ليست حقيقية، فهو حديث عن شيء مضى، فالحالية فيه تكون مقدرة محكية، بأن يقدر اتصاف الرسول والمؤمنين معه بهذا القول في زمن التكلم بالآية، وفي زمن نزول جبريل -عليه السلام- بها، فكأنه يقال: حتى حالهم الآن أنهم يقولون: متى نصر الله؟ والغرض من هذا التقدير هو استحضار صورتهم في تلك الحال.
وعلى تأويل يقول بالحال في الآية يكون رفعه واجبًا، ولا يجوز النصب إلا عند التأويل بالمستقبل، كما في قراءة غير نافع بالنصب، وكأنه يقال: حتى إنهم في المستقبل يقولون: متى نصر الله؟

الشرط الثاني
أن يكون مسببًا عما قبلها، كما في قول العرب: مرض فلان حتى لا يرجونه، فإن عدم الرجاء مسبب عن المرض، والفعل لا يرجونه حال لأنه في قوة قولك: فهو الآن لا يرجى.
وإنما اشترط هذا الشرط؛ لأن حتى إذا رفع المضارع بعدها تكون حرف ابتداء، وما بعدها مستأنف، فاشترط كونه مسببًا عما قبلها ليحصل ربط معنوي يجبر ما فات من الاتصال اللفظي؛ لأنه لما لم يتعلق ما بعد حتى في تلك الحالة بما قبلها لفظًا زال الاتصال اللفظي، فاستُعيض عنه بالسببية الموجبة للاتصال المعنوي.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


ولهذا الشرط يمتنع الرفع في نحو: لأسيرن حتى تطلع الشمس؛ لأن طلوع الشمس لا يتسبب عن السير، كما يمتنع في نحو: ما سرت حتى أدخلها؛ لأن الدخول لا يتسبب عن عدم السير، كما يمتنع في نحو: أَسِرْتَ حتى تدخلها؛ لأن الدخول وإن كان يتسبب عن السير إلا أن السبب لم يتحقق بدليل الاستفهام عنه.
وقد أجاز الأخفش رفع الفعل بعد النفي في نحو: ما سرت حتى أدخلها، على تقدير أن أصل الكلام الإيجاب، وأدخلت أداة النفي على الكلام بأسره، وليس على ما قبل حتى وحده. وقال الأشموني: "لو عرضت هذه المسألة على سيبويه بهذا المعنى، لم يمنع الرفع فيها، وإنما منعه إذا كان النفي مسلطًا على السبب خاصة، وكل أحد يمنع ذلك".

الشرط الثالث
أن يكون فضلة كالفعل "لا يرجونه" في قولهم: مرض فلان حتى لا يرجونه، فإنه فضلة لأن الكلام تم قبله بالجملة الفعلية؛ ولهذا الشرط يمتنع الرفع في نحو: سَيْرِي حتى أدخلها؛ لأن الفعل بعد حتى عمدة، لكونه من جملة خبر المبتدأ المتقدم وهو سيري.
وإنما اشترط أن يكون الفعل المرفوع بعد حتى فضلة؛ لئلا يبقى المبتدأ بلا خبر؛ لأنك إذا رفعته كانت حتى حرف ابتداء، وكان ما بعدها مستأنفًا، فيلزم خلو المبتدأ من الخبر، وفي نحو:

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


كان سيري أمس حتى أدخلها، يرفع الفعل بعد حتى إذا عدت كان تامة أو ناقصة، والظرف أمس خبر لها؛ لأن ما بعد حتى يكون فضلة في هاتين الحالتين، أما إذا عدت كان ناقصة والظرف ليس خبرًا لها، فالرفع ممتنع لأن ما بعد حتى لا يكون فضلة في تلك الحالة.

أنواع "حتى" في الاستعمال العربي
تأتي حتى في الاستعمال العربي على ثلاثة أوجه:

الوجه الأول
أن تكون حرف جر فتجر اسمًا صريحًا، كقوله تعالى: ((حتَّى حِينٍ)) [يوسف: ٣٥]، أو اسمًا مؤولًا بالصريح، وهو المصدر الذي ينسبك من أن المصدرية المضمرة بعدها، والفعل المضارع المنصوب بها، كما تقدمت أمثلة ذلك.

الوجه الثاني
أن تكون حرف ابتداء تبتدأ بعدها الجمل، أي: تستأنف، وتسمى حتى الابتدائية، ولها علامة وهي أنها يصح وضع الفاء في موضعها، والجملة بعدها ثلاثة أنواع؛ وهي: الجملة الاسمية كما في قول جرير:

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


فما زالت القتلى تَمُجُّ دماءها
بدجلة حتى ماء دجلة أَشْكَلُ
والجملة الفعلية التي فعلها مضارع مرفوع كما في قراءة نافع: "حتى يقولُ الرسول"، وقول العرب: مرض زيد حتى لا يرجونه، وقول حسان بن ثابت:
يُغشون حتى مات هِرُّ كلابهم
لا يسألون عن السواد المُقْبل
والجملة الفعلية التي فعلها ماض نحو قولك: أطعمت الفقير حتى شبع، ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ((ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا)) [الأعراف: ٩٥] وزعم ابن مالك أن حتى الداخلة على الفعل الماضي جارة، وأن أن مضمرة بعدها، ونوزع في ذلك بأن فيه تكلف الإضمار من غير ضرورة. وقد عرفت مما سبق أن حتى الابتدائية لا تدخل على المضارع، إلا إذا كان حالًا أو مؤولًا بالحال، وكان فضلة ومسببًا عما قبلها، وما دامت الجملة بعدها مستأنفة فلا محل لهذه الجملة من الإعراب.
وقد زعم بعض النحويين أنها في محل جر بحتى، وعلى هذا الزعم تكون حتى حرف جر، وهذا يفسد ما ذهبوا إليه؛ لأن حروف الجر لا تعلق عن العمل، وإنما تدخل على المفردات أو ما في تأويلها. يضاف إلى ذلك أن العرب يكسرون همزة إن بعد حتى هذه، فيقولون: مرض زيد حتى إنهم لا يرجونه، ولو كانت حتى حرف جر لوجب فتح الهمزة، كما في قوله تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَق)) [الحج: ٦].

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


الوجه الثالث
أن تستعمل حرف عطف كالواو، وقد أثبت الجمهور استعمالها كذلك، واشترطوا لها أربعة شروط، وهي:
الشرط الأول: أن يكون المعطوف بها مفردًا لا جملة.
الشرط الثاني: أن يكون المعطوف بها صريحًا لا مؤولًا.
الشرط الثالث: أن يكون المعطوف بها غاية لما قبلها في زيادة أو نقص، فالأول نحو: مات الناس حتى الأنبياء، والثاني نحو: تجرأ الناس على الفتوى حتى الجاهلون.
الشرط الرابع: أن يكون المعطوف بها إما بعضًا من جمع، أو جزءًا من كل، فالأول نحو: قدم الحجاج حتى المشاة، والثاني نحو: أكلتُ السمكة حتى رأسها، وهذا المثال تصلح فيه حتى لأن تكون جارة لاسم صريح، فينطق بخفض رأسها، وتصلح لأن تكون ابتدائية فيرفع رأسها على الابتداء، ويقدر لها خبر، وتصلح أن تكون عاطفة كما مثلنا.
ومثله مما يصلح للأوجه الثلاثة قول الشاعر:
ألقى الصحيفة؛ كي يخفف رحلَهُ
والزادَ حتى نعله ألقاها

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


وقد روي بجر نعله على أن حتى جارة، وبرفعه على أنها ابتدائية، وبنصبه على أنها عاطفة. هذا، وقد أنكر الكوفيون مجيء حتى حرف عطف، وزعموا أنها في أمثلة العطف ابتدائية، فإذا قلت: نجح الطلاب حتى أخوك، قدروا خبرًا للمرفوع بعد حتى، وإذا قلت: أكرمت الطلاب حتى أخاك، قدروا ناصبًا لما بعدها، وإذا قلت: سلمت على الطلاب حتى أخيك، قدروا جارًّا لما بعدها، والقول بالعطف في هذه الأمثلة أرجح؛ لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير.

إضمار "أنْ" وجوبًا بعد "فاء السببية"
يلخص ابن مالك -رحمه الله- في (الألفية) أحكام هذا الموضع بقوله:
وبعد فا جواب نفي أو طلب
محضين أن وسترها حتم نصب
والمعنى: أن الفعل المضارع ينصب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء المجاب بها، بعد نفي محض أو طلب محض، ومعنى كون النفي محضًا أنه خالص من معنى الإثبات، ومعنى كون الطلب محضًا أنه يكون بفعل صريح. فمثال التي بعد النفي المحض قولنا: لا يحبك منافق فيدافع عنك، ومثال التي بعد الطلب المحض قولنا: اجتهد في عملك فتكون من الفائزين.
وسميت هذه الفاء فاء السببية؛ لأنه يقصد بها الدلالة على أن ما بعدها مسبب عما قبلها، وتسمى هذه الفاء أيضًا فاء الجواب؛ لأن ما قبلها المسبوق بالنفي المحض، أو الطلب المحض يشبه الشرط من جهتين:

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


أولاهما: أن مضمونه غير ثابت، كما أن الشرط غير متحقق الوقوع فمضمونه غير ثابت.
والثانية: أنه يتسبب عنه ما بعده، كما أن الشرط يتسبب عنه الجواب، ويترتب عليه مضمونه.
والعلة في نصب المضارع بعدها بأن مضمرة وجوبًا، هو أن يتم ربط ما بعدها بما قبلها برباط لفظي، كما ربطت بينهما برباط معنوي، فكما أن الفاء جعلت ما بعدها مسببًا عما قبلها وهو رباط معنوي، عطفت مصدرًا منسبكًا من أن المضمرة، والفعل المنصوب على مصدر متصيد مما قبلها، وذلك رباط لفظي.
فالتقدير في المثال الأول المسبوق بالنفي: لا يكون من المنافق حب لك فدفاع عنك منه، والتقدير في المثال الثاني المسبوق بالطلب: ليكن منك الاجتهاد في عملك فكونك من الفائزين، وهذه الفاء عند جمهور النحويين هي فاء العطف، لكنها هنا لا تعطف الفعل الذي بعدها على ما قبلها، وإنما تعطف المصدر المسبوك على المصدر المتصيد، وهذا العدول عن الأصل قصد به الدلالة على قصد السببية فيها، والنصب بأن هو الذي يحقق المصدر المسبوك، وإضمارها وجوبًا يحقق تناسب المتعاطفين صورة، ولم يكن النصب بالفاء نفسها لعدم اختصاصها بالأفعال.
والرضي يخالف الجمهور في هذه الفاء، ويرى أن الأغلب فيها كونها للاستئناف، وما بعدها وهو المصدر المؤول مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا، وإنما وجب حذفه؛ لأن الفعل بعد الفاء لما التزم معه حذف أن التي بها تهيأ أن يصلح للابتدائية، لم يظهر فيه معنى الابتداء...

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


...حق الظهور، فلو أبرز الخبر لكان كأنه أخبر عن الفعل. وأرى أن ما ذهب إليه الرضي أقل تكلفًا مما مشى عليه الجمهور.

نصب الفعل بعد الفاء المسبوقة بالنفي
يتبين مما قدمت أن نصب المضارع بعد الفاء المسبوقة بالنفي، له شرطان:
أولهما: أن تكون الفاء للسببية، أي: مقصودًا بها التنصيص على سببية ما قبلها لما بعدها.
الثاني: أن يكون النفي محضًا، أي: خالصًا من معنى الإثبات. ومن أمثلة ذلك قولهم: ما تأتينا فتحدثنا، وما تزورنا فنكرمك.

كيف تتحقق سببية الفاء؟
تتحقق سببية الفاء في حالتين:

الحالة الأولى
إذا قصد انتفاء ما بعدها بسبب انتفاء ما قبلها، ففي المثالين السابقين وُجِّه النفي إلى ما قبل الفاء قصدًا، وهو الإتيان والزيارة، فانتفى ما بعد الفاء تبعًا لانتفائه؛ لكونه مسببًا عنه والأول سبب فيه، وإذا انتفى السبب انتفى المسبب، والمعنى: ما تأتينا فكيف تحدثنا، وما تزورنا...

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


...فكيف نكرمك.
ومثلهما قوله تعالى: ((لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا)) [فاطر: ٣٦]، فإنه قصد فيه انتفاء موت أهل النار بسبب انتفاء القضاء عليهم، والمعنى: لا يقضى عليهم فكيف يموتون؟

الحالة الثانية
إذا قُصد نفي اجتماع ما قبل الفاء وما بعدها، فيكون النفي موجهًا إلى ما بعد الفاء خاصة، باعتبار أنه قيد للأول، فيستفاد من الجملة ثبات الأول مع انتفاء الثاني، ولو طبقنا ذلك على المثال: ما تأتينا فتحدثنا، يكون المعنى: ما يكون منك إتيان لنا يعقبه تحديث لنا، بل يكون منك إتيان لا يعقبه تحديث، فكأنه قيل: ما تأتينا مُحدِّثًا، بل تأتينا غير مُحدِّث.
وكذلك الشأن بالنسبة للمثال: ما تزورنا فنكرمك، يكون معناه بهذا الاعتبار: ما يحدث منك زيارة لنا يعقبها إكرامنا لك، بل تحدث منك زيارة لا يعقبها إكرام، فكأنه قيل: ما تزورنا مكرَمًا بل تزورنا غير مكرَم، فالنفي هنا منصب على ما بعد الفاء لقصد نفي اجتماع الأمرين، أما ما قبل الفاء فهو ثابت غير منفي.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


متى تكون الفاء غير سببية؟
تأتي الفاء غير مقصود بها النص على السببية في حالتين أيضًا:

الحالة الأولى
إذا قُصد توجيه النفي لكل من الفعلين؛ المتقدم على الفاء والمتأخر عنها، وحينئذ تكون الفاء لمجرد عطف الفعل المتأخر على الفعل المتقدم، وذلك كما في قوله تعالى: ((وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ)) [المرسلات: ٣٦]، فالمقصود هنا توجيه النفي للإذن والاعتذار، والمعنى: لا يؤذن لهم في الاعتذار فلا يعتذرون، ولكون الفاء ليست للسببية رفع الفعل بعدها؛ لكونه معطوفًا على مرفوع.
ولهذا الموضع تُخَرَّج قراءة عيسى بن عمر: "لا يقضى عليهم فيموتون" برفع يموتون عطفًا على الفعل يقضى، ويكون النفي متجهًا إلى ما قبل الفاء وما بعدها معًا، والمعنى: لا يقضى عليهم فلا يموتون.
ويمكن إدخال نحو: ما تأتينا فتحدثنا وما تزورنا فنكرمك، في هذا الموضع، فنرفع المضارع بعد الفاء، على أن يكون النفي متجهًا إلى ما قبلها وما بعدها، والمعنى: لا تأتينا فلا تحدثنا، ولا تزورنا فلا نكرمك، والفاء لمجرد العطف في تلك الحالة، وليست سببية.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


الحالة الثانية
إذا قصد توجيه النفي إلى ما قبل الفاء وحده، فيكون الثاني وهو ما بعد الفاء مثبَتًا، وتكون الفاء إما لعطف جملة مثبتة على جملة منفية، وإما استئنافية وما بعدها مستأنَف، ومثال ذلك قولهم: ما تجيئنا فتجهل أمرنا ولا يقرأ زيد فينسى؛ لأن المراد إثبات الجهل في الأول، والنسيان في الثاني.
ويمكن تخريج قولهم: ما تأتينا فتحدثنا، على ذلك، فيكون المعنى: ما تأتينا في المستقبل فأنت تحدثنا الآن عوضًا عن ذلك، وكذلك قولهم: ما تزورنا فنكرمك، ويكون المعنى: ما تزورنا في المستقبل فنحن نكرمك الآن منتهزين زيارتك.

متى يكون النفي قبل فاء السببية محضًا، ومتى يكون غير محض؟
النفي المحض -كما تقدم- هو الخالص من معنى الإثبات، وذلك يحصل بتقدم حرف النفي على الفعل كما سبق، وقد يتحقق بتقدم فعل يفيد النفي، نحو: ليس أخوك بمهمل فتلومه، وقد يتحقق بتقدم اسم يفيد النفي وهو غير، نحو: غير لاهٍ عدوك فتلهو، أي: ما لاهٍ عدوك.
وهناك أمور ألحقها النحويون بالنفي الصريح؛ منها: التشبيه الواقع موقع النفي، كقول العرب: كأنك والٍ علينا فتشتمنا، وقولهم: كأنك مسئول عنا فتحاسبنا، والمعنى: ما أنت وال علينا، وما أنت مسئول عنا.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


ومنها أيضًا النفي بقد، ومثاله ما حكي عن بعض الفصحاء: قد كنت في خير فتعرفه، وأراد بذلك: ما كنت في خير، ومنها التقليل المراد به النفي، نحو: قلما تأتينا فتحدثنا، كما ألحقوا بالنفي قليلًا الحصر بإنما في الاختيار، وخَرّجوا على ذلك قول الله -عز وجل: ((وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ)) [البقرة: ١١٧] في قراءة من نصب يكون، ولا يجوز ذلك مع إلا في غير الضرورة.
وإذا كان النفي غير محض، ولم يخلص من معنى الإثبات؛ لم ينتصب المضارع في جوابه بعد الفاء، وذلك يتحقق في ثلاث صور:

الصورة الأولى
إذا انتقض النفي بإلا كقولهم: ما أنت تأتينا إلا فتحدثنا، برفع تحدثنا؛ لأن النفي انتقض بإلا قبل مجيء الفاء، فإن وقع انتقاض النفي بعد الفاء فالحكم كذلك عند ابن مالك؛ ولهذا أوجب رفع الفعل بعد الفاء في قولهم: ما قام فيأكل إلا طعامه.
وقد تبع ابن مالك في هذا ابنه بدر الدين، واعترضهما المُرادي فأجاز النصب في المثال وفي البيت، وقرر أن النفي إذا انتقض بإلا بعد الفاء جاز النصب، حيث نص على ذلك سيبويه وأنشد البيت المذكور على النصب، وعلى هذا إذا انتقض النفي بإلا بعد الفاء يجوز في الفعل النصب والرفع، فالرفع نظرًا لكون النفي غير محض لانتقاضه بإلا، والنصب نظرًا لأن الانتقاض حصل بعد استحقاق الفعل للنصب.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


الصورة الثانية
إذا كان النفي متلوًّا بنفي، نحو: ما تزال تأتينا فتحدثنا، برفع تحدثنا؛ لأن النفي السابق على الفاء ليس محضًا؛ لكونه متلوًّا بفعل يفيد النفي وهو تزال.

الصورة الثالثة
إذا تلا النفي استفهامًا تقريريًّا بالهمزة، نحو: ألم تأتني فأحسن إليك، برفع أحسن؛ لأن الاستفهام التقريري يتضمن ثبوت الفعل، ويقصد به حمل المخاطب على الاعتراف بما دخلت عليه الهمزة، وعلى هذا لا ينصب المضارع في جوابه لعدم تمحض النفي، فإن ورد الفعل في ذلك منصوبًا كان ذلك لمراعاة صورة النفي في هذا الاستفهام، أو لكون الفعل واقعًا جوابًا للاستفهام، وذلك كما في قوله تعالى: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا)) [الحج: ٤٦].

متى ينصب المضارع بعد الفاء المسبوقة بطلب؟
يتبين مما تقدم أن نصب المضارع بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء مشروط بأمرين؛ أولهما: أن تكون الفاء للسببية، والثاني: أن يكون الطلب محضًا، وأنواع الطلب سبعة جمعها بعضهم مع النفي في قوله:

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


مر وانْهَ وادع وسل واعْرِض لِحَضِّهِم
تمنّ وارْجُ كذاك النفي قد كمل
ويشترط في الطلب إذا كان أمرًا أو نهيًا أو دعاء، أن يكون بصريح الفعل، ولا يشترط هذا الشرط في بقية أنواع الطلب.
ومن شواهد النصب بعد الفاء المسبوقة بالطلب، بأنواعه:
النصب بعد الأمر، كما في قول أبي النجم:
يا ناقُ، سِيري عَنقًا فسيحًا
إلى سليمان فنستريح
وبعد النهي، كما في قوله تعالى: ((لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ)) [طه: ٦١].
وبعد الدعاء، كقوله تعالى: ((رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا)) [يونس: ٨٨].
وبعد الرجاء كقوله تعالى: ((لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ)) [غافر: ٣٦، ٣٧]. والنصب بعد الفاء الواقعة بعد الرجاء أثبته الكوفيون والفراء، ووافقهم ابن مالك حيث قال في (الألفية):
والفعل بعد الفاء في الرجا نصب
كنصب ما إلى التمني ينتسب

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


ودليلهم على ذلك ما تقدم من الشواهد، وفي ذلك مذهبان آخران:

المذهب الأول
مذهب البصريين، وهو منع ذلك مع تأويل ما يوهم أنه ورد، فالفعل أطلع في الآية الأولى يجوز أن يكون نصبه؛ لأنه في جواب الأمر: ابن لي صرحًا، أو المصدر المؤول معطوف بالفاء على اسم خالص من التأويل بالفعل، وهو الأسباب، فتكون أن مضمرة جوازًا، أو أطلع معطوف على أبلغ في قوله تعالى: ((لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ))؛ لأنه بمعنى: لعلي أن أبلغ، فهو عطف على المعنى.
والآية الثانية تحتمل العطف على المعنى أيضًا، على تأويل: لعله أن يزكى أو يذكر فتنفعه، وكذلك الشأن في الرجز.

المذهب الثاني
مذهب بعض النحويين، وهو أن لعل إن أشربت معنى التمني نصب جوابها، وإلا فلا، والراجح ما ذهب إليه الفراء والكوفيون، ولا داعي لهذه التأويلات البعيدة التي ذكرها البصريون.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


حكم المضارع بعد الطلب، إذا تخلف أحد الشرطين
إذا تخلف الشرط الأول وهو كون الفاء للسببية، وجب رفع المضارع على أنه مستأنف والفاء للاستئناف، وذلك نحو: احترم والدك فينفقُ عليك، ومنه قول جميل:
ألم تسأل الربع القُواء فينطق
وهل يُخبرنكَ اليوم بيداء سَمْلَق

فالتقدير في المثال: فهو ينفق عليك، وليست النفقة مسبَّبة عن الاحترام، والتقدير في البيت: فهو ينطق، وليس النطق مسببًا عن السؤال.
وإذا تخلف الشرط الثاني وهو كون الطلب محضًا، وذلك خاص بالأمر والنهي والدعاء؛ يمتنع نصب ما بعد الفاء عند الجمهور، وذلك يكون بثلاث صور:
الأولى: أن يكون الطلب باسم الفعل، نحو: صهْ فأكرمك، ونَزَالِ فأحدثك.
الثانية: أن يكون الطلب بالمصدر النائب عن فعل الأمر، نحو: سكوتًا فينام الناس.
الثالثة: أن يكون الطلب بلفظ الخبر، نحو: حسبك الحديثُ فيستريح الناس، ورزقني الله مالًا فأنفقه في الخير.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


وخالف الكسائي الجمهور، فأجاز نصب الفعل بعد الفاء المجاب بها اسم فعل أمر مطلقًا، أي: سواء أكان مشتقًّا من لفظ فعله، نحو: نزال، أو غير مشتق، نحو: صه، كما أجاز نصب الفعل بعد الفاء المجاب بها ما لفظه الخبر، ومعناه الأمر أو الدعاء، فالأول مثل: حسبك الحديث فينام الناس، والثاني مثل: غفر الله لزيد فيدخله الجنة.
ووافق ابن عصفور الكسائي في جواب اسم الفعل المشتق من لفظ فعله، نحو: ضرَاب عمرًا فيستقيمَ، كما ذهب ابن هشام إلى أن المصدر الصريح إذا كان للطلب ينصب جوابه، كما ينصب جواب الأمر، نحو: سكوتًا فينام الناس.

خلاف النحويين في ناصب المضارع بعد الفاء
مذهب البصريين هو ما تقدم من أن الناصب له هو أن مضمرة وجوبًا عند تحقق الشروط، وذهب بعض الكوفيين إلى أن الفاء هي الناصبة للمضارع بنفسها، وذهب آخرون منهم إلى أن ما بعد الفاء منصوب بالمخالفة؛ لأن ما قبلها نفي أو طلب وما بعدها ليس كذلك، فلما خالف ما بعد الفاء ما قبلها معنى خالفه إعرابًا، والصحيح من هذه المذاهب مذهب البصريين.
والقول بأن الناصب هو الفاء مردود بأن الفاء عاطفة في الأصل، وحرف العطف لا يعمل لعدم اختصاصه، والقول بأن الناصب هو المخالفة مردود بنحو: ما جاء محمد لكن علي، وجاء محمد لا علي، فإن الثاني في المثالين يخالف الأول في المعنى فيهما، ولم يخالفه في الإعراب.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


إضمار "أنْ" وجوبًا بعد "واو المعية"
وقد لخَّصَ ابن مالك حديث هذا الإضمار بقوله:
وَالوَاوُ كالفَا إن تُفِد مَفهُومَ مَع
كلَا تَكُن جَلدا، وتُظهِرَ الجَزَع
ومعنى قوله هذا: أن الواو كالفاء في نصب المضارع بعدها بأنْ مضمرة وجوبًا، إذا تقدم عليها نفي محض أو طلب محض، وأفادت "مفهوم مع" وهو المصاحبة، إلى جانب كونها عاطفةً كما في المثال المذكور؛ لأن معناه: لا ينبغي أن يصاحب اتصافك بالجلد إظهارك للجزع، فالواو هنا تفيد معنى المصاحبة، وقد تقدم عليها طلب محض؛ فلهذا نُصب "تظهرَ" بأن مضمرة وجوبًا بعد الواو.

شرط إضمار أن وجوبًا بعد الواو
يتبين مما ذكرتُ أن هذا الإضمار مع نصب الفعل، له شرطان:
الأول: أن يتقدم على الواو نفي محض، أو طلب محض.
الثاني: أن تكون الواو مفيدةً للمعية أو المصاحبة، وليست لمجرد العطف أو الاستئناف.
وفيما يلي شواهد لنصب المضارع بأنْ مضمرة وجوبًا بعد الواو المفيدة للمعية، مع تقدم النفي أو الطلب:

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


من شواهد تقدم النفي قوله تعالى: ((أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)) [آل عمران: ١٤٢] والخطاب فيه لقوم جاهدوا ولم يصبروا وطمعوا مع ذلك في دخول الجنة، مع أن الطمع إنما ينبغي إذا اجتمع مع الجهاد الصبر، ومعنى الآية: بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة، ولم يكن لله علم بجهاد منكم مصحوب بصبر، أي: ولم يجتمع علمه بجهادكم وعلمه بصبركم؛ لعدم وقوع صبركم؛ لأن علم غير الواقع واقعًا جهل.
ومن شواهد تقدم الأمر قولُ الأعشَى، أو غيرِه:
فَقُلتُ: ادعي وَأَدعو إِنَّ أَندى
لِصَوتٍ أَن يُنادِيَ داعِيانِ
ومعناه: قلت لتلك المرأة: ينبغي أن يجتمع دعائي ودعاؤك؛ حتى يرتفع صوتنا سويًّا.
ومن شواهد تقدم الاستفهام قول الشاعر:
أتبيتُ ريانَ الجفونِ من الكرَى
وأبيتُ منكَ بليلةٍ ملسوع؟!
والمعنى: أيصح الجمع بين مبيتك ناعمًا هانئًا بلذيذ المنام، ومبيت مؤرق كالملسوع.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


هذا، ولم يُسمع نصب المضارع بعد "واو المعية" بأنْ مضمرة وجوبًا إلا مع تقدم واحد من هذه الخمسة، وهي: النفي والأمر والنهي والاستفهام والتمني. قال أبو حيان: ولا أحفظُ النصبَ جاء بعد الواو في الدعاء، ولا العرض، ولا التحضيض، ولا الرجاء، ولا ينبغي أن يقدم على ذلك إلا بسماع.
ويرى بعض النحويين أنه يجوز النصب مع هذه الأربعة التي ذكرها أبو حيان؛ قياسًا على مجيء ذلك في الفاء، وذلك إذا لم يرد بالواو الإشراكُ بين الفعل والفعل، وأريد عطف المصدر المؤول بعدها على مصدر الفعل الذي قبلها، وكانت الواو بمعنى المصاحبة. وعلى هذا يجوز أن يقال مع الدعاء: اللهم اغفر لي وأفوزَ برضوانك، ومع العرض: ألا تنزل ضيفًا عندنا وتسعدَنا؟ ومع التحضيض: هلَّا تجتهد في عملك وتخلصَ؟ ومع الرجاء: لعل المريضَ يشفَى وتتحسنَ صحته.
والفرق بين العرض والتحضيض هو: أن العرض تنبيه على الفعل مع لين ورفق، والتحضيض تنبيه عليه مع زيادة توكيد وحَثّ.

ما حكم المضارع بعد هذه الواو، إذا لم تكن للمعية؟
إذا لم تكن الواو للمعية؛ فإما أن تكون استئنافيةً وإما أن تكون عاطفةً على صريح الفعل، فإن كانت استئنافية وجب رفعُ المضارع بعدها؛ لأنه ابتداء جملة ولم يسبق بناصب ولا جازم، وإن كانت عاطفةً أُعطِيَ الفعل الذي يليها حكم الفعل المعطوف عليها، وذلك كما في قول العرب: لا تأكل السمكة وتشرب اللبن، فإنه يجوز فيه جعل الواو للاستئناف، فيرفع الفعل "تشرب"، ويجوز فيه جعل الواو عاطفةً للفعل الذي يليها...

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


...على الفعل الذي قبلها، فيشاركه في حكم الجزم. أما إن جعلت الواو فيه للمعية -وقد سبقت بالطلب وهو النهي- فالفعل الذي بعدها يُنصب بأن مضمرة وجوبًا، ويكون النهي عن الجمع بين الفعلين.

خلاف النحويين في ناصب المضارع بعد الواو
والخلاف هنا كالخلاف في ناصب المضارع بعد فاء السببية؛ ففيه ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول
-وهو الصحيح- مذهب البصريين: وهو أن الناصب للمضارع بعد واو المعية هو "أنْ" مضمرة وجوبًا، والواو حينئذٍ عاطفة لمصدر منسبك من أنْ والفعل على مصدر متصيد مما قبلها. وإنما نُصب الفعل بعد واو المعية؛ ليكون نصبُه علامة على أن هذه الواو ليست التي لمجرد العطف، وإنما هي التي تفيد مصاحبة مضمون ما بعدها لمضمون ما قبلها في زمن واحد، وإنما كان النصب بأنْ وليس بالواو؛ لأن الواوَ حرفُ عطف فلا يعمل لعدم اختصاصه، وإنما كانت أنْ الناصبة واجبة الإضمار؛ لأن إضمارَها يحقق تناسب المتعاطفين في الصورة بخلاف ما لو ظهرت.

"٣.٢ إضمار "أن" وجوبًا بعد "حتى"، و"فاء السببية"، و"واو المعية


المذهب الثاني
هو أن الناصب هي الواو نفسُها، وهو رأي الجرمي البصري، وهو مردود بأن الواو حرف غير مختص، وغير المختص لا يعمل.

المذهب الثالث
أن ناصب المضارع بعد الواو هو الصرفُ، ومعناه: مخالفة ما بعدها لما قبلها؛ لأن الثاني مخالف للأول ومصروف عنه من جهة المعنى، فصارت مخالفتُه له وصرفُه عنه ناصبًا له، وذلك مذهب الكوفيين، وهو مردود؛ لأن الخلاف لا يصلح أن يكون موجبًا للنصب.