![]() |
يقول المرادي: "اعلم أن أقوى نواصب الفعل "أنْ"؛ لاختصاصها به، ولشبهها بأنّ الناصبة للاسم؛ فلذلك عملت مظهرة ومضمرة بخلاف أخواتها، وإضمارها على ثلاثة أضرب: جائز وواجب وشاذ. |
![]() |
فالواجب بعد ستة أشياء؛ أولها: كي الجارة، وثانيها: لام الجحود، وثالثها: أو بمعنى إلى أو إلا، ورابعها: حتى، وخامسها: فاء الجواب، وسادسها: واو المصاحبة. والجائز بعد شيئين؛ الأول: لام كي إذا لم يكن معها لا، والثاني: العاطف على اسم خالص. والشاذ إعمالها مضمرة في غير هذه المواضع". انتهى. |
![]() |
وخلاصة ما ذكره أنّ "أنْ" تضمر قياسًا بعد ثلاثة من حروف الجر، وهي: كي واللام وحتى، وبعد أربعة من حروف العطف، وهي: أو والفاء والواو وثم، وفيما يلي بيان تلك المواضع بالتفصيل: |
![]() |
قال ابن هشام: "ولا يجوز في النثر خلافًا للكوفيين". |
![]() |
ويرى ابن مالك أن إضمار "أن" في هذا الموضع غالب، لا واجب. |
![]() |
ويجوز أن يكون التقدير: ما كان زيد مقدرًا أو هامًّا أو مستعدًّا لأن يفعل، كما قدره ابن مالك في (شرح التسهيل). |
![]() |
قال النحويون: وإنما وجب إضمار "أن" بعد "لام الجحود"؛ لأن هذه اللام في النفي تقابل حرف التنفيس في الإثبات، فقولنا: ما كان ليفعل نفي لقولهم: سيفعل أو سوف يفعل، وكما أنّ "أنْ" لا تظهر بعد حرف التنفيس، كذلك لا تظهر بعد لام الجحود، ولا يجمع بينهما، واشتراط سبق هذه اللام بكون الناقص يحترز به من الكون التام، فاللام المسبوقة بكان التامة لا تدخل في لام الجحود، بل تكون من قبيل لام كي، كما لو قيل: ما كان محمد ليلعب، على معنى: ما وُجد للعب، فاللام حينئذ هي لام كي، وحكم "أنْ" بعدها جواز الإضمار والإظهار. |
![]() |
وابن مالك لم يقيد كان في نظمه بالناقصة؛ اكتفاء منه بأنها المشهورة لدى النحويين عند الإطلاق؛ لأن استعمالها أكثر وذكرها في أبواب النحو أشهر، فيتعين حمل كلامه عليها عند عدم التقييد. |
![]() |
وقول ابن مالك: "وبعد نفي كان" يدخل فيه نحو: لم يكن، وهو المضارع المنفي بلم؛ لأنه ماضٍ منفي في المعنى، ويفهم منه أن ذلك مختصّ بكان، فلا يكون في أخواتها لتخصيص الحكم بها، خلافًا لمن أجاز وقوع لام الجحود بعد نفي أخوات كان، نحو: ما أصبح زيدٌ ليضرب عمرًا، ولمن أجاز ذلك قياسًا بعد ظن، نحو: ما ظننت زيدًا ليضرب عمرًا، ولمن وسع الدائرة فأجاز ذلك في كل فعل تقدمه نفي، نحو: ما جاء زيد ليفعل، وكل ذلك لم يسمع. ويفهم من قوله هذا أيضًا أن المراد بالنافي المتقدم على كان، ما ينفي الماضي وهو ما ولم، فخرجت لن؛ لأنها تختص بالمستقبل، وكذلك لا، فإن نفي غير المستقبل بها قليل، كما تخرج لما؛ لأنها وإن كانت تنفي الماضي كـ "لم" إلا أنها تدل على اتصال نفيه بالحال، وشرط النافي هنا أن يكون نافيًا للحدث في الماضي فقط، وأما "إنْ" النافية فهي بمعنى ما وكلامه يشملها. |
![]() |
قال المرادي: الظاهر أن لام الجحود تقع بعد النفي بها، ويدل على ذلك قراءة غير الكسائي: ((وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ)) [إبراهيم: ٤٦]. وقال بعضهم: المعنى على ذلك: ليس مكرهم أهلًا لزوال ما هو كالجبال في ثباته وتمكنه، وهو آيات الله وشرائعه. والراجح عند الزمخشري وابن هشام والأشموني أن "إنْ" في هذه القراءة شرطية، حذف جوابها لتقدم الدليل عليه، وهو قوله تعالى: ((وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ)) أي: جزاء مكرهم، واللام على ذلك هي لام كي، والمعنى: وعند الله جزاء مكرهم، وهو مكر أعظم منه، وإن كان مكرهم لشدته معدًّا لزوال الأمور العظام، المشبهة في عظمها بالجبال، كما يقال: أنا أشجع من فلان، وإن كان مُعدًّا للنوازل. |
![]() |
والصحيح في ذلك ما عليه الجمهور، من أنه لا يجوز حذف لام الجحود، ولا حجة في الآية لمن أجاز ذلك؛ لأن ((أَنْ يُفْتَرَى)) في تأويل مصدر هو خبر كان، وهذا المصدر بمعنى اسم المفعول، فكأنه قيل: ما كان هذا المقروء مفترى، وقيل: خبر كان محذوف تقديره: ممكنًا، والمصدر المؤول من أن يفترى فاعل للخبر المحذوف، أي: ممكنًا افتراؤه. |
![]() |
وقيل: يجوز أن تكون كان تامة، والقرآن: فاعل، وأن يفترى: مصدر مرفوع بدل اشتمال منه، والمعنى: ما وقع افتراء لهذا القرآن. |
![]() |
إذا قلت: ما كان أخي ليفعل كذا، ولم يكن أخي ليفعل كذا، كان أخي اسمًا لكان في المثال الأول، وليكن في المثال الثاني، واختلف البصريون والكوفيون في بيان الخبر؛ فذهب البصريون إلى أن الخبر محذوف كما سبق بيانه، ويقدر بحسب ما يقتضيه المقام من المعنى، فيكون التقدير: ما كان أخي قاصدًا أو مريدًا أو مقدرًا أو هامًّا أو مستعدًّا لأن يفعل، وكذلك الشأن مع لم يكن، وعلى مذهبهم تكون اللام في ليفعل -وهي لام الجحود- جارة لمصدر مؤول من أن المضمرة وجوبًا، والفعل المنصوب بها، والجار مع المجرور... |
| ...متعلق بالخبر المحذوف المقدر، والتقدير مثلًا: ما كان أخي قاصدًا للفعل، ولم يكن أخي قاصدًا للفعل، وهذه اللام تفيد توكيد النفي المستفاد مما تقدم. |
![]() |
ووجه التوكيد أنها متممة لنفي القصد أو الإرادة، ونفي القصد أو الإرادة أبلغ من نفي الفعل، وإنما قلنا: إنها متممة لنفي القصد أو الإرادة؛ لأنها جاءت لتقوية العامل وهو الخبر؛ لكونه فرعًا في العمل من جهة كونه وصفًا؛ ولهذا تعلقت به لأن اللام المقوية ليست زائدة محضة، ولا معدية محضة، بل هي وسط بين الوصفين، فهي زائدة غير محضة، فلا بد لها من متعلق. |
![]() |
والكوفيون يذهبون إلى أن خبر الكون الناقص في المثالين ونحوهما، هو الجملة الواقعة بعد لام الجحود، ولام الجحود عندهم زائدة لتقوية النفي المستفاد مما تقدم، فهي حرف زائد مؤكد مثل الباء في نحو قولنا: ما زيد بقائم، وهي حرف غير جارّ بل ناصب للمضارع، إما بالأصالة أو النيابة، كما تقدم بيانه، وعلى مذهبهم يكون الأصل في المثالين السابقين: ما كان أخي يفعل، ولم يكن أخي يفعل. |
![]() |
وقد اعترض مذهبهم بأن اللام الزائدة تعمل الجر في الأسماء، وعوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال، ومن شواهد عمل اللام الزائدة الجر في الاسم قول الشاعر: |
![]() |
وهذا الخلاف بين الفريقين تظهر فائدته في نحو: ما كان أخي متاعَك ليأخذ، فإن هذا القول جائز عند الكوفيين؛ لأن ناصب يأخذ عندهم هو اللام، واللام لا يمتنع تقديم معمول ما بعدها عليها، وهو غير جائز عند البصريين؛ لأن الناصب ليأخذ هو أن المضمرة، وأن المضمرة لا يجوز أن يتقدم معمول منصوبها عليها. |
![]() |
هذا، وقد زعم أبو حيان وتبعه الأشموني أن ابن مالك له في هذه المسألة مذهب يغاير المذهبين السابقين؛ لأنه قال في (التسهيل): "ينصب الفعل بأن لازمة الإضمار بعد اللام المؤكدة لنفي، في خبر كان ماضية لفظًا أو معنى". |
![]() |
وظاهر ذلك مخالفة الكوفيين من جهة كون النصب عنده بأن مضمرة، ومخالفة البصريين من جهة أن قوله عن اللام المؤكدة لنفي، يقتضي أنها زائدة زيادة محضة، كما صرح بذلك ابنه بدر الدين، وعلى هذا لا يكون لها متعلق، ويكون خبر الكون هو المصدر المؤول من أن والفعل. |
![]() |
وقد استدرك الأشموني بعد أن قرر ذلك، فذكر أن ابن مالك قال في شرحه لهذا الموضع من (التسهيل): "سميت مؤكدة -يعني اللام- لصحة الكلام بدونها، لا لأنها زائدة؛ إذ لو كانت زائدة لم يكن لنصب الفعل بعدها وجه صحيح، وإنما هي لام اختصاص دخلت على الفعل؛ لقصد ما كان زيد مقدرًا أو هامًّا أو مستعدًّا لأن يفعل". |
![]() |
وهذا يدل على أن ابن مالك يوافق البصريين في مذهبهم؛ لأنه يصرح بأن اللام ليست زائدة، ويقدر الخبر كما يقدره البصريون. |
![]() |
ومن شواهد نصب المضارع بعد "أو" قول امرئ القيس: |
| وأو هنا يصلح في موضعها حتى الغائية وإلا الاستثنائية، أي: إلى أن نموت فنعذر، أو إلا أن نموت فنعذر. |
![]() |
ومن الأمثلة التي تحتمل المعاني الثلاثة المذكورة لـ "أو" قولهم: لألزمنك أو تقضيني حقي، فإنه يصح أن يكون معناه: لألزمنك إلى أن تقضيني حقي، وأن يكون معناه: لألزمنك كي تقضيني حقي، وأن يكون معناه: لألزمنك إلا أن تقضيني حقي. |