"٢.٢ نصب المضارع بـ "إذن


نصب المضارع بـ "إذن"
"إذن" حرف جواب وجزاء كما قال سيبويه، والمراد بكونها للجواب أنها تقع في كلام يجاب به على كلام آخر ملفوظ به، أو مقدر، سواء وقعت في صدره أو في حشوه أو في آخره، والمراد بكونها للجزاء أن الكلام الذي تقع فيه يكون مضمونه جزاء لمضمون كلام آخر، يقول لك القائل: سأزورك، فتقول: إذن أكرمك، وهنا وقعت إذن في كلام أجيب به عن قول القائل: سأزورك، ومضمون الكلام الذي وقعت فيه جزاء لمضمون ذلك القول؛ إذ الإكرام جزاء للزيارة.
وقد نقل عن أبي علي الشلَوْبِين أن إذن حرف جواب وجزاء في كل موضع، ونقل عن أبي علي الفارسي أنها تكون حرف جواب وجزاء في أكثر مواضعها، وهذا هو الراجح؛ لأنها قد تأتي جوابًا ولا تكون جزاء، كما إذا قال لك القائل: أحبك، فقلت له: إذن أظنك صادقًا. فالكلام هنا لا يتضمن معنى الجزاء؛ لأن الفعل الواقع بعد إذن حال، ولا مدخل للجزاء في الحال، ولا يقع فعل الحال في موقعه.
وقد تكلف أبو علي الشلوبين من أجل مذهبه هذا في تخريج قوله تعالى: ((قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ)) [الشعراء: ٢٠] وحمله على الشرط والجزاء، وجعل التقدير: إن كنت فعلتُ الوكزة كافرًا لأنعمك، فإذن فعلتها وأنا من الضالين، أي: إن تبين في المستقبل أني فعلتها كافرًا لأنعمك، يتبين أني فعلتها وأنا ضال، ولا شك في أن هذا التخريج متكلف.
وناصب المضارع بعد إذن في هذين القولين هو أن التي اشتملت عليها إذن، وذلك دليل على فساد هذين القولين؛ لأن إذن إذا توسطت أو تأخرت لم تعمل وأن ناصبة على كل حال، فلو كانت أن جزءًا من إذن لما تخلف النصب بها في بعض الأساليب، وما تقدم من أن إذن حرف هو مذهب سيبويه والجمهور.

"٢.٢ نصب المضارع بـ "إذن


والصحيح: أن إذن حرف بسيط لا مركب؛ لأن الأصل في الحروف البساطة، ولا ينبغي الحكم على حرف بالتركيب إلا بدليل قاطع، وهذا مذهب الجمهور، وفيها قولان آخران:
القول الأول
قول الخليل: أن إذن مركبة من إذ وأن المصدرية، وقد نقلت حركة الهمزة من أن إلى الذال ثم حذفت، وغلب على المركب حكم الحرفية.

القول الثاني
قول أبي علي الرُّنْدِي: أنها مركبة من إذا وأن المصدرية، وقد حذفت همزة أن تخفيفًا أو اعتباطًا، فالتقى ساكنان ألف إذا ونون أن،
فحذفت الألف تخلصًا من التقاء الساكنين.
وقد ذهب بعض الكوفيين إلى أنها اسم، وأصلها: إذا التي هي ظرف للزمان المستقبل مضمن معنى الشرط، والأصل عندهم في نحو "إذن أكرمك": إذا جئتني أكرمُك، فحذفت جملة الشرط، وعوض عن حذفها بتنوين ذال إذا، ثم أضمرت أن المصدرية قبل فعل الجواب فنصبته.

"٢.٢ نصب المضارع بـ "إذن


وشبيه بمذهب الكوفيين ما ذهب إليه الرضي من أنها اسم، وأصلها: إذ التي هي ظرف لما مضى من الزمان، والأصل في نحو "إذن أكرمك": إذ جئتني أكرمُك، فحذفت الجملة التي أضيفت إليها إذ، وعوض عنها بتنوين الذال مع فتحها؛ لتكون إذ في صورة ظرف المنصوب، وهذا الظرف صالح لجميع الأزمنة وليس مختصًّا بالماضي، ومضمن معنى الشرط غالبًا، وقد أضمرت أن قبل المضارع "أكرمك"؛ لتخليصه للمستقبل، فلهذا نصب، ولا يخفى ما في هذين القولين من التكلف والتعسف.

عمل "إذن" وشروطه
إذن حرف ينصب الفعل المضارع بعده، ويخلصه لزمن الاستقبال، ويشترط لنصبها للمضارع ثلاثة شروط:
الشرط الأول
أن يكون الفعل بعدها مستقبلًا، فلو كان حالًا لم تعمل فيه النصب؛ لأن النواصب تخلص المضارع للاستقبال. ومثال ذلك: أن يقول لك القائل: أحبك، فتقول في جوابه: إذن تصدقُ، برفع تصدق؛ لأنك تخبر عن صدقه في الحال.
وفي هذا يقول سيبويه: "تقول: إذا حُدِّثت بالحديث: إذن أظنه فاعلًا، وإذا يخالك كاذبًا؛ وذلك لأنك تخبر أنك تلك الساعة في حال ظن وخِيلَة".

"٢.٢ نصب المضارع بـ "إذن


الشرط الثاني
أن تكون مصدرة في جملتها، فإن تأخرت عن صدر جملتها إلى آخرها أهملت، كقول القائل: أكرمك إذًا. وكذا إذا وقعت في حشو الجملة نحو: إن تهمل واجبك إذن ترسب، وهي تقع حشوًا في ثلاثة مواضع:
الأول: إذا كان ما بعدها خبرًا عما قبلها في الحال أو في الأصل، نحو: أنا إذن أكرمُك، وإني إذن أكرمك، وكان أخي إذن يكرمك، وخلت أخي إذن يكرمك.
الثاني: إذا كان ما بعدها جوابًا لشرط قبلها، كما في قولنا: إن تهمل واجبك إذن ترسب.
الثالث: إذا كان ما بعدها جوابًا لقسم قبلها، نحو: والله إذن لأنصفن المظلوم، ومثل ذلك قول كثير عزة:
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها
وأمكنني منها إذن لا أُقِيلُها
وهو برفع أقيلها؛ لأن إذن لم تتصدر، ووقعت بين القسم وجوابه.
وقد جاء في الشعر ما ظاهره إعمال "إذن" مع وقوعها حشوًا، وذلك في قول الراجز:
لا تتركنِّي فيهمُ شَطيرا
إني إذن أهلكَ، أو أطيرا

"٢.٢ نصب المضارع بـ "إذن


والرواية بنصب أهلك بإذن، مع أنها وقعت حشوًا بين اسم إن وخبرها، وهذا لا إشكال فيه عند الفراء؛ لأنه لا يشترط لإعمالها أن تتصدر في جملتها، وأما الجمهور فيوجهونه على أنه ضرورة شعرية؛ لأن القوافي منصوبة الروي، أو على أن خبر إني محذوف تقديره: لا أستطيع ذلك، ثم استأنف جوابًا فقال: إذن أَهْلِك، فتكون إذن واقعة في صدر جملتها، وجملة: إني لا أستطيع ذلك، معترضة بين إذن والكلام السابق الذي هي جواب له.

الشرط الثالث
ألا يفصل بينها وبين الفعل بفاصل غير القسم ولا النافية، فلو قلت لمن قال "سأزورك": إذن إن شاء الله أكرمك، وجب رفع الفعل للفصل بينه وبين إذن بالشرط، والفصل به يضعف إذن ويجعلها لا تقوى على العمل، فإن كان الفصل بينها وبين الفعل بقسم نحو: إذن والله أكرمك، أو كان الفصل بلا النافية نحو: إذن لا أردك خائبًا، فإنها تعمل مع وجود ذلك الفاصل؛ لأن القسم زائد مؤكد للربط المستفاد من إذن، فلا يعد حاجزًا يمنع العمل، كما أن "لا" لم يعتد بها فاصلة أو حاجزًا مع أن، فكذلك يكون الشأن مع إذن.
ومن شواهد الفصل بالقسم مع إعمال إذن قول حسان بن ثابت -رضي الله عنه:
إذا والله نرميَهم بحرب
تشيب الطفل من قبل المشيب

"٢.٢ نصب المضارع بـ "إذن


وقد أجاز ابن عصفور إعمال إذن مع الفصل بالظرف نحو: إذن غدًا أكرمَك، وأجاز ابن باب شاه إعمالها مع الفصل بالنداء نحو: إذن يا زيد أحسنَ إليك، ومع الفصل بالدعاء نحو: إذن غفر الله لك أكرمَك، وأجاز الكسائي وهشام إعمالها مع الفصل بمعمول الفعل الواقع بعدها، نحو: إذن أخاك أكرمَ، لكن هشامًا يختار إهمالها في تلك الحالة، والكسائي يختار الإعمال.
وقد أشار ابن مالك إلى هذه الشروط الثلاثة حيث قال:
ونصبوا بإذن المستقبلا
إن صدرت والفعل بعد موصلا
أو قبله اليمين
هل يجوز إهمال "إذن" مع توفر الشروط الثلاثة؟
مذهب الجمهور: أن إعمال "إذن" عند توفر الشروط الثلاثة واجب، وذهب بعض النحويين إلى أنه جائز لا واجب.
قال ابن مالك: "وحكى سيبويه عن بعض العرب إلغاء "إذن" مع استيفاء شروط العمل". وفي (كتاب) سيبويه: "وزعم عيسى بن عمر أن ناسًا من العرب يقولون: إذن أفعل ذاك في الجواب، فأخبرت يونس بذلك فقال: لا تبعدن ذا، ولم يكن ليروي إلا ما سمع، جعلوها بمنزلة هل وبل".

"٢.٢ نصب المضارع بـ "إذن


وذكر المُصَرِّح وغيره أن إهمال إذن هو القياس؛ لأنها غير مختصة، وإنما أعملها الأكثرون حملًا على ظن؛ لأنها مثلها في جواز تقديمها على الجملة وتأخيرها عنها، وتوسطها بين جزأيها، كما حملت ما على ليس لأنها مثلها في نفي الحال، والمرجع في ذلك كله إلى السماع.
ما حكم "إذن" الواقعة بعد العاطف؟
يقول ابن مالك رحمه الله:
وانصب وارفعا إذا إذن
من بعد عطف وقعا
والمعنى: إذا وقعت إذن بعد حرف عطف؛ جاز في المضارع بعدها أن ينصب على أنها عاملة، وأن يرفع على أنها ملغاة أو مهملة، كما تقول مثلًا: قد أعفو عنك وإذن أحسن إليك، فيجوز النصب في أحسن باعتبار أن "إذن" متصدرة في جملتها، وأنك عطفت جملة مستقلة على جملة مستقلة، ويجوز رفع أحسن باعتبار أن "إذن" وقعت حشوًا فألغيت؛ لأن ما بعد العاطف من تمام ما قبله، فهو يربط ما بعده بما قبله.
والخلاصة: أن "إذن" إذا وقعت بعد الواو أو الفاء، فإن كان العطف على ما له محل أُلغيت، وإن كان على ما لا محل له جاز فيها الإعمال والإلغاء مع ترجّح الإلغاء، وقيل: يتعين الإعمال، فإذا قلت: علي يسافر وإذن أسافر معه، إن عطفت على "يسافر" وجب رفع "أسافر"، وإن عطفت على الجملة الابتدائية "علي يسافر" جاز في "أسافر" الرفع والنصب مع ترجح الرفع، فإن نظرت إلى أن الواو للاستئناف وأن المعطوف على الأول أول وجب النصب.

"٢.٢ نصب المضارع بـ "إذن


وقول ابن مالك: "وارفعا" أصله: وارفعن، بنون التوكيد الخفيفة التي تبدل ألفًا عند الوقف، وهذا التوكيد يدل على رجحان الرفع، فالإلغاء أرجح هنا من الإعمال؛ لأن إذن غير متصدرة في الظاهر.
ولكون الإلغاء أرجح قرأ السبعة بالرفع في قوله تعالى: ((فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا)) [النساء: ٥٣] وفي قوله تعالى: ((وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا)) [الإسراء: ٧٦]، ولكون الإعمال جائزًا جاءت القراءة في الشواذ بالنصب، فقرأ أبي بن كعب: "فإذن لا يؤتوا"، وقرأ ابن مسعود: "وإذن لا يلبثوا".
قال المرادي تعقيبًا على كلام ابن مالك: "أطلق في العطف، وفصل بعضهم فقال: إن كان العطف على ما له محل
ألغيت، نحو: إن تزرني أزرك وإذن أحسنْ إليك، بجزم أحسن عطفًا على جواب الشرط، وإن كان على ما لا محل
له فالأكثر الإلغاء كالآية".
ونقل المصرح عن ابن هشام قوله: "التحقيق: أنه إذا قيل: إن تزرني أزرك وإذن أحسن إليك، فإن قدرت العطف على الجواب جزمت، وبطل عمل إذا لوقوعها حشوًا، أو على الجملتين معًا جاز الرفع والنصب لتقدم العاطف. وقيل: يتعين النصب؛ لأن ما بعدها مستأنف، أو لأن المعطوف على الأول أول".

"٢.٢ نصب المضارع بـ "إذن


وقول ابن هشام: "لأن ما بعدها مستأنف" إشارة إلى أن الواو أو الفاء قد تكون استئنافية لا عاطفة، وقوله: "لأن المعطوف على الأول أول" إشارة إلى أن المعطوف عليه إذا كان جملة ابتدائية، كان المعطوف في حكمه من حيث الابتداء.
حكم نون "إذن" في الوقف والكتابة
أجمع العلماء على أن نون "إذن" تكتب في القرآن الكريم ألفًا ويوقف عليها بالألف، أما في غير القرآن الكريم ففي هذه النون خلاف، والجمهور على أنها تكتب نونًا؛ للفرق بين إذن وإذا، لكنها في الوقف تبدل ألفًا فيوقف عليها بالألف، وهذا في كل موضع، وروي عن المازني والمبرد أنها تكتب نونًا ويوقف عليها بالنون.
وروي عن الفراء فيها قولان:
القول الأول
أنها إن عملت كتبت بالألف؛ لأنها لا تلتبس في تلك الحالة بإذا الظرفية، وإن لم تعمل كتبت بالنون لمنع اللبس.

القول الثاني
أنها إن عملت كتبت بالنون؛ لمشابهتها في تلك الحالة أخواتها: أن ولن، وإن لم تعمل كتبت بالألف لضعفها وعدم مشابهتها لأن ولن، أما الوقف عليها فهو بالألف كما هو مذهب الجمهور.