"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


يقول المرادي: "اعلم أن أقوى نواصب الفعل "أنْ"؛ لاختصاصها به، ولشبهها بأنّ الناصبة للاسم؛ فلذلك عملت مظهرة ومضمرة بخلاف أخواتها، وإضمارها على ثلاثة أضرب: جائز وواجب وشاذ.
فالواجب بعد ستة أشياء؛ أولها: كي الجارة، وثانيها: لام الجحود، وثالثها: أو بمعنى إلى أو إلا، ورابعها: حتى، وخامسها: فاء الجواب، وسادسها: واو المصاحبة. والجائز بعد شيئين؛ الأول: لام كي إذا لم يكن معها لا، والثاني: العاطف على اسم خالص. والشاذ إعمالها مضمرة في غير هذه المواضع". انتهى.
وخلاصة ما ذكره أنّ "أنْ" تضمر قياسًا بعد ثلاثة من حروف الجر، وهي: كي واللام وحتى، وبعد أربعة من حروف العطف، وهي: أو والفاء والواو وثم، وفيما يلي بيان تلك المواضع بالتفصيل:

إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة
"كي" إذا كانت تعليلية جارة، كان دخولها على "أنْ" المصدرية على وجهين:
الوجه الأول
أن تكون "أن" مضمرة نحو: جئت كي أتعلم، وهذا محل اتفاق في الشعر والنثر، وهو واجب.

"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


الوجه الثاني
أن تكون "أن" مظهرة، وهذا لا يرد في الاختيار بل في ضرورة الشعر، كما في قول جميل:
فقالت: أكل الناس أصبحت مانحا
لسانك؛ كيما أن تَغُر وتخدعا
قال ابن هشام: "ولا يجوز في النثر خلافًا للكوفيين".
ويرى ابن مالك أن إضمار "أن" في هذا الموضع غالب، لا واجب.

إضمار "أن" بعد "اللام"
تحدث ابن مالك في (الألفية) عن حكم "أن" بعد "اللام" تفصيلًا، فقال:
وبين لا ولام جر التزم
إظهار أن ناصبة، وإن عدل
لا فإنِ اعمل ظاهرا، أو مضمرا
وبعد نفي كان حتمًا أضمر

"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


وهذا القول يبين أنّ "أنْ" بعد اللام لها ثلاثة أحكام؛ وهي: وجوب الإظهار، وجواز الإظهار والإضمار، ووجوب الإضمار، والحكمان الأولان يختصان بلام كي، والحكم الثالث يختص بلام الجحود؛ ولهذا قال المرادي -رحمه الله: "اشتمل هذان البيتان على حكم أن بعد لام كي، ولام الجحود".

حكم "أنْ" بعد "لام" كي
لأنْ بعد لام كي حكمان:

الحكم الأول
وجوب الإظهار، وذلك إذا وقعت بين اللام ولا النافية أو الزائدة. مثال الواقعة مع لا النافية قوله تعالى: ((لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)) [النساء: ١٦٥] ومثال الواقعة مع لا الزائدة قوله تعالى: ((لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)) [الحديد: ٢٩].
وإنما وجب إظهارها في تلك الحالة؛ لكراهة توالي لامين في اللفظ، ففصل بها بين اللامين؛ لدفع هذا المستثقل المكروه.

"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


الحكم الثاني
جواز الإظهار والإضمار، وذلك إذا وقعت بعد لام كي ولم تأت بعدها لا، نحو: جئتك لتكرمني، ويجوز أن تقول: جئتك لأن تكرمني، وقد جاء كل من الإظهار والإضمار في التنزيل؛ قال الله تعالى: ((وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ)) [الزمر: ١٢]، وقال تعالى: ((وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الأنعام: ٧١]. وإنما سميت اللام هنا لام كي؛ لأنها للتعليل كما أن كي للتعليل، ومعنى الآية الأولى: أمرت بما أمرت به؛ لأجل أن أكون أول المسلمين، ومعنى الآية الثانية: أمرنا بما أمرنا به؛ لنسلم لرب العالمين.

حكم أن بعد "لام الجحود"
لام الجحود تطلق على اللام المسبوقة بكون الناقص الماضي المنفي، وذلك كما في قوله تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)) [الأنفال: ٣٣]، وقوله تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ)) [آل عمران: ١٧٩]، ويلحظ أن الكون في الآيتين ماضٍ لفظًا ومعنى، وقد يأتي بلفظ المضارع لكنه ماضٍ في المعنى، كما في قوله تعالى: ((لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ)) [النساء: ١٣٧].
فاللام في ليعذبهم، وليطلعكم، وليغفر، يسميها النحويون لام الجحود، ومرادهم بالجحود النفي؛ لأنها تأتي في مقام النفي، فهي من باب تسمية العام بالخاص؛ لأن الجحود إنكار الحق المعروف ونفيه، وليس مطلق نفي، والنحويون أطلقوه وأرادوا الثاني؛ ولهذا سماها النحاس لام النفي لتسمية الشيء باسمه.

"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


والفعل بعد هذه اللام يكون منصوبًا بأن مضمرة وجوبًا عند سيبويه والبصريين، وأنْ والفعل في تأويل مصدر مجرور بها، واللام ومجرورها يتعلقان بمحذوف هو خبر كان الناقصة، فإذا قيل: ما كان زيد ليفعل، فالتقدير: ما كان زيدٌ مريدًا للفعل، وقد جاء التصريح بهذا الخبر الذي قدره البصريون، في قول الشاعر:
سموتَ، ولم تكن أهلًا لتسمو
ولكن المضيع قد يصاب
ويجوز أن يكون التقدير: ما كان زيد مقدرًا أو هامًّا أو مستعدًّا لأن يفعل، كما قدره ابن مالك في (شرح التسهيل).
قال النحويون: وإنما وجب إضمار "أن" بعد "لام الجحود"؛ لأن هذه اللام في النفي تقابل حرف التنفيس في الإثبات، فقولنا: ما كان ليفعل نفي لقولهم: سيفعل أو سوف يفعل، وكما أنّ "أنْ" لا تظهر بعد حرف التنفيس، كذلك لا تظهر بعد لام الجحود، ولا يجمع بينهما، واشتراط سبق هذه اللام بكون الناقص يحترز به من الكون التام، فاللام المسبوقة بكان التامة لا تدخل في لام الجحود، بل تكون من قبيل لام كي، كما لو قيل: ما كان محمد ليلعب، على معنى: ما وُجد للعب، فاللام حينئذ هي لام كي، وحكم "أنْ" بعدها جواز الإضمار والإظهار.
وابن مالك لم يقيد كان في نظمه بالناقصة؛ اكتفاء منه بأنها المشهورة لدى النحويين عند الإطلاق؛ لأن استعمالها أكثر وذكرها في أبواب النحو أشهر، فيتعين حمل كلامه عليها عند عدم التقييد.

"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


وقول ابن مالك: "وبعد نفي كان" يدخل فيه نحو: لم يكن، وهو المضارع المنفي بلم؛ لأنه ماضٍ منفي في المعنى، ويفهم منه أن ذلك مختصّ بكان، فلا يكون في أخواتها لتخصيص الحكم بها، خلافًا لمن أجاز وقوع لام الجحود بعد نفي أخوات كان، نحو: ما أصبح زيدٌ ليضرب عمرًا، ولمن أجاز ذلك قياسًا بعد ظن، نحو: ما ظننت زيدًا ليضرب عمرًا، ولمن وسع الدائرة فأجاز ذلك في كل فعل تقدمه نفي، نحو: ما جاء زيد ليفعل، وكل ذلك لم يسمع.
ويفهم من قوله هذا أيضًا أن المراد بالنافي المتقدم على كان، ما ينفي الماضي وهو ما ولم، فخرجت لن؛ لأنها تختص بالمستقبل، وكذلك لا، فإن نفي غير المستقبل بها قليل، كما تخرج لما؛ لأنها وإن كانت تنفي الماضي كـ "لم" إلا أنها تدل على اتصال نفيه بالحال، وشرط النافي هنا أن يكون نافيًا للحدث في الماضي فقط، وأما "إنْ" النافية فهي بمعنى ما وكلامه يشملها.
قال المرادي: الظاهر أن لام الجحود تقع بعد النفي بها، ويدل على ذلك قراءة غير الكسائي: ((وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ)) [إبراهيم: ٤٦]. وقال بعضهم: المعنى على ذلك: ليس مكرهم أهلًا لزوال ما هو كالجبال في ثباته وتمكنه، وهو آيات الله وشرائعه. والراجح عند الزمخشري وابن هشام والأشموني أن "إنْ" في هذه القراءة شرطية، حذف جوابها لتقدم الدليل عليه، وهو قوله تعالى: ((وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ)) أي: جزاء مكرهم، واللام على ذلك هي لام كي، والمعنى: وعند الله جزاء مكرهم، وهو مكر أعظم منه، وإن كان مكرهم لشدته معدًّا لزوال الأمور العظام، المشبهة في عظمها بالجبال، كما يقال: أنا أشجع من فلان، وإن كان مُعدًّا للنوازل.

"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


هل يجوز حذف لام الجحود وإظهار "أن"؟
أجاز بعض النحويين حذف لام الجحود وإظهار "أن" مستدلًّا بقوله تعالى: ((وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ))[يونس: ٣٧] والأصل عنده: ما كان هذا القرآن ليفترى، فلما حذفت اللام بناء على جواز حذفها قياسًا مع أنْ وأنّ، جاز إظهار أنِ الواجبة الإضمار بعدها؛ لأن هذه اللام كانت كالنائبة عن أن، فلما حذفت أظهرت أن، فهما متعاقبتان إن أتيت باللام لم تأت بأنْ، وإن أتيت بأن لم تأت باللام.
والصحيح في ذلك ما عليه الجمهور، من أنه لا يجوز حذف لام الجحود، ولا حجة في الآية لمن أجاز ذلك؛ لأن ((أَنْ يُفْتَرَى)) في تأويل مصدر هو خبر كان، وهذا المصدر بمعنى اسم المفعول، فكأنه قيل: ما كان هذا المقروء مفترى، وقيل: خبر كان محذوف تقديره: ممكنًا، والمصدر المؤول من أن يفترى فاعل للخبر المحذوف، أي: ممكنًا افتراؤه.
وقيل: يجوز أن تكون كان تامة، والقرآن: فاعل، وأن يفترى: مصدر مرفوع بدل اشتمال منه، والمعنى: ما وقع افتراء لهذا القرآن.

هل يجوز حذف كان قبل "لام الجحود"؟
أجاز بعض النحويين حذف كان قبل "لام الجحود"، وخرّج على ذلك قول عمرو بن معديكرب:
فما جَمْعٌ ليغلبَ جمْعَ قومي
مقاومة، ولا فرد لفرد

"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


وقول أبي الدرداء -رضي الله عنه- في الركعتين بعد العصر: "ما أنا لأدعهما"، والأصل عنده: فما كان جمع ليغلب، وما كنت لأدعهما، فلما حذفت كان انفصل الضمير.
ولا حجة لمن أجاز ذلك في هذين الشاهدين؛ لأنه لا يتعين فيهما القول بحذف كان؛ إذ يجوز أن تكون "ما" فيهما نافية حجازية تعمل عمل ليس، وما بعدها اسم لها، والخبر مقدر تقديره: ما جمع متأهلًا لغلبة قومي، وما أنا مريدًا لتركهما، وتكون اللام فيهما لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة جوازًا، واللام مع مجرورها المصدر يتعلقان بالخبر المحذوف.

المذاهب حول ناصب الفعل بعد اللام
ما تقدم تقريره من أن ناصب المضارع بعد اللام هو أن مظهرة أو مضمرة هو مذهب البصريين، وفي ذلك مذهبان آخران:

المذهب الأول
مذهب الكوفيين غير ثعلب، وهو أن الناصب للفعل هو اللام بنفسها بطريق الأصالة، سواء أكانت لام كي أم لام الجحود، وإذا ظهرت أن بعدها كانت مؤكدة لها، وحجتهم على مذهبهم هذا قول الشاعر:

"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


لقد عذلتني أم عمرو ولم أكن
مقالتها ما كنت حيًّا لأسمع
ووجه الاستدلال به أنه لو كان الناصب للفعل أسمع هو أن مضمرة، كما يذهب البصريون، للزم تقديم معمول صلتها وهو مقالتها عليها، وذلك لا يجوز، وقد رد عليهم بأن ما وقع في البيت ضرورة من نوادر الضرورات، أو أن مقالتها ليس معمولًا لأسمع المذكور، بل لمحذوف يفسره المذكور.

المذهب الثاني
مذهب ثعلب، وهو أن اللام ناصبة للفعل بطريق النيابة عن أن، فإذا أظهرت أن كان العمل لها.

خلاف النحويين حول خبر الكون الناقص مع لام الجحود
إذا قلت: ما كان أخي ليفعل كذا، ولم يكن أخي ليفعل كذا، كان أخي اسمًا لكان في المثال الأول، وليكن في المثال الثاني، واختلف البصريون والكوفيون في بيان الخبر؛ فذهب البصريون إلى أن الخبر محذوف كما سبق بيانه، ويقدر بحسب ما يقتضيه المقام من المعنى، فيكون التقدير: ما كان أخي قاصدًا أو مريدًا أو مقدرًا أو هامًّا أو مستعدًّا لأن يفعل، وكذلك الشأن مع لم يكن، وعلى مذهبهم تكون اللام في ليفعل -وهي لام الجحود- جارة لمصدر مؤول من أن المضمرة وجوبًا، والفعل المنصوب بها، والجار مع المجرور...

"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


...متعلق بالخبر المحذوف المقدر، والتقدير مثلًا: ما كان أخي قاصدًا للفعل، ولم يكن أخي قاصدًا للفعل، وهذه اللام تفيد توكيد النفي المستفاد مما تقدم.
ووجه التوكيد أنها متممة لنفي القصد أو الإرادة، ونفي القصد أو الإرادة أبلغ من نفي الفعل، وإنما قلنا: إنها متممة لنفي القصد أو الإرادة؛ لأنها جاءت لتقوية العامل وهو الخبر؛ لكونه فرعًا في العمل من جهة كونه وصفًا؛ ولهذا تعلقت به لأن اللام المقوية ليست زائدة محضة، ولا معدية محضة، بل هي وسط بين الوصفين، فهي زائدة غير محضة، فلا بد لها من متعلق.
والكوفيون يذهبون إلى أن خبر الكون الناقص في المثالين ونحوهما، هو الجملة الواقعة بعد لام الجحود، ولام الجحود عندهم زائدة لتقوية النفي المستفاد مما تقدم، فهي حرف زائد مؤكد مثل الباء في نحو قولنا: ما زيد بقائم، وهي حرف غير جارّ بل ناصب للمضارع، إما بالأصالة أو النيابة، كما تقدم بيانه، وعلى مذهبهم يكون الأصل في المثالين السابقين: ما كان أخي يفعل، ولم يكن أخي يفعل.
وقد اعترض مذهبهم بأن اللام الزائدة تعمل الجر في الأسماء، وعوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال، ومن شواهد عمل اللام الزائدة الجر في الاسم قول الشاعر:
وملكتَ ما بين العراق ويثرب
مُلكًا أجار لمسلم ومعاهد

"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


وهذا الخلاف بين الفريقين تظهر فائدته في نحو: ما كان أخي متاعَك ليأخذ، فإن هذا القول جائز عند الكوفيين؛ لأن ناصب يأخذ عندهم هو اللام، واللام لا يمتنع تقديم معمول ما بعدها عليها، وهو غير جائز عند البصريين؛ لأن الناصب ليأخذ هو أن المضمرة، وأن المضمرة لا يجوز أن يتقدم معمول منصوبها عليها.
هذا، وقد زعم أبو حيان وتبعه الأشموني أن ابن مالك له في هذه المسألة مذهب يغاير المذهبين السابقين؛ لأنه قال في (التسهيل): "ينصب الفعل بأن لازمة الإضمار بعد اللام المؤكدة لنفي، في خبر كان ماضية لفظًا أو معنى".
وظاهر ذلك مخالفة الكوفيين من جهة كون النصب عنده بأن مضمرة، ومخالفة البصريين من جهة أن قوله عن اللام المؤكدة لنفي، يقتضي أنها زائدة زيادة محضة، كما صرح بذلك ابنه بدر الدين، وعلى هذا لا يكون لها متعلق، ويكون خبر الكون هو المصدر المؤول من أن والفعل.
وقد استدرك الأشموني بعد أن قرر ذلك، فذكر أن ابن مالك قال في شرحه لهذا الموضع من (التسهيل): "سميت مؤكدة -يعني اللام- لصحة الكلام بدونها، لا لأنها زائدة؛ إذ لو كانت زائدة لم يكن لنصب الفعل بعدها وجه صحيح، وإنما هي لام اختصاص دخلت على الفعل؛ لقصد ما كان زيد مقدرًا أو هامًّا أو مستعدًّا لأن يفعل".

"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


وهذا يدل على أن ابن مالك يوافق البصريين في مذهبهم؛ لأنه يصرح بأن اللام ليست زائدة، ويقدر الخبر كما يقدره البصريون.

إضمار "أنْ" بعد "أو"
يقول ابن مالك في تقرير هذا الموضع:
كذاك بعد أو إذا يصلح في
موضعها حتى أوِ الا أن خَفِي
ومعناه: أنّ "أنْ" المصدرية الناصبة للمضارع خفيت وجوبًا –أي: أضمرت وجوبًا كهذا الإضمار السابق ذكره- بعد "أو" التي يصلح في موضعها حتى الغائية، أو التعليلية، أو إلا الاستثنائية، فإذا وقع المضارع بعد "أو" هذه وجب نصبه بأن واجبة الإضمار، وذلك في ثلاثة مواضع:

الموضع الأول
بعد "أو" التي يصلح في موضعها حتى الغائية، وهي التي بمعنى إلى، وينقضي الفعل بعدها شيئًا فشيئًا، وينتهي بمجرد وقوع ما بعدها، وذلك نحو: لأسيرن أو أتعب، فالمعنى: إلى أن أتعب.

"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


الموضع الثاني
بعد "أو" التي يصلح في موضعها حتى التعليلية، وهي التي بمعنى كي، ويكون ما بعدها علة لما قبلها، وذلك نحو: لأرضين الله أو يغفر لي، والمعنى: كي يغفر لي.

الموضع الثالث
بعد "أو" التي يصلح في موضعها إلا الاستثنائية، نحو: لأقتلن الكافر أو يسلم، أي: لأقتلنه في كل حال إلا أن يسلم.

ومن شواهد نصب المضارع بعد "أو" قول امرئ القيس:
فقلت له: لا تبك عينك إنما
نحاول مُلكًا، أو نموتَ فنعذر
وأو هنا يصلح في موضعها حتى الغائية وإلا الاستثنائية، أي: إلى أن نموت فنعذر، أو إلا أن نموت فنعذر.
ومن الأمثلة التي تحتمل المعاني الثلاثة المذكورة لـ "أو" قولهم: لألزمنك أو تقضيني حقي، فإنه يصح أن يكون معناه: لألزمنك إلى أن تقضيني حقي، وأن يكون معناه: لألزمنك كي تقضيني حقي، وأن يكون معناه: لألزمنك إلا أن تقضيني حقي.

"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


إعراب المصدر المؤول من "أنْ" والفعل بعد "أو"
الذي يفهم من كلام النحويين أن المصدر المؤول من أن والفعل بعد أو، يكون معطوفًا بأو على مصدر مرفوع متصيد من الكلام السابق على أو، وهذا المصدر فاعل لفعل الكون مقدرًا، وفي ذلك يقول ابن مالك في (شرح الكافية):
"وتقدير إلا وحتى في موضع "أو" تقدير لُحظ فيه المعنى دون الإعراب، والتقدير الإعرابي المرتب على اللفظ أن يقدر قبل "أو" مصدر، وبعدها أن ناصبة للفعل، وهما في تأويل مصدر معطوف بـ "أو" على المقدر قبلها، فتقدير: لأنتظرنه أو يقدم، ليكونن انتظار أو قدوم، وتقدير:
لأقتلن الكافر أو يسلم، ليكونن قتله أو إسلامه، وكذلك العمل في غيرهما" انتهى.
والسر في هذا التقدير هو أن "أو" حرف عطف، وضع للدلالة على أحد الشيئين أو الأشياء، وذلك يستدعي عطف شيء على شيء، ولما كان ما بعدها مصدرًا كان لا بد من تقدير مصدر قبلها يُتَصيَّد من الكلام السابق؛ حتى يتجانس المعطوفان أو الشيئان، وعلى هذا يكون التقدير في: لأسيرن أو أتعب، ليكونن مني سير أو تعب، وفي: لأرضين الله أو يغفر لي، ليكونن إرضاء مني لله أو غفران منه لي، وفي بيت امرئ القيس: ليكونن محاولة منا أو موت لنا، وفي:
لألزمنك أو تقضيني حقي، ليكونن لزوم مني لك أو قضاء منك لحقي، وهكذا في كل ما جاء على هذا المنوال.


"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


ولي في هذا الموضع تعقيب على ما سار عليه النحاة؛ وهو أن تجانس المتعاطفين وما تقتضيه "أو" العاطفة، من عطف شيء على شيء، يمكن أن يتم بجعل المصدر المؤول من أن والفعل الواقع بعد "أو" فاعلًا لفعل كون المقدر، فيكون التقدير في نحو: لأنتظرنه أو ليقدم، لأنتظرنه أو يكون قدومه، وفي نحو: لأقتلن الكافر أو يسلم، لأقتلن الكافر أو يكون إسلامه، وفي نحو: لألزمنك أو تقضيني حقي، لألزمنك أو يكون قضاء منك لحقي، وهكذا، وفي هذا تخلص من تصيد مصدر من الكلام المتقدم، وجعله فاعلًا لفعل من الكون مقدر، كما يتبين من كلام ابن مالك وغيره، مع تحقيق ما تطلبه أو من عطف شيء على شيء، ومع التجانس بين المتعاطفين، وتكون العلة في وجوب إضمار أن في تلك الحالة أن يحصل تجانس في الصورة بين ما قبل أو وما بعدها، إذ لو قلنا: لأنتظرنه أو أن يقدم، لم يكن هناك تجانس بينهما في الصورة.

الخلاف حول ناصب الفعل بعد "أو"
للنحويين في ناصب المضارع بعد "أو" ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول
ما تقدم من أن الناصب له أن مضمرة وجوبًا، إذا كانت أو بمعنى حتى أو إلا، وهو مذهب البصريين، وهو الصحيح.


"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


المذهب الثاني
أنّ أو المذكورة ناصبة بنفسها، وإليه ذهب الكسائي، وهو مردود بأن أو حرف عطف، وحرف العطف لا عمل له سوى العطف.

المذهب الثالث
أن عامل النصب هنا معنوي وهو المخالفة، أي: مخالفة ما بعد أو لما قبلها، من جهة أنه ليس شريكًا له في المعنى؛ لأن ما قبلها محقق الوقوع، والثاني ليس كذلك، فلما خالف الثاني الأول في المعنى، ولم يعطف عليه نصبته تلك المخالفة، وهذا مذهب الفراء ومن وافقه من الكوفيين، ولا يخفى ضعفه بل فساده؛ فإن مخالفة المعطوف للمعطوف عليه من جهة المعنى؛ لا تقتضي إعرابًا خاصًّا يخالف إعراب المعطوف عليه، والدليل على ذلك قولنا: ما جاء محمد لكن علي، وجاء محمد لا علي، فإن الثاني في هذين المثالين خالف الأول في المعنى، ولم يختلف معه في الإعراب.



"٣.١ إضمار "أنْ" بعد "كي" الجارة، و"اللام"، و"أو


حكم المضارع بعد "أو" إذا لم تكن بمعنى حتى أو إلا
قد يقع الفعل المضارع بعد أو التي لا يصلح في موضعها حتى أو إلا، وفي تلك الحالة يجوز أن يكون مرفوعًا لعدم تقدير ناصب، كما في قراءة نافع برفع يرسل، في قوله تعالى: ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلُ رَسُولًا)) [الشورى: ٥١] فإن يرسل في هذه القراءة مرفوع على الاستنئاف، فإذا نصب المضارع في تلك الحالة كان إضمار "أن" جائزًا، كما في بيت الحصين بن الحِمام المري:
ولولا رجال رزام أعزة
وآل سُبَيْع أو أسوءَك علقما
فالفعل "أسوءك" في هذا البيت منصوب بأن مضمرة جوازًا؛ لعدم صحة تقدير أو بحتى أو إلا، وهذا من قبيل العطف بأو على اسم خالص من شائبة الفعلية، وإضمار أن بعد أو في ذلك جائز لا واجب، والمصدر المؤول في البيت وهو إساءتك، معطوف على رجال.
ومثل ذلك قراءة غير نافع بنصب يرسل في الآية المذكورة هنا، فإن يرسل في هذه القراءة منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد أو العاطفة، على اسم خالص من التقدير بالفعل، وهو وحيا.
وهذا البيت يحتاج إلى شيء من التوضيح، والشاعر يخاطب به رجلًا يسمى علقمة بن عبيد، فقوله: علقما، منادى مرخم على لغة من ينتظر، والألف في آخره ألف الإطلاق، ورِزام: حي من نمير، وسبيع هو ابن عم علقمة، وآل سبيع: معطوف على رجال، وأعزة: صفة ثانية لرجال بعد الصفة الأولى وهي من رزام، ومعنى البيت: لولا وجود هؤلاء الرجال الأعزة، أو لولا وجود إساءتي لك؛ لعملت سيفي في رقاب هذه القبيلة.