![]() |
وقد تساءل النحويون عن علة رفع المضارع في تلك الحالة، ونشأ عن ذلك التساؤل أربعة أقوال في تعليل رفعه، وفيما يلي بيانها: |
![]() |
وقبل أن أترك موضوع رفع الفعل المضارع، يحسن بي التنبيه على أنواع الإعراب وهي ثلاثة: |
![]() |
ومن أمثلة المبني أن الفعل جد، في قولنا: من جد وجد، مبني على الفتح في محل جزم؛ لأنه وقع فعلًا للشرط، وكذلك الفعل وجد، مبني على الفتح في محل جزم؛ لأنه وقع جوابًا للشرط. |
![]() |
ومن أمثلة الجملة أنك إذا قلت: هذا رجل يحب الله ورسوله، كانت جملة "يحب الله ورسوله" في محل رفع؛ لأنها وقعت نعتًا لمرفوع، أما الفعل "يحب" وحده فإعرابه لفظي وهو مرفوع لتجرده من الناصب والجازم. |
![]() |
وإذا قلت: هذا رجل يسعى في الخير، كانت جملة "يسعى في الخير" في محل رفع؛ لكونها وقعت نعتًا لمرفوع وهو رجل، أما الفعل يسعى، فإعرابه تقديري وهو مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر. |
![]() |
فإن قلت: هذا رجل يدعو إلى الخير أو يجري على رزقه، كانت الجملة في محل رفع كذلك، وكان الفعل وحده مرفوعًا بضمة مقدرة على الواو أو الياء، منع من ظهورها الثقل. |
![]() |
وقد يعبر النحويون عن معنى لن بقولهم: هي لنفي ما أثبت بحرف التنفيس، أو هي لنفي سيفعل أو سوف يفعل، فقولك: لن أحضر، هو نفي لنحو: سأحضر أو سوف أحضر. |
![]() |
وقد قيل في معنى لن: إنها تفيد تأبيد النفي، والشواهد تدل على أن هذا القول غير صحيح، فمن ذلك قوله تعالى: ((فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)) [مريم: ٢٦]، فالتقييد فيه بذكر اليوم دليل على أنها لا تفيد تأبيد النفي؛ إذ لو كانت تفيد ذلك لكان الكلام متناقضًا، ومنه... |
| ...قوله تعالى: ((فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي)) [يوسف: ٨٠]، فإن قوله: ((حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي)) يدل على أن النفي بلن، لا يفيد التأبيد. والحق أن لن لا تفيد تأبيد النفي بوضعها، وإنما قد يستفاد هذا المعنى من المقام كما في قوله تعالى: ((لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا)). |
![]() |
وقيل في معنى لن: إنها تفيد توكيد النفي، وصرح بذلك الزمخشري في (الكشاف) حيث قال: "فإن قلت: ما معنى لن؟ قلت: تأكيد النفي الذي تعطيه "لا"، وذلك أن "لا" تنفي المستقبل، تقول: لا أفعل غدًا، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غدًا". |
![]() |
والجمهور على أن لن لا تفيد تأكيد النفي بوضعها، فقولك: لن أقوم، يفيد نفي القيام في المستقبل دون توكيد. |
![]() |
وذهب الخليل شيخ سيبويه والكسائي الكوفي إلى أنها مركبة من لا النافية، وأن المصدرية الناصبة للمضارع، والأصل: لا أن، فحذفت الهمزة تخفيفًا، ثم الألف لالتقاء الساكنين، وحجتهم على ذلك قرب لفظها من هذا الأصل، وكون معناها موافقًا لمعنى هذين الحرفين، وكون عملها موافقًا لعمل أن. |
![]() |
وقد رد هذا المذهب بأن التركيب فرع البساطة، ولا يحكم به إلا بدليل قاطع، والدليل القاطع على التركيب كون الحرفين ظاهرين كما في لولا، والظاهر هنا جزء من كل منهما، كما رد بأنه يجوز أن نقول: عليًّا لن أضربه، ولو كانت مركبة من لا وأن ما جاز تقديم معمول معمولها عليها؛ لأن أن حرف مصدري لا يجوز أن تتقدم صلته ولا جزء من صلته عليه، ومعمول الصلة جزء منها. |
![]() |
وذهب الفراء إلى أن لن أصلها لا، فأبدلت ألفها نونًا، وحجته أن كلًّا من لا ولن حرف ثنائي يفيد النفي، ولا أكثر استعمالًا من لن؛ فتكون لن فرعًا عنها. |
![]() |
ورد مذهبه بأن الإبدال لا يغير حكم المهمل فيجعله عاملًا، وأن المعهود في اللغة إبدال النون ألفًا وليس العكس. |
![]() |
والشاهد في الأول قوله: "لن يحل" حيث جزم المضارع يحلى بلن، وعلامة جزمه حذف الألف، والشاهد في الثاني قوله: لن يخب، حيث جزم المضارع يخب بلن، والباء فيه ساكنة في الأصل للجزم، لكنها حركت بالكسر تخلصًا من التقاء الساكنين وهما الباء واللام من الآن. |
![]() |
والجمهور على أن ذلك لا يقاس عليه، ويقتصر فيه على ما سمع، على أن الأول يحتمل أن يكون الشاعر فيه قد اجتزأ بالفتحة عن الألف، مع كون الفعل منصوبًا بلن، والثاني يحتمل أن يكون فيه الشاعر قد أجرى الوصل مجرى الوقف، والوقف يقتضي إسكان الباء. |
![]() |
والأصل فيه: لن أدع القتال وشهود الهيجاء ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا. |
![]() |
وأجاز الكسائي في الاختيار الفصل بينها وبين منصوبها بالقسم، نحو: لن -والله- أفعل كذا، وبمعمول الفعل نحو: لن طعامَكَ آكلَ، ولن عندَكَ أحضر، ولن في الدار أجلس. |
![]() |
المراد بكي الناصبة للمضارع "كي" المصدرية، وهي بمنزلة "أن" المصدرية معنى وعملًا، وتقع بعد اللام لفظًا أو تقديرًا، ولا تقع بعدها أن. |
![]() |
ومن شواهد كي المصدرية الناصبة قول الله -عز وجل: ((لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ)) [الأحزاب: ٣٧]، وقوله تعالى: ((لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ)) [الحديد: ٢٣]. واللام الظاهرة أو المقدرة في ذلك هي لام التعليل الجارة؛ ولذلك يتعين مع وجودها كون كي حرفًا مصدريًّا، ولا يجوز جعلها حرف جر مثلًا، مع كون النصب بأن مضمرة؛ لأن الجار لا يدخل على الجار في فصيح الكلام. |
![]() |
وينبغي هنا التنبيه على المواضع التي تكون فيها كي حرف جر بمنزلة لام التعليل معنى وعملًا، وهي أربعة مواضع فيما يلي بيانها: |
![]() |
الأول: أن تكون أن المصدرية مضمرة، كما في قولنا: جئت كي أتعلم، إذا قدرت أن مضمرة ناصبة للفعل، فيتعين أن تكون كي تعليلية جارة، ولا يجوز أن تكون مصدرية؛ حتى لا يدخل حرف مصدري على مثله، مع إمكان الاحتراز من ذلك. |
![]() |
الثاني: أن تكون أن المصدرية بعد كي ظاهرة، وهذا لا يرد في الاختيار بل في ضرورة الشعر، كما في قول جميل: |
![]() |
وهناك موضعان تحتمل فيهما "كي" أن تكون مصدرية ناصبة، وأن تكون تعليلية جارة: |
|
|
|
![]() |
هل يجوز تقديم معمول منصوب كي عليها؟ الجمهور على أن ذلك ممتنع؛ لأن كي الناصبة حرف مصدري وما بعده صلة له، والصلة لا يجوز أن تتقدم على الموصول، وكذلك ما كان جزءًا من الصلة حكمه حكم الصلة، وعلى هذا لا يجوز عندهم أن يقال: جئت النحوَ كي أتعلم، أو خرجت عندك كي أجلس، أو سافرت في المدينة كي أقيم، ولو عدت كي في هذه الأمثلة تعليلية لم يجز هذا التقديم أيضًا؛ لأن الفعل المنصوب يكون حينئذ صلة لأنِ الناصبة، ولا يجوز تقديم معموله عليها. وقد أجاز ذلك الكسائي، ولعله أجازه قياسًا لا سماعًا. |
![]() |
حكم الفصل بين كي والمضارع الواقع بعدها أجمع النحويون -كما ذكر الصبان- على جواز الفصل بين كي والمضارع الواقع بعدها بلا النافية، أو ما الزائدة، أو بهما معًا، فيصح أن يقال: فعلت ذلك؛ لكي لا تغضب، ولكيما تفرح، ولكيما لا تحزن. وأما الفصل بغير لا النافية وما الزائدة، ففيه ثلاثة أقوال: |
![]() |
الأول: أنه ممنوع مطلقًا في الاختيار، وهو قول البصريين وهشام ومن وافقه من الكوفيين. |
![]() |
الثاني: أنه جائز في الاختيار بشرطين: |
![]() |
الأول: أن يبطل عملها، فيرتفع الفعل. |
![]() |
والثاني: أن يكون الفاصل قَسَمًا أو شرطًا أو معمولًا للفعل، نحو: جئت كي -والله- أتعلمُ، وجئت كي -إنْ أجتهد- أتعلم، وجئت كي النحوَ أتعلم، وهذا قول الكسائي. |
![]() |
الثالث: أنه جائز في الاختيار بالقسم والشرط ومعمول الفعل، مع إعمال كي، نحو: جئت كي -والله- أتعلمَ، وجئت كي -إن أجتهد- أتعلمَ، وجئت كي النحو أتعلمَ، وهو قول ابن مالك وابنه بدر الدين. |
|
|
|
![]() |
هل يجوز إضمار كي ناصبة؟ أجاز ذلك ابن كيسان ووافقه أبو سعيد السيرافي، وذلك في نحو: جئت لأتعلم، فيجوز عندهما أن يكون أتعلم منصوبًا بكي مضمرة بعد اللام، وحجتهما في إجازة ذلك أن العرب تظهر بعد لام التعليل أنْ تارة، وكي تارة أخرى، والجمهور على أن المضمر في نحو: جئت لأتعلم، هو أن لا كي؛ لأن أن أم الباب، وهي أمكن في عمل النصب من غيرها، فهي أقوى على التجوز فيها بأن تعمل مضمرة. |