![]() |
"إذن" حرف جواب وجزاء كما قال سيبويه، والمراد بكونها للجواب أنها تقع في كلام يجاب به على كلام آخر ملفوظ به، أو مقدر، سواء وقعت في صدره أو في حشوه أو في آخره، والمراد بكونها للجزاء أن الكلام الذي تقع فيه يكون مضمونه جزاء لمضمون كلام آخر، يقول لك القائل: سأزورك، فتقول: إذن أكرمك، وهنا وقعت إذن في كلام أجيب به عن قول القائل: سأزورك، ومضمون الكلام الذي وقعت فيه جزاء لمضمون ذلك القول؛ إذ الإكرام جزاء للزيارة. |
![]() |
وقد نقل عن أبي علي الشلَوْبِين أن إذن حرف جواب وجزاء في كل موضع، ونقل عن أبي علي الفارسي أنها تكون حرف جواب وجزاء في أكثر مواضعها، وهذا هو الراجح؛ لأنها قد تأتي جوابًا ولا تكون جزاء، كما إذا قال لك القائل: أحبك، فقلت له: إذن أظنك صادقًا. فالكلام هنا لا يتضمن معنى الجزاء؛ لأن الفعل الواقع بعد إذن حال، ولا مدخل للجزاء في الحال، ولا يقع فعل الحال في موقعه. |
![]() |
وقد تكلف أبو علي الشلوبين من أجل مذهبه هذا في تخريج قوله تعالى: ((قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ)) [الشعراء: ٢٠] وحمله على الشرط والجزاء، وجعل التقدير: إن كنت فعلتُ الوكزة كافرًا لأنعمك، فإذن فعلتها وأنا من الضالين، أي: إن تبين في المستقبل أني فعلتها كافرًا لأنعمك، يتبين أني فعلتها وأنا ضال، ولا شك في أن هذا التخريج متكلف. |
![]() |
والصحيح: أن إذن حرف بسيط لا مركب؛ لأن الأصل في الحروف البساطة، ولا ينبغي الحكم على حرف بالتركيب إلا بدليل قاطع، وهذا مذهب الجمهور، وفيها قولان آخران: |
![]() |
وقد ذهب بعض الكوفيين إلى أنها اسم، وأصلها: إذا التي هي ظرف للزمان المستقبل مضمن معنى الشرط، والأصل عندهم في نحو "إذن أكرمك": إذا جئتني أكرمُك، فحذفت جملة الشرط، وعوض عن حذفها بتنوين ذال إذا، ثم أضمرت أن المصدرية قبل فعل الجواب فنصبته. |
![]() |
وشبيه بمذهب الكوفيين ما ذهب إليه الرضي من أنها اسم، وأصلها: إذ التي هي ظرف لما مضى من الزمان، والأصل في نحو "إذن أكرمك": إذ جئتني أكرمُك، فحذفت الجملة التي أضيفت إليها إذ، وعوض عنها بتنوين الذال مع فتحها؛ لتكون إذ في صورة ظرف المنصوب، وهذا الظرف صالح لجميع الأزمنة وليس مختصًّا بالماضي، ومضمن معنى الشرط غالبًا، وقد أضمرت أن قبل المضارع "أكرمك"؛ لتخليصه للمستقبل، فلهذا نصب، ولا يخفى ما في هذين القولين من التكلف والتعسف. |
![]() |
الأول: إذا كان ما بعدها خبرًا عما قبلها في الحال أو في الأصل، نحو: أنا إذن أكرمُك، وإني إذن أكرمك، وكان أخي إذن يكرمك، وخلت أخي إذن يكرمك. |
![]() |
الثاني: إذا كان ما بعدها جوابًا لشرط قبلها، كما في قولنا: إن تهمل واجبك إذن ترسب. |
![]() |
الثالث: إذا كان ما بعدها جوابًا لقسم قبلها، نحو: والله إذن لأنصفن المظلوم، ومثل ذلك قول كثير عزة: |
![]() |
هل يجوز إهمال "إذن" مع توفر الشروط الثلاثة؟ |
![]() |
مذهب الجمهور: أن إعمال "إذن" عند توفر الشروط الثلاثة واجب، وذهب بعض النحويين إلى أنه جائز لا واجب. |
![]() |
قال ابن مالك: "وحكى سيبويه عن بعض العرب إلغاء "إذن" مع استيفاء شروط العمل". وفي (كتاب) سيبويه: "وزعم عيسى بن عمر أن ناسًا من العرب يقولون: إذن أفعل ذاك في الجواب، فأخبرت يونس بذلك فقال: لا تبعدن ذا، ولم يكن ليروي إلا ما سمع، جعلوها بمنزلة هل وبل". |
![]() |
وذكر المُصَرِّح وغيره أن إهمال إذن هو القياس؛ لأنها غير مختصة، وإنما أعملها الأكثرون حملًا على ظن؛ لأنها مثلها في جواز تقديمها على الجملة وتأخيرها عنها، وتوسطها بين جزأيها، كما حملت ما على ليس لأنها مثلها في نفي الحال، والمرجع في ذلك كله إلى السماع. |
![]() |
ما حكم "إذن" الواقعة بعد العاطف؟ يقول ابن مالك رحمه الله: |
| والمعنى: إذا وقعت إذن بعد حرف عطف؛ جاز في المضارع بعدها أن ينصب على أنها عاملة، وأن يرفع على أنها ملغاة أو مهملة، كما تقول مثلًا: قد أعفو عنك وإذن أحسن إليك، فيجوز النصب في أحسن باعتبار أن "إذن" متصدرة في جملتها، وأنك عطفت جملة مستقلة على جملة مستقلة، ويجوز رفع أحسن باعتبار أن "إذن" وقعت حشوًا فألغيت؛ لأن ما بعد العاطف من تمام ما قبله، فهو يربط ما بعده بما قبله. |
![]() |
وقول ابن مالك: "وارفعا" أصله: وارفعن، بنون التوكيد الخفيفة التي تبدل ألفًا عند الوقف، وهذا التوكيد يدل على رجحان الرفع، فالإلغاء أرجح هنا من الإعمال؛ لأن إذن غير متصدرة في الظاهر. |
![]() |
ولكون الإلغاء أرجح قرأ السبعة بالرفع في قوله تعالى: ((فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا)) [النساء: ٥٣] وفي قوله تعالى: ((وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا)) [الإسراء: ٧٦]، ولكون الإعمال جائزًا جاءت القراءة في الشواذ بالنصب، فقرأ أبي بن كعب: "فإذن لا يؤتوا"، وقرأ ابن مسعود: "وإذن لا يلبثوا". |
![]() |
قال المرادي تعقيبًا على كلام ابن مالك: "أطلق في العطف، وفصل بعضهم فقال: إن كان العطف على ما له محل ألغيت، نحو: إن تزرني أزرك وإذن أحسنْ إليك، بجزم أحسن عطفًا على جواب الشرط، وإن كان على ما لا محل له فالأكثر الإلغاء كالآية". |
![]() |
ونقل المصرح عن ابن هشام قوله: "التحقيق: أنه إذا قيل: إن تزرني أزرك وإذن أحسن إليك، فإن قدرت العطف على الجواب جزمت، وبطل عمل إذا لوقوعها حشوًا، أو على الجملتين معًا جاز الرفع والنصب لتقدم العاطف. وقيل: يتعين النصب؛ لأن ما بعدها مستأنف، أو لأن المعطوف على الأول أول". |
![]() |
وقول ابن هشام: "لأن ما بعدها مستأنف" إشارة إلى أن الواو أو الفاء قد تكون استئنافية لا عاطفة، وقوله: "لأن المعطوف على الأول أول" إشارة إلى أن المعطوف عليه إذا كان جملة ابتدائية، كان المعطوف في حكمه من حيث الابتداء. |
![]() |
حكم نون "إذن" في الوقف والكتابة أجمع العلماء على أن نون "إذن" تكتب في القرآن الكريم ألفًا ويوقف عليها بالألف، أما في غير القرآن الكريم ففي هذه النون خلاف، والجمهور على أنها تكتب نونًا؛ للفرق بين إذن وإذا، لكنها في الوقف تبدل ألفًا فيوقف عليها بالألف، وهذا في كل موضع، وروي عن المازني والمبرد أنها تكتب نونًا ويوقف عليها بالنون. وروي عن الفراء فيها قولان: |