١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


للفعل المضارع المعرب ثلاث حالات، فقد يكون مرفوعًا وقد يكون منصوبًا وقد يكون مجزومًا، وسنتعرف على تلك الحالات بالتفصيل.

حالة رفع الفعل المضارع
بالتأمل في لغة العرب وأساليبهم الفصيحة، لاحظ النحويون أن الفعل المضارع يرفع إذا لم يتقدم عليه ناصب أو جازم، فإذا قلت: ينجح المُجد أو يسافر علي، كان كل من ينجح ويسافر مرفوعًا؛ لأنه لم يتقدم عليه ناصب ينصبه، أو جازم يجزمه، ولو تقدم عليه ناصب مثل: لن، لفتح آخره، كما تقول: لن ينجح المهمل، ولن يسافر علي، ولو تقدم عليه جازم لسكن آخره، كما تقول: لم ينجح ولم يسافر، وقد عبر عن هذا المعنى صاحب الألفية فقال:

ارفع مضارعًا إذا يجرد         من ناصب وجازم كتسعد

فالفعل تسعد مرفوع؛ لأنه لم يتقدم عليه ناصب ولا جازم، وبتعبير آخر: لأنه تجرد من الناصب والجازم.


١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


وقد تساءل النحويون عن علة رفع المضارع في تلك الحالة، ونشأ عن ذلك التساؤل أربعة أقوال في تعليل رفعه، وفيما يلي بيانها:

القول الأول
أن علة رفعه هي تجرده من الناصب والجازم، وهذا القول قال به حذاق الكوفيين، ومنهم الفراء، وإليه ذهب الأخفش من البصريين، واختاره جماعة من المحققين؛ كابن الحاجب وابن مالك وابن هشام.
وقد اعترض هذا القول بأن التجرد أمر عدمي، والأمر العدمي لا يكون سببًا لوجود غيره، وأجيب عن هذا الاعتراض بأن المراد بالتجرد كون الفعل خاليًا من ناصب ينصبه، أو جازم يجزمه، وهذا أمر وجودي لا عدمي، وهذا القول هو الراجح لسلامته من النقد الموجه لغيره من الأقوال.

القول الثاني
أن علة رفعه هي حلوله محل الاسم؛ لأنه يقع خبرًا وصفةً وحالًا، كما يقع الاسم كذلك، فتقول: محمد يجتهد، ورأيت رجلًا يصلي في المسجد، وجاءنا محمد يضحك، كما تقول: محمد مجتهد، ورأيت رجلًا مصليًا، وجاءنا محمد ضاحكًا. فلما حل محل الاسم في ذلك ونحوه استحقّ الرفع، الذي هو أول أحوال الاسم الإعرابية وأشرفها، ومما يقوي ذلك أنه إذا دخل عليه لن ولم امتنع رفعه؛ لأن الاسم لا يقع بعدهما، فلا يكون حينئذ حالًّا محل الاسم، وهذا القول قال به سيبويه وجمهور البصريين، وكثير من المتأخرين كالزمخشري وابن عصفور.


١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


وقد اعترض بأنه غير مطرد؛ لأن الفعل المضارع يرفع في نحو: هلا تفعل، وسوف تفعل، وجعلت أفعل، وما لك لا تفعل، ورأيت الذي تفعل، مع أن الاسم لا يقع في هذه المواقع، فالاسم لا يقع بعد حرف التحضيض، ولا بعد حرف التنفيس، ولا يقع خبرًا لأفعال الشروع، ولا يقع حالًا بعد لا إلا مع تكرارها، ولا يقع وحده صلة للموصول.

القول الثالث
أن علة رفعه هي مضارعته للاسم، وهو قول ثعلب، وقد رده النحويون بأن مضارعة الفعل المضارع للاسم -أي: مشابهته له- إنما تقتضي إعرابه من حيث الجملة، ولا تقتضي الرفع بخصوصه، وبأنه يلزم عليه كون المضارع مرفوعًا دائمًا ولا قائل بذلك.

القول الرابع
أن علة رفعه تصدره بحروف المضارعة، فهذه الحروف هي التي اقتضت رفعه، وهذا قول الكسائي، وقد رده النحويون بأن جزء الشيء لا يعمل فيه.


١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


وقبل أن أترك موضوع رفع الفعل المضارع، يحسن بي التنبيه على أنواع الإعراب وهي ثلاثة:

النوع الأول
الإعراب اللفظي، وهو ذلك الأثر الظاهر الذي يكون في آخر الكلمة المعربة، كالضمة في نحو: يذهبُ، والفتحة في نحو: لن يذهبَ، والسكون في نحو: لم يذهبْ.

النوع الثاني
الإعراب التقديري، وهو أثر يكون مقدرًا على آخر الكلمة المعربة؛ بسبب تعذر اللفظ بالأثر الظاهر، أو ثقل التلفظ به، ويكون هذا الإعراب في الفعل المضارع المعتل الآخر بالألف أو الواو أو الياء، فالمعتل الآخر بالألف مثل: يسعى، يكون إعرابه تقديريًّا في الرفع والنصب، فإذا كان مرفوعًا لم تظهر عليه الضمة، بل تكون مقدرة على الألف، نحو: يسعى محمد في الخير. وإذا كان منصوبًا لم تظهر عليه الفتحة، بل تكون مقدرة على الألف، نحو: لن يسعى محمد في الشر، وإذا كان مجزومًا لم يكن إعرابه تقديريًّا؛ لأنه تحذف ألفه للجزم، وإنما تقدر الضمة والفتحة على الألف لتعذر النطق بألف مضمومة أو مفتوحة، والفعل المضارع المعتل الآخر بواو أو ياء، تقدر الضمة على آخره في حالة الرفع لثقل النطق بالواو أو الياء مضمومة في آخره، فتقول: يدعو محمد إلى الخير، ويجري في طلب الرزق، ويكون إعرابه تقديريًّا في تلك الحالة وحدها.


١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


أما في حالتي النصب أو الجزم فلا يكون الإعراب تقديريًّا؛ لأن الفتحة تظهر على الواو أو الياء، نحو: لن يدعوَ ولن يجريَ، كما أن الجزم تحذف له الواو أو الياء، فيكون إعرابه ظاهرًا، نحو: لم يدعُ ولم يجرِ.
هذا، ويدخل في الإعراب التقديري إعراب الفعل المضارع، الذي اتصلت به نون التوكيد اتصالًا غير مباشر، نحو: والله لتحكمانّ بالعدل، والله لتنصرُنّ المظلوم، والله لتصالحِنّ زوجك، فالفعل المضارع في ذلك ونحوه معرب؛ لأن نون التوكيد منفصلة عنه بألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة، فيكون مرفوعًا بنون مقدرة فيه؛ لأنه في هذه الأمثلة من الأفعال الخمسة، وهي ترفع بثبوت النون، وتنصب وتجزم بحذف النون، وهو مرفوع في جميع هذه الأمثلة، إلا أن نون الرفع حذفت لتوالي النونات، أو لالتقاء الساكنين، فتكون منوية ومقدرة، والأصل: لتحكمانِنّ ولتنصروننّ ولتصالحيننّ.

النوع الثالث
هو الإعراب المحلي، وهو إعراب لا ظاهر ولا مقدر، ويكون في المبني وفي الجملة، إذا وقع أحدهما في موقع رفع أو نصب أو جر أو جزم، فإنه لا يكون فيه إعراب ظاهر ولا مقدر، وإنما يعبر عن إعرابه بأن يقال: هو في محل رفع أو نصب أو جر أو جزم، أو الجملة في محل رفع أو نصب أو جر.


١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


ومن أمثلة المبني أن الفعل جد، في قولنا: من جد وجد، مبني على الفتح في محل جزم؛ لأنه وقع فعلًا للشرط، وكذلك الفعل وجد، مبني على الفتح في محل جزم؛ لأنه وقع جوابًا للشرط.
ومن أمثلة الجملة أنك إذا قلت: هذا رجل يحب الله ورسوله، كانت جملة "يحب الله ورسوله" في محل رفع؛ لأنها وقعت نعتًا لمرفوع، أما الفعل "يحب" وحده فإعرابه لفظي وهو مرفوع لتجرده من الناصب والجازم.
وإذا قلت: هذا رجل يسعى في الخير، كانت جملة "يسعى في الخير" في محل رفع؛ لكونها وقعت نعتًا لمرفوع وهو رجل، أما الفعل يسعى، فإعرابه تقديري وهو مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
فإن قلت: هذا رجل يدعو إلى الخير أو يجري على رزقه، كانت الجملة في محل رفع كذلك، وكان الفعل وحده مرفوعًا بضمة مقدرة على الواو أو الياء، منع من ظهورها الثقل.

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


حالة نصب الفعل المضارع
والنصب هو فتح آخره لفظًا أو تقديرًا؛ بسبب دخول ناصب عليه، أو عطفه على منصوب، فإذا قلت: لن أضيعَ وقتي في غير المفيد، كان الفعل أضيع منصوبًا لفظًا؛ لدخول ناصب عليه وهو لن. وإذا قلت: لن أسعى في الشر، كان الفعل أسعى منصوبًا تقديرًا؛ لدخول لن عليه، وهو منصوب بفتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر. وإذا قلت: أحب أن تجتهد وتتفوق، كان الفعل تتفوق منصوبًا؛ لعطفه على منصوب وهو تجتهد.
وحروف النصب التي تنصب المضارع عند البصريين والجمهور أربعة، وهي: لن وكي وأن وإذن، وقد ذكرها ابن مالك في (الألفية) مع شروطها وأحكامها حيث قال:
وبلن انصبه، وكي كذا بأن
لا بعد علم، والتي من بعد ظن
فانصب بها، والرفع صحح واعتقد
تخفيفها من أن فهو مطّرد
وبعضهم أهمل أن حملًا على
ما أختها حيث استحقت عملًا
ونصبوا بإذن المستقبلا
إن صدرت، والفعل بعد موصلا
أو قبله اليمين، وانصب، وارفعا
إذا إذن من بعد عطف وقعا
وسألتزم في حديثي عن هذه النواصب بهذا الترتيب الذي سار عليه ابن مالك:

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


نصب المضارع بلن
في هذا الموضع يتحدث النحويون عن معنى لن وأصلها وتقديم معمول معمولها عليها، وعن مجيئها بالدعاء والجزم بها، وعن الفصل بينها وبين منصوبها، وفيما يلي بيان ذلك:
معنى لن
معنى لن هو نفي الفعل المستقبل، فهي تخصص الفعل المضارع للاستقبال وتنفي حدوثه، فإذا قلت: لن أحضر عندك حتى يقدم والدك من السفر، كان المستفاد من لن نفي الحضور عند المخاطب بعد زمن التكلم، والمنفي هنا له غاية ينتهي عندها، وهي قدوم الوالد من السفر، وقد يكون المنفي لا غاية له، كما في قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا)) [الحج: ٧٣] فإن نفي خلق الذباب مستمر دائمًا؛ لأن خلقهم الذباب محال.
وقد يعبر النحويون عن معنى لن بقولهم: هي لنفي ما أثبت بحرف التنفيس، أو هي لنفي سيفعل أو سوف يفعل، فقولك: لن أحضر، هو نفي لنحو: سأحضر أو سوف أحضر.
وقد قيل في معنى لن: إنها تفيد تأبيد النفي، والشواهد تدل على أن هذا القول غير صحيح، فمن ذلك قوله تعالى: ((فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)) [مريم: ٢٦]، فالتقييد فيه بذكر اليوم دليل على أنها لا تفيد تأبيد النفي؛ إذ لو كانت تفيد ذلك لكان الكلام متناقضًا، ومنه...

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


...قوله تعالى: ((فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي)) [يوسف: ٨٠]، فإن قوله: ((حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي)) يدل على أن النفي بلن، لا يفيد التأبيد. والحق أن لن لا تفيد تأبيد النفي بوضعها، وإنما قد يستفاد هذا المعنى من المقام كما في قوله تعالى: ((لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا)).
وقيل في معنى لن: إنها تفيد توكيد النفي، وصرح بذلك الزمخشري في (الكشاف) حيث قال: "فإن قلت: ما معنى لن؟ قلت: تأكيد النفي الذي تعطيه "لا"، وذلك أن "لا" تنفي المستقبل، تقول: لا أفعل غدًا، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غدًا".
والجمهور على أن لن لا تفيد تأكيد النفي بوضعها، فقولك: لن أقوم، يفيد نفي القيام في المستقبل دون توكيد.

أصل لن
مذهب سيبويه والجمهور أن لن حرف بسيط غير مركب، وضع هكذا لإفادة نفي المضارع وتخليصه للاستقبال مع نصبه، وهذا هو الصحيح المعتمد.
وذهب الخليل شيخ سيبويه والكسائي الكوفي إلى أنها مركبة من لا النافية، وأن المصدرية الناصبة للمضارع، والأصل: لا أن، فحذفت الهمزة تخفيفًا، ثم الألف لالتقاء الساكنين، وحجتهم على ذلك قرب لفظها من هذا الأصل، وكون معناها موافقًا لمعنى هذين الحرفين، وكون عملها موافقًا لعمل أن.

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


وقد رد هذا المذهب بأن التركيب فرع البساطة، ولا يحكم به إلا بدليل قاطع، والدليل القاطع على التركيب كون الحرفين ظاهرين كما في لولا، والظاهر هنا جزء من كل منهما، كما رد بأنه يجوز أن نقول: عليًّا لن أضربه، ولو كانت مركبة من لا وأن ما جاز تقديم معمول معمولها عليها؛ لأن أن حرف مصدري لا يجوز أن تتقدم صلته ولا جزء من صلته عليه، ومعمول الصلة جزء منها.
وذهب الفراء إلى أن لن أصلها لا، فأبدلت ألفها نونًا، وحجته أن كلًّا من لا ولن حرف ثنائي يفيد النفي، ولا أكثر استعمالًا من لن؛ فتكون لن فرعًا عنها.
ورد مذهبه بأن الإبدال لا يغير حكم المهمل فيجعله عاملًا، وأن المعهود في اللغة إبدال النون ألفًا وليس العكس.

حكم تقديم معمول المنصوب بها عليها
أجازه سيبويه والجمهور، واستدل به سيبويه على أنها ليست مركبة من لا وأن، كما ذهب إليه الخليل، فيجوز على هذا المذهب أن يقال: عندك لن أحضر، وفي الدار لن أجلس، وعليًّا لن أضرب، ومن شواهد ذلك قول الراجز:
مَه عاذِلِيّ فهائمًا لن أبرح
بمثلي أو أحسن من شمس الضحى

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


والشاهد فيه تقدم "هائمًا"، وهو خبر أبرح المنصوب بلن عليها، وقد منع ذلك الأخفش الصغير محتجًّا بأن النفي له الصدارة، ورد الجمهور مذهبه بأن الصدارة خاصة بما، وبأن السماع دل على الجواز.

استعمال لن في الدعاء
الراجح أن لن تستعمل في الدعاء كما تستعمل لا، فقد ذهب إلى ذلك جماعة منهم: ابن السراج وابن عصفور وابن هشام في (مغني اللبيب). ومن المسموع في ذلك قول الأعشى ميمون:
لن تزالوا كذلكم ثم لا زلت
لكم خالدًا خلود الجبال
ووجه الاستدلال بالبيت أن الفعل المعطوف بثم للدعاء، فلزم أن يكون المعطوف عليه وهو قوله: لن تزالوا، للدعاء أيضًا، ولو كان "لن تزالوا" إخبارًا ما عطف عليه "لا زلت"؛ إذ لا يعطف الإنشاء على الخبر على الصحيح.
ويحتمل أن يكون من ذلك قوله تعالى: ((قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ)) [القصص: ١٧]، إذ يحتمل أن يكون معناها: اجعلني لا أكون ظهيرًا للمجرمين. وقد قيل: إن لن في الآية ليست مستعملة في الدعاء؛ لأن فعل الدعاء لا يسند إلى ضمير المتكلم، بل يسند إلى مخاطب أو غائب، ويرد هذا القول أن فعل الدعاء في بيت الأعشى مسند إلى ضمير المتكلم.

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


الجزم بلن
زعم بعض النحويين أن لن قد تجزم في ضرورة الشعر، واستدلوا على ذلك بقول كثير عزة:
أيادي سبا، يا عَز ما كنت بعدكم
فلن يَحْلَ للعينين بعدك منظر
وبقول أحد الأعراب:
لن يخبِ الآن من رجائك من
حرك من دون بابك الحلقة
والشاهد في الأول قوله: "لن يحل" حيث جزم المضارع يحلى بلن، وعلامة جزمه حذف الألف، والشاهد في الثاني قوله: لن يخب، حيث جزم المضارع يخب بلن، والباء فيه ساكنة في الأصل للجزم، لكنها حركت بالكسر تخلصًا من التقاء الساكنين وهما الباء واللام من الآن.
والجمهور على أن ذلك لا يقاس عليه، ويقتصر فيه على ما سمع، على أن الأول يحتمل أن يكون الشاعر فيه قد اجتزأ بالفتحة عن الألف، مع كون الفعل منصوبًا بلن، والثاني يحتمل أن يكون فيه الشاعر قد أجرى الوصل مجرى الوقف، والوقف يقتضي إسكان الباء.

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


الفصل بين لن والمضارع المنصوب بها
سمع ذلك في ضرورة الشعر، ومنه قول الشاعر:
لن ما رأيت أبا يزيد مقاتلا
أدع القتال، وأشهد الهيجاء
والأصل فيه: لن أدع القتال وشهود الهيجاء ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا.
وأجاز الكسائي في الاختيار الفصل بينها وبين منصوبها بالقسم، نحو: لن -والله- أفعل كذا، وبمعمول الفعل نحو: لن طعامَكَ آكلَ، ولن عندَكَ أحضر، ولن في الدار أجلس.

نصب المضارع بكي
المراد بكي الناصبة للمضارع "كي" المصدرية، وهي بمنزلة "أن" المصدرية معنى وعملًا، وتقع بعد اللام لفظًا أو تقديرًا، ولا تقع بعدها أن.

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


مثال الأول
جئتك لكي تُكرمَني، فالفعل تكرمني فيه منصوب بكي، كما ينصب بأن في نحو: يسرني أن تكرمني.

مثال الثاني
جئت كي أَتعلمَ، إذا قدرت أن الأصل: لكي أتعلم، وأنك حذفت اللام استغناء عنها بنيتها، فيكون الفعل أتعلم منصوبًا بكي المصدرية.

ومن شواهد كي المصدرية الناصبة قول الله -عز وجل: ((لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ)) [الأحزاب: ٣٧]، وقوله تعالى: ((لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ)) [الحديد: ٢٣].
واللام الظاهرة أو المقدرة في ذلك هي لام التعليل الجارة؛ ولذلك يتعين مع وجودها كون كي حرفًا مصدريًّا، ولا يجوز جعلها حرف جر مثلًا، مع كون النصب بأن مضمرة؛ لأن الجار لا يدخل على الجار في فصيح الكلام.
وينبغي هنا التنبيه على المواضع التي تكون فيها كي حرف جر بمنزلة لام التعليل معنى وعملًا، وهي أربعة مواضع فيما يلي بيانها:

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


الموضع الأولل
كي الداخلة على ما الاستفهامية، ومثاله قولهم: كَيْمه؟ بمعنى لِمَ؟ وهو سؤال عن علة الشيء، وكي هنا حرف جر يفيد التعليل؛ ولذلك حذفت ألف ما الاستفهامية بدخول كي الجارة، كما تحذف في نحو: بم ولم، والهاء في كيمه هي هاء السكت، جيء بها للحفاظ على الفتحة الدالة على الألف المحذوفة.

الموضع الثاني
كي الداخلة على ما المصدرية، كما في قول الشاعر:
إذا أنت لم تنفع فضر، فإنما
يُرَجَّى الفتى كيما يضر وينفع
فكي هنا تعليلة جارة؛ لدخولها على ما المصدرية التي تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، والتقدير: يرجى الفتى للضر والنفع.


١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


الموضع الثالث
كي الداخلة على لام التعليل الجارة، نحو: جئت كي لأتعلم، فكي في هذا المثال ونحوه حرف جر يفيد التعليل، واللام مؤكدة لها، والفعل منصوب بأن مضمرة بعد اللام، ولا يصح أن نجعل كي مصدرية ناصبة؛ نظرًا للفصل بينها وبين الفعل باللام، وهذا الفصل بين الناصب والمنصوب لا يجوز.

الموضع الرابع
كي الداخلة على أن المصدرية الناصبة، وذلك يكون على وجهين:
الأول: أن تكون أن المصدرية مضمرة، كما في قولنا: جئت كي أتعلم، إذا قدرت أن مضمرة ناصبة للفعل، فيتعين أن تكون كي تعليلية جارة، ولا يجوز أن تكون مصدرية؛ حتى لا يدخل حرف مصدري على مثله، مع إمكان الاحتراز من ذلك.
الثاني: أن تكون أن المصدرية بعد كي ظاهرة، وهذا لا يرد في الاختيار بل في ضرورة الشعر، كما في قول جميل:
فقالت: أكل الناس أصبحت مانحا
لسانك كيما أن تَغُر وتخدعا
وأجاز الكوفيون إظهار أن المصدرية بعد كي في الاختيار، نحو: جئت كي أن أتعلم، وذهب ابن مالك إلى جواز ذلك على قلة.

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


وهناك موضعان تحتمل فيهما "كي" أن تكون مصدرية ناصبة، وأن تكون تعليلية جارة:

الموضع الأول
أن تقع بين اللام وأن، كما في قول الشاعر:
أردت لكيما أن تطير بقربتي
فتتركها شَنًّا ببيداء بَلْقَع
في هذا البيت وقعت كي بين اللام وأن، وما المتصلة بها زائدة.
ومثله قول الشاعر:
أردت لكيما أن ترى لي عثرة
ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل؟
وكي تحتمل في البيتين أن تكون جارة تعليلية مؤكدة للام التي قبلها، وأن تكون ناصبة مصدرية مؤكدة بأن التي بعدها، والاحتمال الأول هو المعتمد وهو الراجح في الميزان بجملة أمور؛ منها: أن تأكيد الجار بجار أسهل وأقرب إلى القبول، من تأكيد حرف مصدري بحرف مصدري.
ومنها: أن اعتبار كي تعليلية جارة يجعل عمل النصب لأن، وأن أولى بهذا العمل؛ لكونها ملاصقة للفعل، فتكون أحق بالإعمال من غير الملاصق، كما أنها أم النواصب وأصل في بابها، وفي إعمالها اعتناء بشأنها.
ومنها: أن النصب بكي فيه تقديم الفرع على الأصل، وفيه جعل ما هو أصل في بابه توكيدًا لغيره مما ليس بأصل في ذلك الباب.
لكي عند العرب وجه ثالث في الاستعمال، وهو استعمالهم لها اسمًا مختصرًا من كيف، كما في قول الشاعر:
أردت لكيما أن تطير بقربتي
فتتركها شَنًّا ببيداء بَلْقَع
والأصل: كيف تجنحون، فحذفت الفاء كما حذفت في قولهم: سَوْ أفعل، أي: سوف أفعل.

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


الموضع الثاني
أن تنفرد كي عن اللام وأن، نحو: جئت كي أتعلم، وقوله تعالى: ((كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)) [الحشر: ٧]، فيجوز في ذلك ونحوه أن نجعل كي ناصبة للفعل فتكون حرفًا مصدريًّا، ونُقدر لام التعليل قبلها، ويكون المصدر المسبوك من كي والفعل مجرورًا بلام التعليل، والتقدير: جئت للتعلم، ويجوز أن نجعل كي جارة تعليلية بمنزلة اللام، ونقدر أن بعدها ناصبة للفعل، والمصدر المسبوك من أن والفعل في تلك الحالة مجرور بكي التي بمعنى اللام، والوجه الأول -وهو جعل كي ناصبة- أرجح؛ لأن الإضمار خلاف الأصل، أما حذف الجار قبل
كي المصدرية فهو قياس.

مذاهب النحويين حول استعمال كي
للنحويين حول استعمال كي ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول
مذهب سيبويه وجمهور البصريين، وهو أن كي تأتي في الاستعمال على وجهين: تعليلية جارة بمنزلة اللام، ومصدرية ناصبة بمنزلة أن، وهذا هو الراجح المؤيد بالسماع.

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


المذهب الثاني
مذهب الكوفيين، وهو أن كي لا تكون إلا مصدرية ناصبة، ولا تقع جارة أبدًا، وقد رد مذهبهم لقول العرب في الاستفهام عن علة الشيء: كيمه، بمعنى لم، فإن هذا القول ليس فيه فعل منصوب؛ ولهذا تأوله الكوفيون بأن أصله: كي تفعل ماذا، ورد تأويلهم بأن فيه كثرة الحذف؛ لأنه يقدر فيه حذف فعل وفاعله وجزء من مفعوله، كما أن فيه حذف الفعل المنصوب مع بقاء ناصبه، وذلك لم يثبت، كما رد مذهبهم بنحو قول حاتم الطائي:
فأوقدت ناري؛ كي ليبصر ضؤوها
وأخرجت كلبي، وهو في البيت داخله
ولقول عبد الله بن قيس الرُّقَيّات:
كي لتَقْضِيني رقية ما
وعدتني غير مختلس
لأن الحرف الناصب لا يفصل بينه وبين منصوبه بلام الجر؛ لكون تلك اللام لا تفصل بين المنصوب وناصبه، فالنصب في هذين البيتين بأن مضمرة، وكي تعليلية جارة مؤكدة باللام بعدها.

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


المذهب الثالث
أن كي حرف جر دائمًا، والنصب بعدها بأن مضمرة أو ظاهرة، وهذا المذهب ينسب إلى الأخفش، خلافًا لما ثبت في معانيه، وهو مردود بنحو قوله تعالى: ((لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ)) [الحديد: ٢٣]، وقوله تعالى: ((لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَج)) [الأحزاب: ٣٧].
فإن جعل النصب بأن مضمرة في ذلك، ونحوه يؤدي إلى اجتماع حرفي جر، وهو شاذّ لا يصح تخريج الكلام الفصيح عليه؛ إذ تكون كي على هذا التخريج تعليلية جارة مؤكدة للام التعليلية الجارة، وذلك لا يقبل في فصيح الكلام.

هل يجوز تقديم معمول منصوب كي عليها؟
الجمهور على أن ذلك ممتنع؛ لأن كي الناصبة حرف مصدري وما بعده صلة له، والصلة لا يجوز أن تتقدم على الموصول، وكذلك ما كان جزءًا من الصلة حكمه حكم الصلة، وعلى هذا لا يجوز عندهم أن يقال: جئت النحوَ كي أتعلم، أو خرجت عندك كي أجلس، أو سافرت في المدينة كي أقيم، ولو عدت كي في هذه الأمثلة تعليلية لم يجز هذا التقديم أيضًا؛ لأن الفعل المنصوب يكون حينئذ صلة لأنِ الناصبة، ولا يجوز تقديم معموله عليها. وقد أجاز ذلك الكسائي، ولعله أجازه قياسًا لا سماعًا.

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


حكم الفصل بين كي والمضارع الواقع بعدها
أجمع النحويون -كما ذكر الصبان- على جواز الفصل بين كي والمضارع الواقع بعدها بلا النافية، أو ما الزائدة، أو بهما معًا، فيصح أن يقال: فعلت ذلك؛ لكي لا تغضب، ولكيما تفرح، ولكيما لا تحزن.
وأما الفصل بغير لا النافية وما الزائدة، ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: أنه ممنوع مطلقًا في الاختيار، وهو قول البصريين وهشام ومن وافقه من الكوفيين.
الثاني: أنه جائز في الاختيار بشرطين:
الأول: أن يبطل عملها، فيرتفع الفعل.
والثاني: أن يكون الفاصل قَسَمًا أو شرطًا أو معمولًا للفعل، نحو: جئت كي -والله- أتعلمُ، وجئت كي -إنْ أجتهد- أتعلم، وجئت كي النحوَ أتعلم، وهذا قول الكسائي.
الثالث: أنه جائز في الاختيار بالقسم والشرط ومعمول الفعل، مع إعمال كي، نحو: جئت كي -والله- أتعلمَ، وجئت كي -إن أجتهد- أتعلمَ، وجئت كي النحو أتعلمَ، وهو قول ابن مالك وابنه بدر الدين.
ذهب أبو علي الفارسي في توجيه قول جميل:
وطرْفكَ إما جئتنا فاحبسنّه
كما يحسب أن الهوى حيث تنظر
إلى أن قوله: كما يحسب، أصله: كيما يحسب، فحذفت الياء لضرورة الشعر، والفعل يحسب منصوب بكي إن كانت مصدرية، وتقدر اللام قبلها، أو بأن مضمرة إن كانت كي جارة تعليلية، وما في الحالتين زائدة.

١.٢ حالات الفعل المضارع المعرب


هل يجوز إضمار كي ناصبة؟
أجاز ذلك ابن كيسان ووافقه أبو سعيد السيرافي، وذلك في نحو: جئت لأتعلم، فيجوز عندهما أن يكون أتعلم منصوبًا بكي مضمرة بعد اللام، وحجتهما في إجازة ذلك أن العرب تظهر بعد لام التعليل أنْ تارة، وكي تارة أخرى، والجمهور على أن المضمر في نحو: جئت لأتعلم، هو أن لا كي؛ لأن أن أم الباب، وهي أمكن في عمل النصب من غيرها، فهي أقوى على التجوز فيها بأن تعمل مضمرة.