"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


نصب المضارع بـ "أَنْ"
المراد بأن هنا أن المصدرية التي توصل بالفعل المتصرف، وتؤوّل معه بمصدر، كما في قوله تعالى: ((وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)) [البقرة: ١٨٤] وتأويله: صومُكم خيرٌ لكم، وهي أم باب نواصب المضارع؛ لأنها تنصب المضارع ظاهرة ومضمرة، وهي تقع ظاهرة في موضعين:

الموضع الأول
في ابتداء الكلام، فتكون مع المضارع في تأويل مصدر مبتدأ، كما في الآية التي ذكرتها، وكما في قوله تعالى: ((وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)) [البقرة: ٢٣٧]، وكما في قول العرب في أمثالهم: أن ترد الماء بماء أكيس.

الموضع الثاني
بعد لفظ لا يفيد اليقين، كما في قوله تعالى: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)) [الحديد: ١٦]، وكما في قوله تعالى: ((وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)) [الشعراء: ٨٢]، وإلى ذلك أشار ابن مالك بقوله: "لا بعد علم".


"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


هل تقع أن الناصبة للمضارع بعد العلم؟
اختلف العلماء حول وقوع أن المصدرية الناصبة للمضارع بعد ما يفيد علمًا، أو نحوه من أفعال اليقين، وفي ذلك ثلاثة أقوال:

القول الأول
قول سيبويه والجمهور، وهو أنها لا تقع بعد فعل العلم واليقين إن بقي على حقيقته؛ وذلك لأنها تفيد الرجاء والطمع، فلا يناسبها أن يتقدم عليها ما يفيد القطع والتحقق، فإن تؤول ما يفيد العلم بظن أو نحوه؛ جاز وقوعها بعده، ولهذا أجاز سيبويه قول العرب: ما علمت إلا أن تقوم، لما كان معناه: ما أشير عليك إلا بأن تقوم، فلما خرج العلم مخرج الإشارة جاز مجيء أن المصدرية الناصبة بعده.

القول الثاني
قول المبرد، وهو أنها لا تقع بعد فعل العلم واليقين، سواء أبقي على حقيقته أم تؤول بغيره، فهو يمنع وقوعها بعد ذلك مطلقًا.



"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


القول الثالث
قول الفراء وابن الأنباري، وهو على عكس قول المبرد، فهي عندهما تقع بعد فعل العلم واليقين مطلقًا، والصحيح من هذه الأقوال هو قول سيبويه والجمهور؛ ولهذا نحكم بالشذوذ على قول جرير:
نرضى عن الله أن الناس قد علموا
أن لا يُدانينا من خلقه بشر
لوقوع أن المصدرية الناصبة بعد فعل العلم الباقي على حقيقته، حيث لا يجوز تأويله بالظن؛ لأن ذلك لا يناسب مقام الفخر.

هل يجوز أن يتقدم معمول المنصوب بأن عليها؟
أجاز ذلك الفراء مخالفًا للجمهور، واستشهد بقول الراجز:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
فقوله: بالعصا معمول لأجلد المنصوب بأن، وقد تقدم على أن، وهذا دليل على أنه يجوز أن يتقدم معمول معمول أن عليها، والجمهور على عدم جواز ذلك؛ لأنه لا يجوز أن تتقدم الصلة ولا معمولها على الموصول، ولا شك أنّ أنْ موصول حرفي ولا تتقدم صلته عليه، وكذلك معمول الصلة لا يتقدم عليه لأنه من تمام الصلة، ولا حجة فيما استشهد به الفراء لندرته، ولإمكان تقدير عامل المضمر لقوله: بالعصا، ويكون الأصل: كان جزائي أن أجلد بالعصا أن أجلد، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، فيكون بالعصا معمول معمول أن المحذوفة، لا المذكورة.

"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


هل يجوز الفصل بين أن المصدرية ومنصوبها؟
لا يجوز عند سيبويه والجمهور الفصل بين أن المصدرية وبين منصوبها في الاختيار بغير لا، فيجوز عندهم نحو: ظننت ألا يهينك زيد، ولا يجوز الفصل بغير لا، والكوفيون يجيزون الفصل بينهما بالشرط، نحو قولك: يسرني أنْ -إنْ تزرني- أكرمَكَ، وبعض النحويين يجيز الفصل بينهما بالظرف والجار والمجرور، نحو: أريد أن خلفك أسير، وأريد أن في الدار أقيم.

هل تهمل أن فلا تنصب المضارع؟
يقول ابن مالك في تقرير ذلك:
وبعضهم أهمل أن حملا على
ما أختها حيث استحقت عملا
ومعناه: أن بعض العرب يأتي بالفعل المضارع بعد أن المصدرية الناصبة مرفوعًا، فيهملون إعمال أن فيه حملًا لها على أختها ما المصدرية التي لا تنصب المضارع؛ لكونهما متشابهين في المصدرية، وكون كل منهما ثنائيًّا.
وقد أخذ بتلك اللغة البصريون، وحملوا عليه قراءة من قرأ: "لمن أراد أن يتمُّ الرضاعة" وهي برفع يتمّ، كما حملوا عليه رفع المضارع بعد أن في قول الشاعر:

"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


أن تقرآنِ على أسماء ويحكما
مني السلام، وألا تُشعرا أحدا
وذهب الكوفيون إلى عدم الأخذ بتلك اللغة، وذهبوا إلى أنّ أنْ في القراءة والشاهد هي المخففة من الثقيلة، وقد شذّ اتصالها بالفعل المتصرف فيهما.
والصواب من المذهبين أنها أن الناصبة أهملت حملًا على ما المصدرية، والدليل على ذلك أنها في الآية لم تسبق بما يدل على العلم، وأنها في البيت عطفت عليها أن المصدرية الناصبة.

هل تستعمل أن المصدرية جازمة؟
نقل ذلك اللحْيانِي عن بعض العرب، واستشهد له بقول امرئ القيس:
إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا:
تعالوا إلى أن يأتِنا الصيد نحطب
وبقول جميل بثينة:
أحاذر أن تعلمْ بها فتردها
فتتركها ثقلًا علي كما هي

"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


ولهذا أجاز الكوفيون الجزم بأن المصدرية، والبصريون ومعهم الجمهور لم يعتدوا بتلك اللغة، ولم يقيسوا عليها، وذهبوا إلى تأويل هذا المروي فقالوا: إن البيت الأول يروى عجزه:
تعالوا إلى أن يأتيَ الصيد نحطب
وعلى هذه الرواية لا شاهد على الجزم بأن، وفي الرواية الأخرى يجوز أن يكون الأصل: إلى أن يأتينا، وقد اجتزأ الشاعر بالكسرة عن الياء للضرورة، ويكون البيت شاهدًا لإهمال أن لا للجزم بها.
وقالوا: إن البيت الثاني سُكن فيه آخر الفعل "تعلم"؛ لضرورة الشعر لا للجزم، والدليل على ذلك أن هذا الفعل عطف عليه "فتتركها" منصوبًا، ولو كان الأول مجزومًا، لجاء المعطوف عليه مجزومًا مثله، فدل نصب "تتركها" على أن سكون "تعلم" للضرورة لا للجزم بأن.

ما أنواع "أنْ" في استعمالات العرب؟
"أنْ" في استعمالات العرب أربعة أنواع؛ وهي:


"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


النوع الأول
أن المصدرية الناصبة، وهي التي توصل بالفعل المضارع وتنصبه -كما سبق التمثيل لها، وهي موصول حرفي يوصل بالفعل المتصرف، ويؤول معه بمصدر، ولا يشترط في الفعل بعدها أن يكون مضارعًا، فقد توصل بالفعل الماضي كما في قوله تعالى: ((لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا)) [القصص: ٨٢] وتقول: سرني أن نجح أخوك، وتؤول معه بمصدر، والتأويل: لولا مَنُّ الله علينا، وسرني نجاحُ أخيك، وحكى سيبويه أنها وصلت بفعل الأمر في قولهم: كتبت إليه بأن قم، أي: كتبت إليه بالقيام.

النوع الثاني
"أنْ" المخففة من الثقيلة، وهي موصول حرفي مخفف من "أنَّ" المشددة النون، فهي حرف ثنائي لفظًا ثلاثي وضعًا، ويؤول مع الجملة بعده بمصدر، وهو عند البصريين كأصله ينصب الاسم ويرفع الخبر، ويشترط في اسمه أن يكون ضميرًا محذوفًا، وفي خبره أن يكون جملة، فإن ثبت الاسم كما في ضرورة الشعر جاز في الخبر أن يكون مفردًا، كما في قول عَمرة الهذلية:
بأنْكَ ربيع، وغيث مُريع
وأنْك هناك تكون الثِّمال

"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


والكوفيون يهملون "أنْ" المخففة ولا يعملونها.
ويتعين كون "أنْ" مخففة من الثقيلة في ثلاثة مواضع:

الموضع الأول
إذا سبقت بفعل من أفعال اليقين باقيًا على معناه، مثل: علم وتحقق وتبين وتيقن وأيقن، ويجري مجرى ذلك فعل الظن إذا استعمل في العلم، والفعل رأى إذا كان بمعنى علم، ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ((وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ)) [التوبة: ١١٨]، وقوله: ((أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا)) [طه: ٨٩].
وتقول: تحققت أو تبينت أنْ سيأخذ كل ذي حق حقه، وتيقنت أو أيقنت أنْ لن يضيع حق وراءه مطالب، والاسم في هذه الشواهد والأمثلة ضمير الشأن محذوف، وإنما يتعين كون أنْ فيها مخففة من الثقيلة؛ لأنها كالمشددة تفيد التوكيد، وهو يناسب فعل اليقين المتقدم عليها، بخلاف أن المصدرية الناصبة للمضارع، فإنها تأتي في مقام الرجاء والطمع فلا تناسب فعل اليقين.


"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


الموضع الثاني
إذا سبقت بفعل يفيد الظن ونحوه، مثل: ظن وحسب وزعم وخال، وفصل بينها وبين الفعل بعدها بفاصل غير لا، مثل: لن ولم وقد ولو وحرف التنفيس، كما في قوله تعالى: ((أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ)) [القيامة: ٣] وقوله تعالى: ((أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ)) [البلد: ٧]، وكما في قول جرير:
زعم الفرزدق أن سيَقتل مِربعًا
أبشر بطول سلامة يا مربع
وتقول: ظننت أن قد تزور عليًّا، وخلت ألو زرت عليًّا لأكرمك.
وإنما وجب كون أنْ هنا مخففة من الثقيلة؛ نظرًا للفصل بينها وبين الفعل الواقع بعدها بغير "لا"، وذلك لأن المصدرية الناصبة لا يفصل بينها وبين الفعل بعدها بغير لا؛ لكونها تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، والفصل بـ "لا" لا يمنع ذلك.

الموضع الثالث
إذا سبقت بفعل الخوف مع تيقن المخوف؛ لأن تيقنه سوغ إجراءه مجرى فعل اليقين عند سيبويه والأخفش، وشاهد ذلك قول أبي محجن الثقفي:

"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


إذا مت فادفني إلى جنب كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة؛ فإنني
أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
وعلى ذلك يصح أن تقول: خَشِيتُ أنْ ستدمر مدينتنا من هذه الحرب، وخِفْتُ أنْ سيموت كثيرون بسببها، برفع: ستدمر وسيموت.

وهناك موضعان تصلح فيهما "أنْ" لأن تكون مخففة أو ناصبة، وهما:
الموضع الأول
إذا سبقت بفعل يفيد الظن ونحوه من أفعال الرجحان، ولم يفصل بينها وبين الفعل بعدها بفاصل، نحو: ظننت أن تحضروا، وخلت أن تزورني.
فالفعل المضارع في المثالين يجوز فيه الرفع؛ باعتبار أن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وذلك بتقدير أن المظنون معلوم؛ لأن الظن إدراك الطرف الراجح، فهو قريب من العلم، ويجوز فيه النصب فتقول: أن تحضرَ وأن تزورَني، باعتبار أنّ "أنْ" مصدرية ناصبة، وقد سبقت بما يناسب الرجاء والطمع، وهو فعل الظن؛ لكون المظنون غير محقق.
وهذا الوجه الثاني أقوى من الأول؛ لأن الأصل في الظن عدم القطع واليقين، فيناسبه "أنْ" المصدرية الناصبة، ولأن وقوع المصدرية الناصبة عند عدم الفصل أكثر من وقوع المخففة؛ ولذلك اتفق القراء السبعة على نصب الفعل المضارع في قوله تعالى: ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا)) [العنكبوت: ٢].

"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


الموضع الثاني
إذا سبقت بفعل يفيد الظن ونحوه، وفصل بينها وبين الفعل بعدها بلا، كما في قوله تعالى: ((وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ )) [المائدة: ٧١]، فهو في قراءة عاصم وابن كثير ونافع وابن عامر بنصب "تكون"، وفي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي برفعه، فالنصب باعتبار أنّ "أنْ" فيه مصدرية ناصبة؛ ناصبة لتكون، مع كون فعل الظن يناسب معنى الرجاء والطمع المستفاد من أن المصدرية؛ لأنه غير محقق، والرفع باعتبار أن "أنْ" فيه مخففة من الثقيلة، والظن قبلها يناسبها؛ لأن المظنون معلوم، والظن قريب من العلم لكونه إدراك الطرف الراجح، واسم أنْ في هذه الحالة ضمير الشأن، والوجهان هنا مستويان لا مرجح لأحدهما على الآخر.
ولو قيل: إن الفصل يرجح كونها مخففة؛ لأن الفصل في المخففة أكثر، قيل: إن ذلك معادل بكون الناصبة للمضارع أكثر استعمالًا؛ ولذلك اختلف القراء في الآية، ولو كان الرفع راجحًا لاتفقوا عليه.

"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


النوع الثالث لأنْ
"أنْ" المفسرة، وهي حرف ثنائي لفظًا ووضعًا بمنزلة أي، وقد أثبتها جمهور النحويين، واشترطوا لها أربعة شروط:

الشرط الأول
أن يتقدم عليها جملة، كما في قوله تعالى: ((وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ)) [الصافات: ١٠٤] وقوله تعالى: ((إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى، أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ)) [طه: ٣٨، ٣٩].
فإن كان المتقدم عليها مفردًا لم تكن مفسرة، كما في قوله تعالى: ((وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [يونس: ١٠]، فالمتقدم على أن هنا مفرد وهو ((وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ))، وهو مبتدأ خبره ((أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))، وأن فيه مخففة من الثقيلة.
وإنما اشترط هذا الشرط في أن المفسرة؛ لأن ما قبلها ينبغي أن يكون تامًّا بنفسه غير محتاج إلى ما بعدها، إلا من جهة تفسير المبهم فيه.

الشرط الثاني
أن تكون الجملة المتقدمة عليها فيها معنى القول دون حروفه، كجملة ((ناديناه)) وجملة ((إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ)) فيما تقدم، ومن ذلك قوله تعالى: ((وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ )) [ص: ٦] لأن المراد فيه: انطلقت ألسنتهم بكلامهم هذا، ومنه قوله تعالى:...

"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


...((وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا)) [النحل: ٦٨]؛ لأن أوحى فيه معنى القول دون حروف القول.
وذهب الزمخشري إلى تجويز أن تكون الجملة المتقدمة على "أنْ" المفسرة مشتملة على حروف القول، على أن يكون مؤولًا بغيره، وجعل من ذلك قوله تعالى: ((مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)) [المائدة: ١١٧] فإنْ فيه عنده مفسرة؛ لأن القول المتقدم عليها مؤول بالأمر، والمعنى: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به أن اعبدوا الله، ولا يجوز على هذا الشرط: قلت له: أن اعدل بين أبنائك. وأجاز ابن عصفور أن تكون الجملة قبلها مشتملة على صريح القول دون تأويل، كما في هذا المثال.

الشرط الثالث
ألا يدخل عليها حرف جر لفظًا أو تقديرًا، فلا يدخل في المفسرة نحو: كتبت إليه أن أَقْدِم، أو كتب إليه أن أقدم، بتقدير الباء فأن في المثالين مصدرية؛ لأن حرف الجر يدخل على اسم صريح أو مؤول بالصريح، فالتقدير: كتبت إليه بالقدوم.

الشرط الرابع
أن يتأخر عنها جملة كما في الآيات السابقة، ولو قلت: ذكرت عسجدًا، أي: ذهبًا، لم يصلح استبدال أي بأن المفسرة؛ لعدم تأخر جملة عنها، ومذهب الجمهور: أن الجملة المفسرة لا محل لها من الإعراب، فيما عدا المفسرة لضمير الشأن، فإنها تكون في محل رفع على أنها خبر...

"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


...له إن كان مبتدأ، كقوله تعالى: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص: ١]، أو خبر لإن إن كان الضمير اسمًا لها، كما في قوله تعالى: ((فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَار)) [الحج: ٤٦].

النوع الرابع لأن
"أنْ" الزائدة، وهي حرف يزاد لمعنى التوكيد لا غير، ويزاد في أربعة مواضع:

الموضع الأول
بعد لَمَّا الحينية، وهذا الموضع أكثر مواضع زيادة أنْ، ومن شواهده قوله تعالى: ((فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ)) [يوسف: ٩٦]، وقوله تعالى: ((وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ)) [العنكبوت: ٣٣].

الموضع الثاني
بين لو وفعل القسم، سواء أكان الفعل مذكورًا أم محذوفًا، وشاهد المذكور قول المُسَيِّل بن عَلَس:
فأقسم أنْ لو التقينا وأنتمُ
لكان لكم يوم من الشر مظلم

"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


وشاهد المحذوف قول الشاعر:
أما والله أن لو كنتَ حرا
وما بالحر أنت، ولا العتيق

الموضع الثالث
بعد إذا، كما في قول أوس بن حجر:
فأمهلَه حتى إذا أنْ كأنه
مُعاطي يدٍ في لجة الماء غامر

الموضع الرابع
بين الكاف ومجرورها، كما في قول باعث اليشكري:
ويومًا توافينا بوجه مقسَّم
كأن ظبيةٍ تعطو إلى وارق السَّلم
فالرواية بجر ظبية، وهذا الموضع الرابع أقل مواضع زيادة أنْ.

"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


هل تأتي أن الزائدة ناصبة للمضارع؟
الجمهور على أن الزائدة لا تعمل؛ لعدم اختصاصها بالأفعال، حيث دخلت على الحرف لو والحرف كأن والاسم ظبية، كما تقدم في شواهدها، وخالف الأخفش الجمهور فذهب إلى أنها تنصب المضارع كما تنصبه أن المصدرية، واستدل على مذهبه بالقياس والسماع؛ فأما القياس فهو أن حرف الجر من والباء الجارة إذا وقعا زائدين بقي عملهما وهو الجر، كما في قول العرب: ما جاءني من أحدٍ، وقولهم: بحسبكَ درهم.
وأما السماع فمنه قوله تعالى: ((وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) [البقرة: ٢٤٦] وقوله تعالى: ((وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ)) [إبراهيم: ١٢]، فأنْ في الآيتين عنده زائدة؛ لأن "ما لنا" لا يقع بعده إلا شيئان: فعل صريح، كقوله تعالى: ((مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ)) [النمل: ٢٠] وتكون جملته حالية في محل نصب، أو اسم صريح، نحو: ما لك ساكتًا، وهو منصوب على الحالية. فأما الاسم المؤول فلا يقع بعد "ما لنا" ونحوه؛ وعليه لا تكون أن مصدرية ناصبة، بل تكون زائدة ناصبة.
وقد رد الجمهور مذهبه هذا؛ بأن القياس لا يصح؛ لأن مِن والباء إذا زِيدتا بقِيتا على اختصاصهما بالأسماء؛ فلهذا بقي عملهما فيها، بخلاف أن الزائدة، فإنها بزيادتها زال اختصاصها بالأفعال، فلا يصح أن تعمل فيها.
وردوا استدلاله بالآيتين بأن أنْ فيهما مصدرية لا زائدة، والأصل: وما لنا في ألا نقاتل، وما لنا في ألا نتوكل، أي: أيُّ شيء ثابت لنا في عدم القتال؟ وأي شيء ثابت لنا في عدم التوكل؟ فالمصدر المؤول من أن المصدرية والفعل مجرور بفي محذوفة، والجار والمجرور متعلق بما تعلق به لنا.

"٢.١ نصب المضارع بـ "أَنْ


ويجوز أن يكون التقدير: وما منعنا القتال وما منعنا التوكل، فيكون المصدر المؤول من أن المصدرية والفعل مفعولًا ثانيًا للجار والمجرور المتقدم؛ لتأوله بفعل يتعدى الاثنين وهو منع.